يقدّم Abdel GUISSÉ كاتب مقال Le Soufisme comme Solution : Une Thérapie pour la Géopolitique رؤية تجعل من التصوّف إطارًا تأمليًا لفهم اختلالات النظام الدولي. تنطلق الفكرة من أن الاضطراب الجيوبوليتيكي ليس سوى انعكاس لفوضى داخلية يعيشها الأفراد، وخاصة الفاعلين السياسيين والفكريين. ويُستند في هذا الطرح إلى أن أدوات الدبلوماسية التقليدية لا تعالج إلا الأعراض، ما دامت الذوات نفسها لم تخضع لتحوّل عميق في وعيها وأسلوب إدراكها للعالم.
النص ينقل التصوّف من موقع التجربة الروحية الخاصة إلى مستوى يُقارب «العلاج الجيوبوليتيكي». حيث تُعرف السلام لا بوصفها مجرد اتفاقات موقَّعة بين الدول، بل كحالة توازن داخلي تنعكس على المدينة والمجتمع. ويُربط هذا التصوّر بضرورة استبدال وهم السيطرة على الآخر بمفهوم «التحكم في الذات»، بما يعنيه من مراجعة جذرية لآليات اتخاذ القرار وللخيارات التي تحكمها حسابات القوة.
يطرح الكاتب مقاربة معرفية تدعو الفاعل السياسي أو الديني أو المثقف إلى التعامل مع ذاته باعتبارها «معطى خامًا» وليس تعريفًا نهائيًا أو هوية مكتملة. هذه المقاربة تشير إلى الحاجة إلى خلع طبقات الأحكام المسبقة قبل الدخول إلى «هياكل المعرفة» النظرية والوجودية. تستند هذه الدعوة إلى استحضار ركيزتين فلسفيتين؛ الأولى عند سقراط الذي ربط المعرفة الحقيقية باعتراف الإنسان بحدوده وبالشك في يقينياته، والثانية عند غاستون باشلار الذي اعتبر أن التراكم المعرفي نفسه قد يتحول إلى «عوائق إبستمولوجية» تعرقل التقدّم الفكري.
ومن هذا المنظور، يدعو النص إلى نوع من «الإبستمولوجيا للإيمان» يُطالِب الأفراد والجماعات الدينية بمراجعة أنماط اعتقادهم عبر ما يصفه باشلار بـ«التفكير ضد الدماغ»، أي تجاوز البُنى الراسخة في الوعي لصالح أفق معرفي أوسع. ويُقدَّم التجرّد من اليقينيات الراسخة خطوة ضرورية نحو مستوى أعلى من المعرفة، يَسمح بإعادة قراءة الواقع الديني والسياسي خارج ثنائية الصراع.
النص مفهوم «التكليف» بعدًا خاصًا من خلال استدعاء مصطلح «مُكلَّف» في سياق مسؤولية الإنسان عن تفكيك العلاقة الجدلية بين «الجلال» و«الجمال» في الملكوت الإلهي. من هذا الربط، يُفهم أن الذات المُكلَّفة تتحمل واجبًا مزدوجًا: فهم أبعاد القوة والرهبة، وفي الوقت نفسه استيعاب حضور الرحمة والانسجام، بما يتيح بناء توازن داخلي ينعكس على خياراتها في العالم.
كما يؤكّد الكاتب أن هذا التصوّر لا ينطلق من خلفية نظرية مجرّدة فحسب، بل يقوم على تجربة معاشة داخل ما يصفه «بهيكل السكينة» لدى مشايخ التصوّف، حيث تلتقي الممارسة الروحية مع مسارات التفكير الفلسفي. ويُقال إن المنهج الصوفي، بما فيه من توجّه كوني، يلتقي مع جزء مهم من الفلسفة الغربية الحديثة، خصوصًا في مسألة نقد اليقينيات وإعادة بناء الذات عبر مجاهدة مستمرة.
بهذه الطريقة، يُعاد تقديم التصوّف كأفق ممكن لإعادة تشكيل وعي الفاعلين في الساحة الدولية، بدل اختزاله في صورة ممارسة روحانية منقطعة عن الشأن العام. ويترك النص مفتوحًا على فكرة أن أي مراجعة حقيقية للجيوبوليتيك المعاصر تمر حتمًا عبر مراجعة عميقة للبنية النفسية والفكرية لمن يصنعون القرارات، بما في ذلك علاقتهم بذواتهم وبأنساق معتقداتهم.


