يُقدَّم البكتاشيون في ألبانيا بوصفهم طريقة صوفية ذات طابع باطني، تشكّل منذ قرون جسراً بين التقاليد الإسلامية والبيئة المسيحية في البلقان. تعود جذور الطريقة إلى تعاليم الحاج بكتاش ولي، المتصوّف الفارسي في القرن الثالث عشر، قبل أن تتبلور كطريقة منظَّمة في مطلع القرن السادس عشر داخل الفضاء العثماني، وتُستخدم أداة ناعمة لإدخال السكان المحليين إلى الإسلام عبر ممارسات وروحانيات قريبة من الحس المسيحي الشعبي، مثل تقديس الأولياء، وأجواء الأديرة، والطقوس الجماعية القائمة على الإنشاد والتأمل.
بعد أن تعاظم نفوذ البكتاشية داخل المؤسسة العسكرية العثمانية ومع الانكشارية، قرّر السلطان في القرن التاسع عشر حظرها داخل تركيا، ما دفع قيادتها إلى نقل مركز ثقلها إلى ألبانيا، حيث ساهم شيوخ الطريقة في حركة «النهضة الوطنية» التي قادت إلى استقلال البلاد. تعرّضت الزوايا البكتاشية، مثل سائر المؤسسات الدينية، لقمع شديد في عهد أنور خوجه الشيوعي، لكن الشبكة أعادت تنظيم نفسها بعد سقوط النظام، واستعادت مقرّها العالمي على تلال تيرانا في مجمّع ديني–ثقافي يضم مكتبة، وتكّياً للعبادة، ومتحفاً خاصاً بتاريخ البكتاشية، ويقيم فيه الزعيم الروحي المعروف بلقب بابا موندِي.
تميّز العقيدة البكتاشية نفسها كتيار صوفي يقوم على الانفتاح والتسامح والبعد الإنساني، فتضع محبة الإنسان في مركز التجربة الروحية، وتستدعي في خطابها النصوص المؤسسة للديانات الإبراهيمية جميعاً، من القرآن إلى التوراة والإنجيل والمزامير. في الممارسة، تبدو الزوايا أقرب ما تكون إلى أديرة صغيرة: لا مآذن ولا أذان، وطقوس جماعية تقوم على حلقات «السُّحبت» أي الحوار والتأمل، بمشاركة الرجال والنساء معاً ومن دون حجاب إلزامي، مع تساهل في مسائل يعتبرها الفقه السني محرّمة مثل شرب الخمر، ما يجعلها نموذجاً لإسلام صوفي متصالح مع الإرث المسيحي المحيط به.
اليوم، تسعى البكتاشية إلى ترسيخ حضورها العالمي انطلاقاً من ألبانيا؛ إذ يروَّج لمقرّها في تيرانا باعتباره «عاصمة روحية» لطريقة تمتد جذورها في البلقان وتركيا وإيران والشتات الألباني، مع حديث سياسي عن منحه وضعاً شبه سيادي رمزي يوازي دور الفاتيكان الكاثوليكي. ورغم أن عدد أتباعها في ألبانيا أقل من مئة وعشرين ألفاً، ما يجعلها في المرتبة الرابعة بعد السنّة والكاثوليك والأرثوذكس، فإن تأثيرها الرمزي أكبر من حجمها العددي، لأنها تمثل في المخيال الألباني مرجعية لإسلام معتدل، صوفي، ومتجذّر في تاريخ البلاد الوطني والاستقلالي بقدر تجذّره في تراثها الديني.


