كيف تعامل علماء المغرب والمشرق مع قضايا الإصلاح في القرن التاسع عشر؟

أضيف بتاريخ 04/10/2026
منصة أقطاب

واجه علماء المغرب والمشرق قضايا الإصلاح في القرن التاسع عشر من خلال حركتين رئيسيتين متداخلتين. الحركة السلفية الإصلاحية (بقيادة رواد مثل الأفغاني وعبده) والحركة التصوف الإصلاحي (بقيادة شخصيات مثل أحمد بن إدريس ومحمد العربي بن السائح). تميزت هذه المواجهة بالسعي للأصول، ومحاربة "البدع"، وإعادة فتح باب الاجتهاد لمواجهة التحديات الداخلية والضغوط الاستعمارية.



إليك أبرز ملامح هذه المواجهة:

1. الدعوة للتمسك بالأصول (السلفية) والاجتهاد

ركز علماء الإصلاح في المشرق والمغرب على ضرورة التوجه نحو "الإسلام الصافي" كما مارسه السلف الصالح، والاعتماد المباشر على القرآن والسنة.

  • رفض التقليد: حارب المصلحون (مثل محمد عبده وأحمد بن إدريس) "التقليد الأعمى" للمذاهب الفقهية، ودعوا إلى فتح باب الاجتهاد الذي كان يُعتقد أنه أغلق منذ القرن العاشر.

  • التوفيق مع العصر: في المشرق، اتسم الإصلاح في نهاية القرن التاسع عشر بمحاولة التكيف مع العالم الحديث والتقنيات الغربية، معتبرين أن الإسلام لا يتعارض مع التقدم.

2. ظهور "التصوف الإصلاحي" أو "الطريقة المحمدية"

لم يكن الإصلاح مقتصرًا على الفقهاء "الظاهريين". بل قاد علماء متصوفة حركة إصلاحية عميقة أطلق عليها الباحثون "التصوف الإصلاحي" أو "الطريقة المحمدية".

  • أحمد بن إدريس (ت 1837) يُعد شخصية محورية في هذا الصدد. درس في فاس ثم استقر في مكة، ونادى بالارتباط المباشر بالنبي ﷺ ورفض الانحصار في المذاهب الفقهية الأربعة، مما أثار غضب فقهاء مكة آنذاك.

  • محمد العربي بن السائح (ت 1891) ساهم في المغرب في تثبيت "أرثوذكسية" الطريقة التجانية من خلال كتاباته (مثل بغية المستفيد). حيث ربط التصوف بالشرعية السنية والالتزام بالشرعية، وهو ما عُرف بـ "التصوف المصلح".

3. محاربة "الجمود" و"الممارسات الطرقية" غير الصحيحة

واجه المصلحون ما اعتبروه "انحرافات" في ممارسات الزوايا والطرق الصوفية الشعبية (المعروفة بـ "المرابطية"):

  • انتقدوا الممارسات التي اعتبروها شركية أو خرافية، مثل عبادة الأولياء وادعاء الكرامات.

  • رأى المصلحون أن هذه الممارسات أدت إلى استسلام المجتمع أمام التغلغل الاستعماري.

4. الموقف من التكنولوجيا والاستعمار

تفاوتت ردود الفعل تجاه التقدم الأوروبي:

  • الشيخ ماء العينين (المغرب) واجه تياراً القوة العسكرية الأوروبية لكنه لم يرَ في اختراعاتهم (كالقطار والتلغراف) دليلاً على ضرورة إصلاح الإسلام؛ بل اعتبرها أدوات يمكن للمسلمين استخدامها لتعزيز قوتهم دون المساس بالعقيدة أو الممارسة الدينية.

  • رأى رواد مثل جمال الدين الأفغاني أن استعادة عظمة الإسلام تتطلب استيعاب العلوم الحديثة وإصلاح النظم التعليمية في جامعات مثل الأزهر والزيتونة والقرويين.

5. دور الرحلة و"العلاقة العابرة للحدود"

"الرحلة في طلب العلم" والحج في خلق شبكة تواصل قوية بين علماء المغرب والمشرق؛ حيث تبادلوا الأفكار الإصلاحية. على سبيل المثال، تأثر العلماء الإندونيسيون بأفكار الأفغاني وعبده أثناء وجودهم في مكة ونقلوها إلى بلادهم، كما انتقلت أفكار "التصوف السني" المغربي إلى مصر عبر علماء مثل الشاذلي والتجاني.

باختصار، واجه علماء القرن التاسع عشر قضايا الإصلاح من خلال دمج الصرامة الفقهية (الشرعية) بالعمق الروحي (التصوف السني). كما حاولوا جاهدين تخليص الفكر الإسلامي من الجمود الموروث لمواجهة التحديات الجديدة.