وليام تشتيك، مستشرق، أعاد للصوفية لغتها الأصلية

أضيف بتاريخ 01/21/2026
منصة أقطاب

يُعدّ وليام تشتيك واحدًا من أبرز الأسماء الغربية في دراسة التصوّف والفلسفة الإسلامية اليوم. فهو باحث أمريكي وُلد سنة 1943 في ولاية كونيتيكت، وكرّس مسيرته العلمية لفهم التراث الإسلامي من داخله لا من خارجه. جمع بين التكوين الفلسفي والأكاديمي في الجامعات الأمريكية والدراسة التقليدية في إيران، حيث تعلّم الفارسية واحتكّ مباشرةً بالمدارس الصوفية والحواضن العلمية. وهذا ما منحه زاوية نظر أكثر إنصافًا لإنسانية الإسلام وتراثه الروحي.



في كتاباته ومحاضراته على مقاربة النصوص الإسلامية بلغتها ومفاهيمها الخاصة، بعيدًا عن إسقاط المناهج الغربية في علم الأديان أو الفلسفة. بذلك، يقدّم نموذجًا مغايرًا لسياق «الاستشراق النقدي» الذي كثيرًا ما يُتَّهم بالانتقائية والأحكام المسبقة. اختياره المنهجي يقوم على ترك النص «يتكلّم بنفسه» قدر الإمكان، لذلك اتجه إلى ترجمة عدد كبير من المؤلفات الصوفية والفلسفية ترجمةً مشفوعة بالشرح. بذلك، تظل علاقة القارئ الغربي بالنص الإسلامي مباشرة وغير مشوَّهة بالوساطة التأويلية القسرية.

يرتبط اسم تشتيك خاصة بقراءته العميقة لمدرستين كبريين في العرفان الإسلامي: مدرسة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، وعالم مولانا جلال الدين الرومي الشعري والفلسفي. في كتابه «The Sufi Path of Knowledge: Ibn al‑Arabi’s Metaphysics of Imagination»، يفتح للقارئ نافذة واسعة على الميتافيزيقا الخيالية عند ابن عربي، محلّلًا نصوص «الفتوحات المكية» وغيرها بلغة إنكليزية دقيقة تجمع بين الصرامة الأكاديمية والوفاء لروح النص الأصلي. حتى عُدّ هذا العمل من أهم المراجع الحديثة عن ابن عربي في الغرب. أما في ما يخص الرومي، فتقف خلفه دراسات وترجمات جعلت من تشتيك واحدًا من أبرز من قدّم فكر الرومي العميق، بعيدًا عن الصورة الشائعة لاقتباسات منزوعة من سياقها الصوفي والمعرفي.

تأثير تشتيك لا يتوقف عند حدود البحث النظري، بل يمتد إلى بناء جسور حقيقية بين طلابه في الجامعات الأمريكية وبين تراثٍ لطالما نظر إليه الغرب بقدر من الريبة وسوء الفهم. فمن خلال تدريسه في قسم الدراسات الآسيوية بجامعة ستوني بروك، وعبر كتبه التي تُدرَّس في برامج متعددة حول العالم، أصبح جزء من جيل جديد من الباحثين يقرأ الإسلام من خلال نصوصه الكبرى لا من خلال الصور النمطية الإعلامية أو القراءات السياسية الضيقة. ترجمته للصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين إلى الإنجليزية، نقلت نصًّا شيعيًّا روحانيًّا إلى فضاء العالمية، وقدّمته بوصفه وثيقة تأملية إنسانية تتجاوز الحدود المذهبية والجغرافية.

تجربة وليام تشتيك تبرهن على أنّ الاستشراق لا يجب أن يكون مرادفًا للتشييء أو الهيمنة المعرفية. بل يمكن أن يتحوّل إلى جسر حوار حضاري عندما يتحلّى الباحث بالإنصاف، ويتعلّم «اللغة الداخلية» للتراث الذي يدرسه، ويمنح نصوصه الفرصة لتدافع عن نفسها بلغتها وأفقها الخاص. لذلك، تبدو سيرة هذا المستشرق الأمريكي، كما يشير عدد من الدراسات التكريمية الصادرة حديثًا في حقّه، نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه البحث في الإسلام حين يجتمع العمق الفلسفي مع حسّ الترجمة الأمين، وحين يتحوّل عمل الأكاديمي إلى فعل تواصل روحي وثقافي عابر للحدود.