هو كتاب نقدي حديث يتناول شعرية ابن عربي انطلاقاً من مفهوم «الاغتراب الصوفي»، ويقترح قراءة منهجية لتجربته الشعرية بوصفها تجربة روحية وجمالية في آن واحد.
يتعامل المؤلف مع الاغتراب لا كحالة نفسية عابرة، بل كمدخل دلالي وفلسفي لبناء تصور متكامل عن مسار السالك في نصوص ابن عربي، حيث تُفهم الكتابة الشعرية باعتبارها صيغة تعبير عن حركة الذات بين الحضور والغياب، والقرب والبعد، والأنس والوحشة. ويُستثمر هذا المفهوم لقراءة المتن الشعري بوصفه فضاء تتقاطع فيه التجربة الوجدانية مع تأملات ميتافيزيقية تتصل بأسئلة الوجود والمعرفة الإلهية.
ينطلق الكتاب من خلفية ترى أن الشعر عند ابن عربي جزء لا ينفصل عن مشروعه الصوفي العام، كما يتبدى في مؤلفاته الكبرى مثل الفتوحات المكية وغيرها من النصوص التي تجمع بين النثر والشعر، وبين التقرير النظري واللمع الوجدانية. لذلك لا يُتعامل مع القصائد كقطع مستقلة، بل تُدرَس ضمن شبكة مفهومية أوسع تشمل مفاهيم الشهود، والفناء، والبقاء، ووحدة الوجود، بما يلقي الضوء على الكيفية التي تتشكل بها الصورة الشعرية داخل أفق التجربة الروحية.
يولي المؤلف عناية خاصة بالبنية اللغوية للخطاب الشعري عند ابن عربي، فيتوقف عند دلالات الأفعال، وتحولات الضمائر، وأنماط الخطاب الندائي والحواري، باعتبارها مفاتيح لقراءة الحركة الداخلية للذات الصوفية وهي تتنقل بين مقامات وأحوال متعددة. ومن خلال هذا التركيز الدلالي، تتبدى القصيدة باعتبارها مساراً درامياً للوعي، تظهر فيه توترات متكررة بين لغة التصريح ولغة الرمز، وبين الإشارة المباشرة والانزياح البلاغي.
كما يعمد الكتاب إلى تحليل شبكة الصور والاستعارات التي يعتمدها ابن عربي في تصوير الاغتراب الروحي، مثل صور السفر، والبحر، والليل، والمدينة، والرفيق، وما تحمله من إمكانات لتجسيد حالات الحيرة والبحث والانتظار. وتُقارب هذه الصور باعتبارها جزءاً من اقتصاد رمزي خاص بالخطاب الصوفي، يسعى إلى قول ما لا يمكن قوله بلغة تقريرية، ويعتمد على تراكم الإيحاءات لا على وضوح المعنى المباشر.
ومن الجوانب التي يتوقف عندها المؤلف العلاقة بين التجربة الشعرية والتجربة المعرفية لدى ابن عربي، حيث تُطرح الكتابة بوصفها امتداداً لعمل باطني قوامه المجاهدة والمراقبة والشهود. بهذا المعنى، لا تُفهم الشعرية باعتبارها ترفاً أسلوبياً، بل كضرورة داخلية لتمثيل حالة يصعب التعبير عنها في قوالب فقهية أو كلامية ثابتة، وهو ما يجعل النص الشعري أقرب إلى سجل حي للحركة الروحية.
ويُحاول الكتاب، من خلال هذا المسار التحليلي، أن يبرهن على أن شعرية ابن عربي قادرة على محاورة القارئ المعاصر، بما تحمله من أسئلة حول الهوية الذاتية، وحدود اللغة، وإمكان التعبير عن التجربة الداخلية في عالم يتغير بسرعة. لذلك تنفتح القراءة على استحضار بعض المناهج الحديثة في تحليل الخطاب، دون أن تلغي الخصوصية المعرفية للنص الصوفي، بل تسعى إلى التوفيق بين الحساسية التأويلية الجديدة وأفق التجربة الأصلية كما تتجسد في شعر ابن عربي.
بهذا التوجه، يضع المؤلف عمله ضمن سلسلة الأبحاث التي تعيد تقييم الخطاب الصوفي من زاوية أدبية وجمالية، وتحرره من الاختزال في بعد وعظي أو طقوسي ضيق. فيبرز الكتاب صورة شاعر عارف يتخذ من الاغتراب أداة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، ويجعل من القصيدة مساحة يتجاور فيها البحث عن المطلق مع الإصغاء الدقيق لتقلبات النفس البشرية.


