يتبدى من هذا الحوار الإذاعي أن التصوف في شمال وغرب إفريقيا ليس مجرد تراث روحي هامشي، بل نسيج عميق يربط المدن والقبائل، والطرق التجارية، والجامعات العتيقة، ويخترق قرونًا من التاريخ من فاس إلى تمبكتو مرورًا بالسنغال والصحراء الكبرى. تنطلق المحاورة من مهرجان «أمواج» في الدار البيضاء لتعيد تركيب خريطة للتصوف المغاربي والإفريقي، حيث يبدو المغرب أحد أوضح الفضاءات التي تتجلى فيها الأخلاق الصوفية في العمران والطقوس والحياة الاجتماعية اليومية.
يضع علي بنمخلوف مدينة فاس في قلب هذه القصة باعتبارها مختبرًا مبكرًا للتجربة الصوفية؛ من الزوايا المنتشرة في أحيائها القديمة إلى مجالس المديح النبوي التي ترسخت منذ أربعة أو خمسة قرون وأصبحت جزءًا من الهوية الدينية للمغاربة. تُستعاد عبر ذكرياته العائلية صورة تدين مُراقَب من الداخل؛ التزام بالمديح والذكر من جهة، وتحمّل محدود أمام لحظة الوجد والجذب من جهة أخرى، في توازن بين صرامة فقهية وحس روحاني لا يُنكر. وفي الخلفية تحضر طرق وموسيقات مثل «الرسّاوة» التي تجعل التصوف أيضًا ممارسة شعبية، حاضرة في الأعراس والختان والاحتفالات العائلية، عبر تكرار الإيقاع وترسيخ حالة وجدٍ جماعي.
تُبرز المحاورة تداخل الأفقين المغاربي والإفريقي من خلال الطريقة التيجانية، التي أسسها سيدي أحمد التجاني المولود في الجزائر والمتوفى في فاس، والتي اتخذت من العاصمة العلمية للمغرب مركزًا روحيًا لمريدين ينتشرون خاصة في السنغال. يصف بنمخلوف حيًّا كاملاً حول ضريح التجاني في فاس، يكاد يُشعر الزائر أنه في قلب مدينة سنغالية، مع محلات وخدمات تستقبل الحجاج القادمين للزيارة «الزيارة»، في صورة ملموسة لتديّن عابر للحدود. وتتقاطع هذه الشبكات مع حضور قوي للتيجانية في فضاءات الساحل، حيث تعاقبت موجات بعث وتجديد للطريقة، خصوصًا مع شخصيات مثل الحاج مالك سي في بدايات القرن العشرين بالسنغال.
في مقابل التيجانية، تُستعاد القادرية، المنسوبة إلى عبد القادر الجيلاني ببغداد، كواحدة من أقدم الطرق التي دخلت الفضاء المغاربي والإفريقي من بوابة الفقه والاشتغال بالقانون الديني. يشير بنمخلوف إلى أن القادرية تمثّل نوعًا من «ترجيح» جهة الشريعة، بخلاف التيجانية التي تميل إلى إبراز مسار «الطريقة» وتجربة السير والسلوك، في حين يظل التمييز الصارم بين الشريعة والطريقة، في نظره، تبسيطًا شائعًا أكثر منه وصفًا دقيقًا لواقع الممارسة الصوفية. عبر هذا التباين، يقدّم صورة تصوف يتغذى من الفقه واللغة والمنطق، لا من انقطاع عن المعرفة العقلية.
يمتد الخط التاريخي عبر الصحراء ليرسم فضاءً يُقدّم لا كفراغ جغرافي، بل كصلة وصل كثيفة، حيث انتشر الإسلام في ممالك النيجر ومالي منذ القرن الحادي عشر داخل البلاطات الملكية وعلى الطرق التجارية عبر التجار والدعاة والعلماء المرابطين. في هذا السياق ظهرت الزوايا والطرق، فصارت البنية العائلية والمرابطية جزءًا من آليات انتشار التصوف في إفريقيا جنوب الصحراء، من السنغال ونيجيريا إلى القرن الإفريقي ومالي. ومن هذه التربة خرجت تجارب محلية مثل المريدية في السنغال مع أحمدو بمبا في القرن التاسع عشر، التي نسجت مشروعًا صوفيًا يجمع بين مقاومة الاستعمار الفرنسي وتثمين العمل اليدوي، في تمايز عن نخبوية التيجانية وارتباطها بمشاريع علمية وعالمية أكثر صفوية.
الكرونيك الإذاعية حول «ذهب الدار البيضاء» تضيف طبقة موازية على هذا المشهد، إذ تذكّر بأن الصحراء كانت أيضًا ممرًا استراتيجيًا للثروة المادية لا للمعرفة وحدها، وأن العلاقات بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء شملت إلى جانب شبكات العلماء والقوافل، مسارًا عكسيًا للذهب في زمن الحرب العالمية الثانية. تُروى عملية نقل آلاف الأطنان من الذهب الفرنسي والحليف إلى الدار البيضاء سنة 1940، ثم توزيع جزء منه نحو مدن إفريقية أخرى مثل وهران وداكار حمايةً له من النازية ومن قرارات حكومة فيشي، في إشارة إلى أن الفضاء الإفريقي لعب دور خزّان استراتيجي في إعادة بناء فرنسا بعد التحرير.
على خلفية هذا الامتداد التاريخي، ينتقل الحوار إلى السؤال الراهن: ماذا يمكن للتصوف في زمن تمدّد الجماعات الجهادية في الساحل والقرن الإفريقي وحتى شمال موزمبيق؟. يرفض بنمخلوف أساسًا ثنائية «إسلام صوفي معتدل» في مقابل «إسلام متشدد»، معتبرًا أن جعل التطرف معيارًا لقياس الإسلام برمّته إسقاطٌ ناتج عن تاريخ استعماري ونظرة خارجية تختزل التجربة الإسلامية في عنفها. يؤكد أن الجهادية ليست امتدادًا طبيعيًا للنص القرآني، بل ثمرة قراءات مبتورة، غالبًا عبر وسطاء يتحولون إلى مراجع شبه مقدسة، في غياب تكوين راسخ في علوم التفسير والحديث وأصول الفقه.
في هذا الإطار، يعود إلى تقليد المذاهب الفقهية، مثل المدرسة المالكية المنتشرة في المغرب والساحل، حيث لا يحق لغير المتضلعين في العلوم الدينية التعامل مباشرة مع النصوص التأسيسية بمعزل عن تراث التأويل المتراكم. من وجهة نظره، إن تخطي هذه الوساطة العلمية، في سياقات يُستهلك فيها «إسلام رقمي» عبر مقاطع قصيرة على المنصات، يفتح الباب أمام عنف يؤوّل النص من خارج سياقات القراءة والتلقي التاريخية. ومن هنا، يربط تمدد الجماعات المسلحة بفراغات الدولة، والفقر، وغياب الأفق لدى الشباب، بحيث يصبح السلاح والراتب، أكثر من المرجعية العقائدية، مدخلًا للانخراط في تنظيمات عابرة للحدود.
في المقابل، يُعاد تعريف التصوف باعتباره مشروعًا لإصلاح الحياة لا منظومة عقائد إضافية؛ إصلاح يبدأ من ترتيب السلوك، والتواضع، والجود، والامتناع عن الأنانيّة، باعتبار أن جوهر الشرك عند بعض الصوفية هو عبادة الذات لا عبادة الأصنام. يذكّر بنمخلوف بأن أعلامًا صوفيين مغاربة مثل أبي العباس السبتي جعلوا من العطاء والإنفاق معيارًا للموقف الوجودي، واستعاد قول ابن رشد بأن «العطاء يُقيم الموجودات» ليجعل من الفلسفة والتصوف معًا دفاعًا عن معنى للحياة يقوم على الكرم والمعرفة. في هذا التصور، فرح المعرفة، ودراسة اللغة والمنطق والفقه، ليست زوائد على التجربة الروحية بل في صلبها.
يربط المتحدث هذه الرؤية بما يسمّيه «أنوار الإسلام»، أي الخط الخاص بالفلسفة الإسلامية الذي مثّله ابن سينا وابن رشد ومحمد إقبال وآخرون، والذي جعل من استعمال العقل جزءًا من مقتضى الإيمان لا نقيضًا له. ينتقد القراءة الاستعمارية التي احتفت بابن رشد مثلاً بوصفه عقلانيًا «لم ينجح إلا في أوروبا»، وتركت في الخلفية استمرار تدريس المنطق وشرح أرسطو في الزوايا والمراكز العلمية من فاس إلى تمبكتو. ويستحضر مثال أحمد بابا التنبكتي، العالم المالكي التنبكتي الذي نُقل إلى فاس أسيرًا أواخر القرن السادس عشر، والذي ترك أكثر من مئات المؤلفات وأسهم في تكوين جسر معرفي بين الساحل والمغرب.
عودة مخطوطات تمبكتو إلى مركز أحمد بابا بعد تهريبها إبان سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة سنة 2012 تُقرأ في هذا السياق بوصفها استعادة لجسد معرفي مهدّد، وحماية لطبقات من الذاكرة المكتوبة تمتد منذ القرن الثالث عشر. التهديد الذي طال المخطوطات والأضرحة يكشف أن المواجهة ليست فقط بين أنظمة سياسية وجماعات مسلحة، بل بين تصوّر للتراث الديني يقوم على التعدد والتأويل والانغراس المحلي، وبين عنف يسعى إلى محو الوسائط التاريخية لصالح نسخة أحادية متخيّلة.
يتسع المشهد في نهاية الحوار إلى أفق عالمي، حيث يشير بنمخلوف إلى تقاطعات مبكرة بين التصوف وبعض تعابير البوذية، خاصة في مفهوم الرحمة والشفقة، كما في أعمال الحكيم الترمذي في القرن الثالث الهجري في فضاء ما يُعرف اليوم بأفغانستان. هذا البعد الكوني للتصوف، بما يحمله من خطاب عن الرحمة والاعتناء بالآخر وتخفيف الألم، يجعله في نظر بعض شيوخه مسارًا يمكن أن يسهم في صنع سلام في مجتمعات مثقلة بالحروب والأزمات، شرط أن تُترك العقيدة خارج صراعات السلطة ويُسلَّم أمر السياسة لأدواتها المدنية والمؤسسية. وفي جملة أخيرة مكثفة، يلخّص بنمخلوف الفارق بين المجالين بقوله إن الجزاء والعقاب ينبغي أن يبقيا من اختصاص السياسة، فيما تظل الدين إصلاحًا للحياة من دون إكراه، في تمييز واضح بين الإيمان الحر والعنف المنظم.



