أبو الحسن الشاذلي -3

أضيف بتاريخ 07/19/2021
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

 دعوة الحق
63 العدد

لقد حبب إلي أن اقرأ عن أولئك المغمورين الذين طواهم التاريخ، وطوى معهم علومهم وأفكارهم، وما أكثرهم في البادية، وفي كل بلد ومكان، ففي العصر الشاذلي، مثلا نجد الشاعر الصوفي نجم الدين بن إسرائيل، الذي عاصر ابن الفارض، واستقيا من نبع واحد، أصبح وكأنه نكرة غير معروفة، وشيوخ التصوف، أو الأقطاب على حد تعبيرهم، الذي زارهم أبو الحسن المراكشي في بادية الصعيد والشام...وتحدث بإسهاب عن مناقبهم وزواياهم..في كتبه«مناقب الأولياء» وصفة سلوك الأصفياء- في حاجة إلى دراسة كمدارس لها منهجها وطابعها الخاص.

وفي المغرب نجد أنفسنا أمام أسماء لامعة، وشخصيات لها مكانتها ومقامها المرموق كابن مشيش الذي انبثقت منه الطريقة الشاذلية، وأستاذه ابن المديني، ودفين ترغة، ومن إليهما، لكن معلوماتنا عنهم جد ضئيلة لا تكاد تذكر، والشاذلي نفسه، كاد يلقى نفس المصير لولا انه خرج من قفص البادية، وزار بعض الحواضر في المشرق والمغرب، على أن حياته الأولى لا تزال مغمورة، ومجهولة بالمرة لا نعرف عنها لا قليلا ولا كثيرا نوشستبقى رهنا بذمة الزمن حتى تتجه أنظار الباحثين إلى البادية، ويكتشفوا الستار عن معالمها، ويدسوا وثائقها، ورسومها وبيئة كل قبيلة وبلدن ولعل ابن خلدون هو المؤرخ الوحيد الذي فتح لنا هذا الباب وقدم دراسات مستفيضة ومدققة عن قبائل المغرب وطبائعها وأحوالها، والدول التي مرت بها..ولكنها خطوة أولى يجب أن تتلوها خطوات، وهنا ينبغي أن نتساءل لماذا كان موقف المؤرخين العرب والمغاربة بوجه خاص، من هذه الدراسات ظ ولذا ما أن طلع مقال الدكتور الشيال في هذه المجلة الغراء(دعوة الحق)(1)وهو من هو في علمه الغزير واطلاعه الواسع- عن أبي الحسن الشاذلي حتى بادرت لقراءته، لعلي أجد فيه ضالتي المنشودة،وتتبدد تلك الغيوم التي طالما خيمت على مخيلتي، فقرأت المقال، وعدت إلى قراءته غير مرة، وانتظرت بكل تلهف القسم الأخير منه، وربما كنت أول قارئ له، والواقع أين استفدت من هذا المقال كثيرا، لكن استوقفني أمور، وبعضها من البداهة بمكان فأحببت أن أراجع الدكتور فيها لعله يزيدها وضوحا ولبيانان وتتلخص في النقاط التالية:

1)ولد أبو الحسن الشاذلي في غمارة، ولكن في أي مكان ؟ والى أية قرية ينتمي ؟
يذكر الدكتور انه ولد في قرية غمارة، وينتمي إلى قبيلة عمران(عموان) التي ينتمي إليها ولي الله عبد الرحيم القنائي..والتاريخ لا يعرف غمارة كقرية، بل كقبيلة من قبائل مصمودة، وبعبارة أدق، فهي إقليم كبير في شمال المغرب يمتد على سواحل الأبيض المتوسط منطنجة إلى حدود وادي ملوية(الريف)، ويتصل على ضفة المحيط بقبائل برغواطة( أهل تامسنا)(2).


وتختلف حدود غمارة باختلاف العصور، والظروف السياسية، ففي عصر الشاذلي الذي نتحدث عنه يذكر المراكشي في المعجب ص 251( إنها قبيلة لا يكاد يحصرها عد، ولا يحدها حرز لكثرتها..ومسافة بلادها طولا وعرضا نحو اثنتى عشرة مرحلة..)(3) ويذكر البكري والإدريسي أنها تبتدئ منواد راس(قرب تطوان) وتنتهي بانتهاء بلاد بادس، فيخرجان منها سبتة وطنجة(4) ويقول ابن خلدون في صدد الحديث عن غمارة، وقد أطال في ذلك(وهم شعوب وقبائل أكثر من أن تنحصرن والبطون المشهورة منهم: بنو حميد ومتيوة وبنو نال واغصاوة وبنو زروال ومجكسة(بني حسان)(5) ثم تفرعت إلى قبائل اتسع بعضها حتى

استقل بنفسه، وتجرد عن اسم غمارة، واندمج البعض الآخر في قبائل الريف، حتى أصبحت غمارة إلى اليوم تطلق إلا على تسع قبائل كبني خالد بني زجل بني زيات بني سلمان بني منصور بني بوزرة بني جيري بني سميح بني رزين.

أما قبيلة عموان التي يذكر الدكتور انه ينتمي إليها أبو الحسن الشاذلي فلا وجود لذكرها قديما ولا حديثا عنه المؤرخين المغاربة والقبيلة التي ينتمي إليها الشيخ عبد الرحيم القنائي- هي قبيلة غمارة وقد ولد بقرية ترغة- بني زيات، شرقي تطوان تبعد عنها بنحو 60 كلم.


وكانت غمارة في هذا العهد، حسب التقسيم السياسي، من أعمال سبتة(6)ولذا يقال في ترجمة القنائي انه ولد في إحدى قرى سبتة (7) ولا ادري من أين أتى السندوبي وإضرابه بهذا الاسم (عمران) ولعله تصحيف عن كلمة غمارة، فكلاهما يتألف من خمسة أحرف، صحفت الغين المعجمة بالعين المهملة والألف بالواو والراء بالألف والهاء بالنون،وما أكثر مثل هذا التصحيف في كتابات إخواننا الشرقيين، وهم معذورون كل العذر، لبعدهم عن هذه الديار، ولأنهم يعانون اشد ما يعانون في قراءة الخط المغربين ولكنه الواقع المؤلم.

بقي أن اذكر المكان الحقيقي الذي ولدفيه أبو الحسن الشاذلي، والذي تناقله الناس أبا عن جد بقبائل غمارة إلى اليوم، وتورد هذه القصة كما يرويها بعض المؤرخين من أبناء هذا البلد، بأسلوبه المهلهل، حفظا لأمانة التاريخ، قال السيد الطاهر الجريري في كتابه(بهجة إيضاح الكلام، في مناقب الحاج عبد السلام):ولد أبو الحسن الشاذلي ببلد غمارة، قبيلة بني سميح مدشر تازمورت، وداره هناك صارت خربة في خلوة، قال والعلماني كنت يوما جالسا بزاوية وزان،مع نائي الشيخ مولانا الطيب، السيد التهامي الوزاني، وكنا نتحدث مع بعضنا في أمور، حتى ذكرنا ولادة الشيخ أبي الحسن، فقلت له يا سيدي، ولد بغمارة، قبيلة بني سميح، فقال لي كنت يوما في قبيلة بني سميح، بمدشر تازمورت جالسا مع رجل كبير السنن من المدثر المذكور، يحدها حزر لكثرتها..ومسافة بلادها طولا وعرضا نحو اثنين فذكرنا ولادة الشاذلي،فقال لي الرجل انظر خربة داره في هذه الخلوة فإذا بها دار مخربة قديمة، في خلوة هنالك..)(8)وقد يأخذك العجب من زاوية تعيش على السنة الناس أكثر من ثمانية قرون، ولكنها الحقيقة، والحقيقة لا تموت، إني لم أقف عند هذا النص، بل اتصلت بكبار الشيوخ والعلماء بهذا البلد، فسألتهم عن أصل هذه الرواية، فأكدوا لي ذلك واعتبرتها نقطة البداية لمواصلة البحث.

وتقع قرية تازمورت هذه بقبيلة بن سميح،إحدى قبائل غمارة البحرية، في الجنوب الشرقي لتطوان على بعد نحو مائة وعشرين كلم، ومن علماء هذه القبيلة أبو عبد الله مسرف النالي، والمصيفر المحمدي نسبة إلى تلا محمد، وهما مناهل الفضل والصلاح، وعلى قدم راسخ في التصوف والمعرفة،رحلا إلى المشرق، وحجا، وطوفا على كثير من البلدان.
2) وإذا كان أبو الحسن الشاذلي ولد بغمارة، وبها نشأ،وحفظ القرآن..فلماذا ابعد النجعة، ورحل إلى تونس ؟ وفي المغرب مدن كبيرة، مثل فاس ومراكش وسبتة، وهي غاصة بالعلماء وشيوخ التصوف، فهو- كما يقول الدكتور- لم يتجه إليها، ولم يأخذ عن واحد من علمائها..إن الروايات التاريخية تثبت، بل تكاد تجمع على أن أول من أخذ عنه أبو الحسن طريق القوم هو أبو عبد الله بنحرازم، وهو طبعا من شيوخ فاس، ورجال التصوف لهذا العهد، اخذ عنه قبل أن يرحل إلى تونس، ولابد أن يكون قد اخذ عن آخرين سواه من أهل الفقه والحديث، وعلوم العربية نقال الشيخ علي سالم عمار في كتابه القيم: أبو الحسن الشاذلي ج 1 ص 49(ولد أبو الحسن الشاذلي سنة 593 في غمارة، ونشأ فيها،وأتم حفظ القرآن وتجويده بها، وتلقى علومه الابتدائية على شيوخها ، وحينئذ تاقت نفسه إلى سلوك طريق القوم، فأخذ عنابي عبد الله ابن أبي الحسن ابن حرازم..وليس منه خرقة التصوف،وسلك على يديه بادئ الأمر، وزاد يقول ص 61 وأبو عبد الله هذا هو أول من تتلمذ عليه أبو الحسن ولأول متن لبس منه خرقة التصوف، وأول من تعلم منه طريق القوم..وذلك قبل أن ينتقل الشاذلي إلى تونس).

                                        
3)والعصر الذي نشأ فيه أبو الحسن الشاذلي، وعاشه بالمغرب، هو عصر الموحدين، ولكن هل كان عصر التزمت وحنق الحريات..كما يحلو لبعض المؤرخين أن يصوره بذلك ؟
لا أعتقد ذلك صحيحان فالعصر الموحدي هو العصر الذهبي، الذي ازدهرت فيه الحضارة العربية بالمغرب، واتسع نطاق الفكر الإسلامي(وكانوا – والحق يقال- أشبه الدول الإسلامية بالعباسيين، في الأخذ بضع العلوم الحكمية، وتنشيط رجالها..)(9)ويعقوب المنصور الذي يرمي به تحجر الفكر، وضيق الأفق..هو الذي كان من شدة عنايته بأفذاذ هذه الطبقة- أن سمع طبيبه الخاص، أبا بكر بن زهر، يتشوق إلى ولد له صغير:

«ولي واحد مثل فرخ القطا    صغير تخلفت قلبي إليـه
وأفردت عنه فيا وحشتـي       لذلك الشخيص وذاك الوجيه
تشوقنــي وتشــوقتـه       فيبكي علي وابكــي عليه
وقد تعب الشوق ما بيننا    فمنه إلي ومني إليه»
فيرسل المهندسين إلى اشبيلية، وما مرهم أن يحيطوا علما ببيوت ابن زهر، وحارته، ثم يبنوا مثلها بحارة مراكش فيفعلوا أمرهم في اقرب وقت، وتفرش بمثل فرشه، ويجعل فيها مثل آلته، ثم يأمر بنقل عيال ابن زهر وأولاده، وحشمه وأسبابه، إلى تلك الدار، فيحتال على ابن زهر ويدخله إليها، فإذا ولده الذي تشوق إليه يلعب في البيت، فيحصل له من السرور مالا مزيد عليه، ولا يعبر عنه.. فهل سمع بمثل هذا في إكرام العلم والعلماء ؟ وهل بقيت بعد غاية في هذا السبيل ؟ أما كان بدا منه نزوة في حق ابن رشد بعد إكرامه، وإحلاله المحل اللائق به، فيرجع السبب فيه إلى أمر سياسي محض، كما فصل ذلك المؤرخون، على انه تدارك ما فات وعاد، فأصلح ما فسد(10).

أما التصوف فالموحدون هو الذين رفعوا عنه الخناق الذي طوقه به المرابطون، ولم يبق للفقهاء على أهله تلك الصولة، فظهر جماعة من الصوفية الكبار، أصحاب النزعات الفلسفية،وانبثت مذاهبهم المختلفة في الناس(11) كأبي الحسن المسفر وأبي العباس السبتي، وأبي محمد صالح الآسفي. 
ومن شيوخ التصوف الكبار لهذا العهد- أبو يعزي يلنثور وهو من طراز آخر، وكان مثال الصوفي السني الكامل وهو من بادية بني صبيح من هسكورة، أو من اغامات ايلان نزل تاغية بجبل ايرخان من عمل مكناسة الزيتون، وأقام له مدرسة خاصة بهذه الجهة، وكان المنتسبون يهرعون إليها من سائر أنحاء المغرب والأندلس، وممن تخرج من هذه المدرسة أبو مدين الغوت، ويحدثنا عن قصة اتصاله بابي يعزى، وخروجه من فاس إلى البادية فيقول(لما كنت بفاس بعد معرفتي بالشيخ أبي الحسن بن حزرم، وملازمتي له، سمعت الناس يتحدثون بكرامات أبي يعزى، فذهبت إليه في جماعة،فلما وصلنا جبل ايرخان، ودخلنا على أبي يعزى- اقبل على القوم دوني)(12) وقد توفى أبو يعزى سنة اثنين وسبعين وخمسمائة 572 هـ وقد عمر طويلا حتى قيل انه ناف على المائة والثلاثين، ومن هنا نعلم أن ما ذكره الدكتور من انه كان يقيم بفاس أواخر القرن السادس، وان تابع فيه غيره- فانه لا يتفق مع ما ذكره المؤرخون المغاربة الذين عاصروا أبا يعزى وكتبوا عن حياته شبه مذكرات يومية(13).

بقي أن نعرف ما هو السبب الحامل ليعقوب المنصور على استدعاء أبي مدين إلى مراكش ؟ وما هي الصورة التي اشخص بها ؟ تضطرب الروايات في هذا الموضوع، وينساق بعض المؤرخين لعواطفهم، فيصورون قصة أبي مدين هذه، وكأنها إحدى قصص ألف ليلية وليلة ؟ فهو بين يدي زبانية يعقوب المنصور يوسف في سلاسله وأغلاله، ومن ورائه تلاميذه ومريدوه،وهم يبكون وينتخبون وكأنه ثائر شق العصا، أو باع لطخ يده بدماء..أو..والرواية التي تبدو واضحة لا يشوبها غلو ولا تحيز، وهي التي تذكر أن الخليفة يعقوب المنصور، لما بلغه أمر أبي مدين ببجاية، والتفاف الناس حوله، وتوارد الوفود عليه من كل بلد، وتكرر الشكايات والوشايات به من ذوي الأغراض، وما أكثرهم في كل زمن ومكان، حتى لقد قال بعض الفقهاء ليعقوب المنصور أن هذا الرجل يخاف منه على دولتكم، وان له لشبها بالإمام المهدي، وله أتباع كثيرون، وأصحابه في كل بلد وإقليم..تقول هذه الرواية بصيغة التمريض هكذا


زعموا أن ذلك وقع في قلبه، وأهمه شأنه، فكتب إليه يستدعيه واسطة قائد بجاية، وقال له احمله حملا مكرما(14).

وهناك رواية تبرئ ساحة المنصور من كل تهمة إزاء أبي مدين، فقد ذكر أبو محمد الحضرمي في كتابه«روض الرياحين وحكايات الصالحين»: أن الخليفة يعقوب المنصور وجد في نفسه نزوعا عن الملك، واتعرته أحوال أشبه بأحوال المريدين، فاختار أن يتروى في قصره، ويأخذ البيعة لولي عهده، وقد أشارت عليه بعض حظياته أن يستشفي بالطبيب النفساني، الشيخ الأكبر أبي مدين الغوث، فكتب إليه أن أطع الله ورسوله فيما أمر به من طاعة أولياء أمره..واحضر لدي فقال أبو مدين سمعا وطاعة، فلما وصل الشيخ أبو مدين إلى تلمسان، وأحس بثقل المرض عليه، قال لرسول السلطان سلموا على صاحبكم وقولا له: شفاؤك على يد أبي العباس(يعني السبتي)(15) ومن هذا ما ذكره ابن خلكان وغيره من أن يعقوب المنصور تجرد في أخريات حياته وساح في الأرض وهو مستخف، حتى انتهى إلى بلاد المشرق ومات هناك خاملا(16).
وهناك غير شاهد واحد على أن يعقوب المنصور، كانت له روح صوفية، واعتقاد كبير في شيوخ التصوف وأهل الكرامات، وكان كثير التعظيم لأبي العباس السبتي، وغيره من أولياء الله، فكيف يقال انه اضطهد الصوفية، وامتحن أرباب الزوايا، وكان يحملهم إليه للمحاكمة في السلاسل والأغلال.
4)وكما قلت سابقا، فان الحياة الأولى لأبي الحسن الشاذلي، لا تزال غامضة، لم يرفع عنها الستار بعد، ولذا نرى الذين كتبوا في هذه الفترة من حياته يتعثرون في كل شيء، وحتى في الأشياء البسيطة، التي ربما يحتاج إلى الوقوف معها طويلا، مثلا تذكر بعض المصادر أن أبا الحسن انتقل من غمارة إلى بني زرويل بالخماس على بعد نحو 70 كلم،فيذهب المؤرخون في هذه الرحلة مذاهب شتى، ويخلقون لها الأسباب والعلل، ويبنون- كما يقال- قبة من حبة، فمنهم من يرى أن انتقاله كان لطلب المزيد في العلم والمعارف، وأنه لم يول وجهه شطر سبتة أو مراكش أو فاس، ابتعادا عن حركة التزمت والجمود)(17)فيذهب بهم الوهم إلى إن يتخلوا زرويلة، إحدى القرى المغربية العادية- وكأنها مازونة في عهد ازدهارها- ومنهم من ذهب إلى ابعد من هذا، فاعتقد أن زرويلة إحدى المراكز الهامة بتونس، واعتبر هذه الرحلة التي ورحلها أبو الحسن، وهو في طور الصبى لا يتجاوز سنه التاسعة من عمره- هي الرحلة الأولى لأبي الحسن إلى تونس، وفي هذا الصدد يقول الدكتور:(ورحل أبو الحسن الشاذلي من قريته غمارة إلى تونس حوالي 602، وهو بعد حدث صغير السن في نحو العاشرة من عمره، وبدأ هناك يتلقى على علمائها الفقه على مذهب مالك..) ولا ادري كيف يفهم هؤلاء الروزاية التي تذكر عن أبي الحسن الشاذلي وهو يتحدث عن رحلته إلى تونس(دخلت تونس وأنا شاب صغير، فوجدت فيها مجاعة شديدة..فأعطيته(الخباز) برني وكرزيتي) ولعلم يعتقدون إن الشباب يبتدئ الإنسان من التاسعة من عمره، وان الأحداث في المغرب يولدون شيوخا، ويلبسون البرانس ويضعون على رؤوسهم الكرازي).

والرواية الصحيحة المتصلة بالإسناد- كما يقولون- هي التي تذكر أن انتقال أبي الحسن من غمارة في هذا السن المبكر، كان لأسباب قاهرة فوق إرادتهن فقد توفي والده، وهو بعد صبي وكأنه تركه بدون كافل، فاضطرت أمه إلى الانتقال به إلى بني زرويل، وعلى وجه الضبط إلى قرية(اشتنواغن) بقبيلة الأخماس المجاورة لغمارة، وتبعد عن شفشاون بنحو 15 كلم، وكان انتقال لمه إلى هذا المكان يقول الراوي إما لان أهلها واصلها من هناك، وأما لأنها تزوجت إلى تلك القبيلة بعد أن ترملت)(18)، وهكذا شاءت الأقدار أن يذوق أبو الحسن الصبي مرارة اليتم بموت والده، ويتحمل آلام الفرقة بهجرته عن مسقط رأسهن فيتنقل مع أمه إلى دار أخواله أو بيت زوج والدته، وكلاهما غريب عنه، وقد مر طريقه بجبل تيزريان، حيث مغاور الأولياء، ومعابد النساك الأصفياء، وكان يور من بعيد ذلك الجبل الأشم، جبل العلم حيث مغارة القطب الانور ابن مشيش، ومن هناك صاحب الصبي سر، ووقر في قلبه نور، وأصبحت نفسه تحدثه بأشياء...وربما لو حدث بها الناس لقيل عنه انه مجنون أو في عقله خبل، ولكنه سر ومعرفة، ولابد

                               
أن يبحث عمن يكشف له عن هذا السر، وبشرح له تلك الهواجس التي تتوارد على قلبه، يوكاد يضيق لها صدره، إذن لابد أن يرحل إلى فاس موطن العلم والمعرفة، ولابد أن يزور شيخ الصوفية وارث سر أبي مدين الغوث، أبا عبد الله بن حرازم، فهو الذي يدله على الطريق، وهو وحده الذي يأخذ بيده.

5)ثم هناك من المؤرخين من خلط، فلم يفرق بين الشيوخ الذين اخذ عنهم أبو الحسن وهم بالمغرب، وبين الآخرين الذين لقيهم وأخذ عنهم بتونس، حتى لقد ادمجوا بعض الشيوخ المغاربة في علماء تونس، وربما لم يروا قط تونس في حياتهم، كابي عبد الله بن حرازم الفاسي، (ت 633) وأبي محمد صالح الآسفي(ت 631)(19) ومن هذا القبيل ما يذكره الدكتور في رحلة أبي الحسن الأولى إلى تونس، قال: (لم يكن غريبا أن يشيح الشاذلي بوجهه عن مدن المغرب الأقصى الكبيرة ويرحل إلى تونس ليستكمل علومه بها، وفيها على ذلك الوقت كان يقيم عدد كبير من أعلام التصوف أمثال الشيخ محمد صالح(كذا) بن ينصار..وزاد يقول:وفي تونس قضى أبو الحسن سنوات الصبى والشباب الأول تتلمذ فيها على كبار علمائها وشيوخها، ومتصوفيها،  فبدا بابي عبد الله بن حرازم..) وهنا نورد ما ذكره الشيخ على سالم عمار نقلا عن بعض المؤرخين المغاربة ج 1 ص 61- قال وهو يتحدث عن شيوخ أبي الحسن الشاذلي( أبو محمد بن حرازم- احد شيوخ المغرب والأندلس المعدودين، أدرك أبا مدين، واخذ عنه وانتفع به كما أدرك تلميذه أبا محمد صالح بن ينصار الدكالي إلى أن يقول: وكان لأبي عبد الله مقام كبير بالمغرب، توفي ودفن بالأحواز بضواحي فاس سنة 633 ويعرف هناك بسيدي حرازم السخونات)(20)


6)أما دعوى أن الجو في تونس كان أصلح منه في المغرب الأقصى. وحرية الفكر، والدراسة مكفولة هناك إلى حد ما- كما يذكر الدكتور في تعليماته لرحلة أبي الحسن إلى تونس- فإنها لا تقوم على حجة صحيحة، وبأدنى مقارنة بين القطرين في هذا العهد، تدرك أن لا مناسبة بينهما، فالمغرب كان بالنسبة إلى غيره من أقطار إفريقيا بمنزلة الراس والقلب، ففيه خليفة المسلمين،واليه يرجع الأمر كله في إفريقيا والأندلس، وكان المغرب لهذا العهد، يعج بكثير من العلماء ورجال الفكر، وخصوصا شيوخ التصوف على اختلاف نزعاتهم ومشاربهم..وقد رحل إليه أكثر علماء الأندلس من فقها، ومحدثين، وأدباء وأطباء وفلاسفة وحكماء..أمثال ابن رشد وابن طفيل وابن زهر وابن عربي الحاتمي وابن سعيد، ومن إليهم، وكانت فاس- كما يقول المراكشي في المعجب ص 353 قد اجتمع فيها علم القيروان- وعلم قرطبة.. رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفقهاء من كل طبقة فرارا من الفتنة، فنزل أكثرهم مدينة فاس، ومازلت اسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب، وبحق ما قاولوا ذلك..ومن المعلوم أن تونس كانت لهذا العهد تابعة للمغرب فكريا وسياسيا..وكان الحفصيون ولاة تونس خاضعين لسلطة الموحدين، وتحت نفوذهم، وليس أدل على حرية الفكر بالمغرب في هذا العصر بالذات، من أن ينبغ فيه ابن عربي الحاتمي، وينشر كتابه الفتوحات المكية وغيره، فلا يحرك الفقهاء ساكنا في سبيل الإنكار عليه، مع عظم الفرق بين محتويات الأحياء، ومحتويات الفتوحات، مما لا تقره القوانين الفقهية بأجمعها، وربما يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية في كثير من المسائل.(21)

والتعليل الصحيح- في نظري- لرحلة أبي الحسن الشاذلي إلى تونس، لا يرجع  إلى صلاحية الأجواء الفكرية والسياسية، أو عدمها، بل يرجع إلى سر مكنون في نفسه، يبحث عمن يكشف له هذا السر، أو يدله على الطريق الموصل إليه، كما أومأنا إلى ذلك سابقا، فبسببه رحل إلى تونس، ثم إلى المشرق، ومن اجله رجع إلى المغرب، وهذا السر الذي لم يكن يعلمه احد، أهو في المشرق أم في الغرب ؟ حتى أدله عليه أبو الفتح الواسطي عليه، وانه في المغرب، وبجبل العلم بغمارة، وهو ابن مشيش قطب الزمان، فكان أبو الفتح الواسطي أبا الفتح حقا.
ويحدثنا أبو الحسن في رحلته الطويلة عن هذا الأمر، ويكاد يفصح عن هذا السر:( لما دخلت تونس في ابتداء

أمري، قصدت بها جملة من المشايخ، وكان عندي شيء أحب أن اطلع عليهن ويبين لي منه حبر، ودخلت العراق، ولقيت جملة من المشايخ، فلم أر أحسن من الشيخ أبي الفتح الواسطي وكنت اطلب على القطب، فقال لي أتطلب على القطب بالعراق؟ وهو ببلادك بالمغرب).
هذه بعض ملاحظات عنت لي، وأنا اقرأ القسم الأول من مقال أبي الحسن الشاذلي، وبعبارة أوضح عن حياة أبي الحسن بالمغرب وأرجو أن أكون أثرت انتباه حضرة الكاتب إلى بعض الجوانب التي ربما أغفلنا، أو اقتضب الكلام فيها، وكم يكون مشكورا لو تفضل ببيان المصادر التي استقى منها هذا البحث القسيم، لأننا نعلم انه إنما تركها،لأنه كتب هذا الموضوع على شكل محاضرة، قام بإلقائها في مختلف مدن المغرب، تنويرا للرأي العام.

وعذري إلى الدكتور في تقديم هذه الملاحظات، وربما كانت بسيطة، وبسيطة جدا انه إن فاتني الاستماع إلى هذه المحاضرة القيمة، وحرمت من المشاركة في مناقشتها، فانه لن يفوتني أن إقامته فيها، وقد تفضل بنشرها على أعمدة(مجلة دعوة الحق) الفيحاء.
وللدكتور شكري سلفا، لو يتفضل بالجواب عنها، والى اللقاء


(1) راجع العدد التاسع من السنة السادسة.
(2) ابن خلدون، كتاب العبر ج 6 ص 435 " لبنان انظر دائرة المعارف الإسلامية مادة(غمر)
(3) انظر كتاب الاستبصار ص 190.
(4) ) البكري المغرب ص 100الادريسي نزهة المشتاق 170.
(5) كتاب العبر ج6 ص435.
(6) المراكشي المعجب ص 255.
(7) ابن قاض شهبة في الإعلام.
(8) اطلعت على هذا الكتاب عند بعض صفوة المؤلف  وو مخطوط في مجلد انظر ورقة 40 منه.
(9) كنون، النبوغ المغربي:ج 1 ص 133.
(10) نفس المصدر، وانظر وفيات الأعيان لابن خلكان ترجمة ابتن زهر.
(11) كنون، النبوغ المغربي ج1
(12) الصومعي مناقب أبي يعزى ورقة 39.
(13) ابن الزيات، التشوق ص 195-205 وانظر مناقب ايي يعزى للصومعي ودعامة اليقين في زعامة المتقين لابي العباس العزفي.
(14) احمد بابا نبيل الابتهاج ص 129، أبو العباس الصومعي مناقب أبي يعزي ورقة 38.
(15) ابو العباس الصومعي، مناقب ابي يعزي ورقة  39.ابن خلكان وفيات ج 6 ص 9.
(16) ابن خلكان وفيات ج 6 ص 9.
(17) انظر كتاب: أبو الحسن الشاذلي- للشيخ علي سالم  عمار ، ج 1 ص 50.
(18) الطاهر الجريري، بهجة إيضاح الكلام، في مناقب ج عبد الله ورقة 40. 
(19) انظر التوشق لابن الزيات، والمنهاج الواضح في كرامات ابح محمد صالح.
(20) وقد اضطرب كلام المؤلف في أبي محمد صالح، فسماه تارة أبا محمد صالح(على الوجه الصحيح) وذكر انه من تلاميذ أبي مدين، ومرة أخرى سماه محمد صالح وجعله من شيوخ ابن مشيش..انظر ج 1 ص 46- 49 وقارن ذلك مع ص 61.
(21) كنون، النبوغ المغربي ج 1 ص 121.

المصدر