ندوة علمية ببني عياط تناقش مكانة السيرة النبوية في تعزيز القيم

أضيفت بتاريخ 05/05/2026
منصة أقطاب

تستعيد مدينة بني عياط بإقليم أزيلال حضورها في خريطة الأنشطة العلمية الهادئة التي تتقاطع فيها المعرفة الدينية مع أسئلة المجتمع المعاصر، من خلال ندوة متخصصة خُصصت للسيرة النبوية ودورها في ترسيخ منظومة القيم لدى الأفراد والجماعات. وقد جاءت هذه الندوة في سياق اهتمام متزايد لدى عدد من الهيئات المغربية بتجديد مقارباتها للخطاب الديني التعليمي والتربوي، مع محاولة ربط المتن النبوي بحاجات الناشئة وأسئلتها، بعيدا عن التناول الوعظي التقليدي الذي يغلب عليه الطابع الإنشائي أو التجزيئي. وحرص المنظمون على تقديم السيرة النبوية ليس فقط باعتبارها مادة سردية تتعلق بأحداث الماضي، بل كمرجع معرفي وقيمي قابل للاجتهاد المنهجي والاستثمار في المجالين التربوي والاجتماعي.



الندوة، التي احتضنتها إحدى المؤسسات التعليمية ببني عياط، شارك فيها باحثون وأساتذة وفاعلون تربويون مهتمون بالدراسات النبوية والتعليم العتيق والتعليم العمومي، ما أتاح تعدد زوايا النظر إلى الموضوع وتباين الخلفيات المعرفية المؤطرة للمداخلات. وتوزعت الأوراق المعروضة بين مقاربات ذات طابع أصولي وتاريخي، ركزت على تطور الكتابة في السيرة وطرق تصنيفها، ومحاولات حديثة لقراءة النصوص السيرية في ضوء العلوم الإنسانية والاجتماعية، إضافة إلى مساهمات ميدانية تتابع حضور النموذج النبوي في المقررات الدراسية والأنشطة الموازية داخل المؤسسات التعليمية المغربية.

وانتبه المتدخلون إلى أن السيرة النبوية في الوعي العام كثيرا ما تُختزل في محطات محددة، أو تُوظف لأغراض آنية مرتبطة بالجدل السياسي أو الثقافي، بينما تحتاج – في تقديرهم – إلى إعادة ترتيب معرفي يسمح بقراءتها وفق وحدات دلالية وقيمية متجانسة. وتمت الإشارة إلى نماذج من الكتابات الكلاسيكية في السيرة التي أرست أصول التوثيق، مع استحضار أعمال معاصرة تحاول إعادة بناء السيرة وفق مناهج حديثة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات أقل تجزئة وأكثر ارتباطا بهموم الإنسان الراهن.

كما تطرق المتدخلون إلى وظيفة السيرة في التربية الأسرية والمدرسية، معتبرين أن استحضار النموذج النبوي أمام الأجيال الجديدة يظل محدود الجدوى إذا ظل محصورا في صيغ إنشائية عامة لا تترجم إلى ممارسات يومية قابلة للتمثل. وتم التركيز على أن استثمار السيرة في البرامج التعليمية يحتاج إلى رؤية بيداغوجية واضحة، تحدد مستويات التلقي بحسب الأعمار والقدرات الذهنية، وتربط بين الوقائع النبوية وقضايا العيش المشترك، واحترام الاختلاف، وإدارة الخلاف، والتعامل مع الفضاء الرقمي. واستند بعض المتدخلين إلى تجارب تربوية محلية داخل الإقليم نفسه، حيث جرى اعتماد وحدات دراسية أو أنشطة موازية تستلهم مواقف نبوية محددة ذات صلة بقيم التعاون والنزاهة واحترام البيئة المدرسية.

إحدى المداخلات سلطت الضوء على حضور السيرة النبوية في الإعلام الديني الرقمي، وفي المنصات الإلكترونية التي تعمل على تبسيط المعرفة الشرعية للجمهور العام. وتمت الإشارة إلى أن جزءا من هذا المحتوى يقتصر على إعادة إنتاج مواد تقليدية دون جهد في التحقق أو في تكييف الخطاب مع حاجات الشباب، مقابل مبادرات محدودة توظف تقنيات السرد الرقمي والوسائط المتعددة لتقديم السيرة في صياغات أكثر قربا من استعمالات الجيل الجديد للإنترنت. ولفت المشاركون الانتباه إلى تحديات انتشار المحتوى المفتوح، وما يفرضه من مسؤولية على الباحثين والمؤسسات المختصة في تقديم مواد موثوقة، في انسجام مع التوجهات الرسمية التي تعطي الأولوية لتأطير الشأن الديني عبر مؤسسات معروفة مثل المجلس العلمي الأعلى وغيرها من الهيئات المعنية بالتكوين والإرشاد.

ومن الزاوية الفقهية والفكرية، توقف باحثون عند التوازن المطلوب بين الاعتماد على النصوص السيرية في بناء الوعي الديني، وبين ضرورة الاحتكام إلى قواعد التحقيق العلمي والنقد التاريخي، تفاديا لخلط المتن الثابت بالمواد الضعيفة أو غير المنسجمة مع المقاصد الكبرى للشريعة. وقدمت بعض المداخلات أمثلة على روايات شائعة في الذاكرة الشعبية يتم تداولها في الخطب والوعظ دون تثبت، مع دعوة إلى ترسيخ ثقافة الإحالة على المصادر المعتمدة، وتشجيع القراء والطلاب على العودة إلى كتب السيرة الموثوقة التي اعتمدت مناهج دقيقة في التمحيص والتصنيف.

وفي البعد المجتمعي، توقفت الندوة عند الإمكانات التي تتيحها السيرة النبوية في تيسير الحوار بين مكونات المجتمع، سواء داخل المغرب أو في علاقة الجاليات المسلمة بمجتمعات الاستقبال في الخارج. وتناول المتدخلون حالات يتم فيها استدعاء نماذج من السيرة لإبراز قيم التعايش، واحترام المواثيق، والتعامل مع الاختلاف الديني والثقافي، بما يساهم في بناء صورة متوازنة عن الإسلام في الفضاء العام. وتم التأكيد على أن تقديم هذه النماذج بطريقة دقيقة ومتوازنة يمكن أن يعزز مبادرات قائمة في مجالات التربية على المواطنة، ومكافحة الصور النمطية، والعمل المشترك بين الفاعلين الدينيين والمدنيين.

المنظمون اعتبروا أن هذه الندوة تشكل خطوة ضمن مسار أطول يروم ربط البحث الأكاديمي بالتحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها مناطق الداخل، عبر اختيار مواضيع ذات صلة مباشرة بتشكيل الوعي الديني والقيمي لدى الأجيال الناشئة. وأعلنوا عن نيتهم تحويل خلاصات اليوم الدراسي إلى أوراق عمل موجهة للمدرسين والمؤطرين التربويين، على أمل تطوير مشاريع مشتركة مع مؤسسات تعليمية أخرى في الإقليم وخارجه، بما يتيح تراكم تجارب عملية في إدماج السيرة النبوية داخل البرامج والأنشطة التعليمية بصورة منهجية.

وفي ختام الندوة، خرج المشاركون بجملة من التوصيات، من بينها تشجيع الدراسات الجامعية المتخصصة في السيرة النبوية، وربطها بميادين علمية أخرى، وتطوير شراكات بين الباحثين والمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى سيري موثوق ومتدرج يخاطب مختلف فئات الجمهور، إلى جانب دعم المبادرات المحلية التي تستلهم من السيرة قيم المسؤولية والالتزام والاحترام المتبادل داخل الفضاء المدرسي والمهني. وأكد المتدخلون أن استمرار مثل هذه اللقاءات في مدن وقرى بعيدة عن المراكز الكبرى من شأنه أن يمنح النقاش حول السيرة النبوية بعدا أكثر قربا من التحولات اليومية التي يعيشها المواطنون في محيطهم المباشر، وأن يحول الاهتمام بهذا التراث إلى ورش معرفي وتربوي مستمر يشارك فيه الباحثون والفاعلون الميدانيون على حد سواء.