الروض الباهر في همة السي طاهر

أضيف بتاريخ ١٢/٠٢/٢٠٢٠
عبد الله ابن الفقير المصباحي الحمري


تميز أهل العلم بهمة عالية، ونفس أبية، وبالحزم والجد في تعلم العلوم، فرحلوا في طلبه وطافوا البلدان لتحصيله، وقطعوا الفيافي والقفار، وركبوا الأهوال والبحار، وصبروا على شظف العيش وقلة الزاد، وتنقلوا بين مراتع العلم وحقول الأدب، واقتطفوا من أزهاره، وتحلوا بحلله، وذاقوا لذته وحلاوته، بعد أن لعقوا أوصابه، وعرفوا أتعابه، فحين تحصل اللذة يهون البذل، والشيخ إذا طالت رحلته، وكثر شيوخه، وجد واجتهد وحصل العلم والأدب وذاق طعم العلم، تراه ملازما للتعليم والتدريس والبحث طوال حياته، مصداقا لقول أبي حنيفة " من المحبرة إلى المقبرة". فإذا رجع من رحلته شارط بأحد المساجد أو بنى مدرسة وجمع الطلاب والصبيان وعكف على تدريسهم وإقرائهم، لا يكل ولا يمل.
وبواعث الطلب وقوادح الهمم كثيرة، ومنها ما يكون بازدراء أو تنقص الطالب في أول أمره، أو أن يحرجه أحد أقرانه أو شيوخه، فلا يرضى بذلك، فيجمع قواه ويشمر عن ساعد الجد، ويعكف على ذلك العلم حتى يبرع فيه، ويتفوق على من ازدراه أو تنقصه، وشواهد هذا كثيرة؛ فمنها ما حكي عن سبب طلب الإمام ابن حزم الظاهري للعلم، وما حكي عن الإمام ابن القاسم العتقي أثبت الناس فقه في مالك، فقد حكي عنه : أنه كان يتجول في حواضر مصر راكبا بغلته مسرجة، وعليه هبة العلم، وتبدو على محياه وقار العلماء، فاعترضته امرأة تحسبه من العلماء، فسألته مسألة، فأحرج وانقبض، ثم أخبرها أنه ليس من أهل العلم ولا دراية له بالفقه، فعيرته وقالت بيت صار مثلا:

 

وكم راكب بغلا له عقل بغله ... تأمل ترى بغلا على ظهره بغل

 

فقدح هذا البيت في فؤاده زناد طلب العلم، فشد الرحال إلى عالم المدينة، وهو يقول لامرأته:
أقول لها والعيس تسرح للنوى... أعدي لفقدِي ما استطعتِ من الصبر
أليس من الحرمان أن لياليا... تمرُّ بلا نفع وتحـسب من عمـــــــري
فلزم الإمام مالك عشرين ستة حتى صار أحفظ الناس لفقه مالك.
ومن أهل الهمم المغاربة الذين دفعهم إحراج أقرانهم إلى الاعتكاف والإدمان على الدرس والطلب، ما حكاه الشيخ سيدي عبد الهادي حميتو عن خاتمة الحفاظ سيدي الطاهر الحريري العبدي العشراوي رحمه الله تعالى، وهذا نصه:
"ومن هذه القصص في علو الهمة وشمم النفس أيضا ما حدثنا به عن نفسه أحد أصدقائنا من طلبة القراءات الحفاظ (سيدي الطاهر الحريري) أنه لما انتهى من حفظ القرآن شارط في بعض مساجد عبدة سماه لنا، وكان يقرئ فيه الصبيان، فصنع رجل من الجماعة مأدبة دعا إليها الطلبة وكان ممن حضرها طالب من حفاظ السبع (سيدي عبد الرحمن بن دح الدكالي)، فكنا على العادة نتناشد الأنصاص القرآنية، فأنشدت بيتا فيه شيء من أحكام الرواية، فقال لي الطالب السبعي – وهو يعلم أني لا أحفظ الروايات -: اقرأ لنا بما يدل عليه البيتالمذكور، قال: وكان ذلك بحضور الطلبة والجماعة، فوقع له حرج عظيم، وتمنى لو ساخت له الأرض، ولاحظ بعض الطلبة الحال، فقال: هل حان موعد صلاة الظهر؟ ، قم بنا لنجدد الوضوء، ثم أخذ بيدي، فلما خرجنا جعل يصبرني ويواسيني، ولما رجعنا إلى المجلس أغلقنا هذا الموضوع، ولكنني بعد تفرق الطلبة جمعت الجماعة في المسجد وودعتهم، وحملت أمتعتي إلى مسجد جديد بحثت عنه، قريب من أحد شيوخ القراءات بمدينة آسفي (الشيخ سيدي محمد العبادي) فجعلت أختلف إليه بلوحي كل يوم في حفظ القراءات حتى ختمت ختمة بالمكي ثم أخرى بالبصري، فحفظتها عليه حفظا بالغا، ثم شددت الرحال إلى مدرسة سيدي الزوين فقرأت بالسبع على أستاذها الحاج عابد السوسي – رحمه الله – ثم بالعشر الكبير أيضا، ثم قرأت بالعشر الصغير على الأستاذ السيد علال القاسمي العشراوي – رحمه الله-، فلما قضيت ذلك جئت إلى الشيخ عبد الرحمن بن دح، فقلت له: جئت لتسمع مني ما يدل عليه البيت الذي سمعته مني سابقا، فكنا نقرأ الختمة بالسبع من أولها إلى آخرها"

 

ومن أصحاب الهمم العالية من شيوخ قبيلتي، الشيخ الحافظ المقرئ سيدي موسى بن الطاهر الرحالي المصباحي الحمري، شيخ المصابيح الطالعة في زمانه، وعليه أخذ جل طلبة المنطقة، ومنهم كذلك سيدي عبد العالي بن أحمد بن عبد القادر المصباحي الحمري، أستاذ القرآن بمدرسة سيد الزوين حاليا.

عبد الله ابن الفقير المصباحي الحمري / كلية اللغة العربية

المصدر