أثر الاستعمار الفرنسي على الطرق الصوفية في المغرب بشكل معقد ومتنوع، حيث لم تكن هناك استجابة موحدة؛ بل تراوحت المواقف بين المقاومة المسلحة، والتسامح الصامت، والتعاون المفتوح.
إليك التفاصيل الرئيسية لهذا التأثي:
-
سياسة التحييد والامتيازات: اعتبرت السلطات الفرنسية الطرق الصوفية عناصر أساسية في التكوين الاجتماعي المغربي، لذا حاولت تحييدها سياسياً من خلال منحها امتيازات وفواضل. وقد تسامحت السلطات مع ممارساتهم الدينية، بما في ذلك الحج واسع النطاق، وحافظت على تقليد "التنفيدة" الذي يتيح للصوفية الاستفادة من تبرعات مالية كبيرة.
-
ازدهار الصوفية خلال الفترة الاستعمارية: على عكس ما قد يُعتقد، شهدت الصوفية نوعاً من الازدهار خلال فترة الحماية (1912-1956). أصبحت الزوايا، بهياكلها غير البيروقراطية، مراكز مهمة للحياة الدينية اليومية في جميع أنحاء البلاد، لدرجة أنها أصبحت بالنسبة للكثيرين مراكز للإيمان أكثر من المساجد نفسها.
-
انقسام المواقف السياسية: لم تكن المواقف مبنية على أسس عقائدية بقدر ما كانت مرتبطة بالظروف التاريخية؛ ففي بعض الأحيان، كان عضوان من نفس الطريقة يتبنيان مواقف متناقضة. على سبيل المثال، قاوم "ما العينين" الفرنسيين في الجنوب، بينما كان شقيقه يتعاون معهم في نفس الوقت. وفي حالة أخرى، طلب القائد الصوفي عبد الرحمن الدرقاوي مساعدة الفرنسيين لردع تقدم قوات محمد بن عبد الكريم الخطابي.
-
قضية الطريقة الكتانية: برز محمد بن عبد الكبير الكتاني كقائد صوفي نادى بأجندة إصلاحية ومناهضة للاستعمار بشكل علني. ومع ذلك، انتهى الأمر بتصفيته بوحشية على يد السلطان عبد الحفيظ عام 1909 بعد أن قرر الأخير التقرب من الفرنسيين وتصفية خصومه، مما أدى إلى تراجع الانخراط السياسي للصوفية لعقود لاحقة.
-
تحدي الحركة الوطنية والسلفية: في أواخر عشرينيات القرن الماضي، بدأت الحركة الوطنية المغربية المتأثرة بالفكر السلفي والحدثي في انتقاد الطرق الصوفية. اتهم "السلفيون" الصوفية بممارسة طقوس "هرطقية" والارتباط المفرط بالأشخاص (البركة)، مما أدى إلى تراجع النفوذ الاجتماعي للصوفية مع اقتراب المغرب من الاستقلال عام 1956.
باختصار، وبينما وفر الاستعمار الفرنسي بيئة سمحت للصوفية بالاستمرار والازدهار كمؤسسات دينية واجتماعية من خلال منحها الامتيازات، إلا أن هذا الوضع وضعها في مواجهة مباشرة مع القوى الوطنية الصاعدة التي رأت في بعض ممارساتها وعلاقتها بالسلطة عائقاً أمام التحديث والاستقلال.


