تستعد جامعة السلطان مولاي سليمان بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال لتنظيم ندوة دولية تحمل عنوان «التصوف والتقاليد العرفانية: الأشكال واللغات ومسالك التأويل، اختلاف الطرق ووحدة المقصد» يومي 25 و26 نونبر 2026، بمشاركة باحثين مهتمين بالدراسات الصوفية وحقول المعرفة المتصلة بها. وتندرج هذه الندوة ضمن دينامية أكاديمية تسعى إلى إعادة فتح ملف التجربة العرفانية من زاوية لغاتها وتمثلاتها النصية، وكيفية انتقال التجربة الباطنية من مجال المعايشة الفردية إلى حيز التداول العمومي عبر القول والكتابة.
وتشير الورقة التقديمية للجهة المنظمة إلى أن التعبير عن التجربة الروحية ظل من القضايا التي استوقفت الباحثين في تاريخ الفكر الديني والأدبي، باعتبار أن ما يختبره المتصوف في أعماق تجربته لا يتحول إلى دلالة قابلة للفهم ما لم ينتظم في خطاب مكتوب أو منطوق. وتلفت الوثيقة إلى أن هذه التجربة لا تدخل مجال الإدراك الجماعي إلا حين تتجسد في صيغ من القول، مثل الشعر والرسائل والسرد والشرح والتأويل، بما يجعل اللغة الأفق الذي تستبين داخله ملامح التجربة العرفانية وحدودها.
وتقدم الندوة التصوف، في منظورها النظري، بوصفه أكثر من نزوع روحي فردي، إذ يُطرح كذلك كفعل كتابة واختبار لقدرة اللغة على حمل المعاني التي تتجاوز المألوف والمعتاد. ولا يتعلق الأمر، بحسب التصور نفسه، بإسكات اللغة أو تعطيلها، بقدر ما يرتبط بتعريضها للسؤال وتوسيع طاقتها على الإشارة والتعبير، عبر صيغ اصطلاحية واستعارية ورمزية تحاول ملامسة ما يوصف بأنه أبعاد غير مباشرة للتجربة الروحية.
وتتوقف الورقة المرجعية عند مجموعة من المفاهيم المركزية في المعجم الصوفي، مثل المقام والحال والفناء والبقاء، مبرزة أن هذه المصطلحات لا تُقدَّم في صيغة تعريفات جاهزة تحسم المعنى، وإنما تعيش في سياقات الاستعمال وتكتسب وجوها دلالية متباينة بحسب النصوص وطرائق قراءتها. وبناء على ذلك، يُنظر إلى النص الصوفي باعتباره فضاء مفتوحا لتولّد المعنى، لا يفرض خاتمة عقدية أو تأويلية واحدة، بل يتيح تعدد القراءات ضمن أفق تضبطه أعراف القراءة وتقاليد الشرح والتفسير المتراكمة حول هذا المتن.
وتراهن الندوة، من خلال التركيز على «الأشكال واللغات ومسالك التأويل»، على مقاربة التصوف والتقاليد العرفانية في تداخلها مع آداب اللغة وفلسفة التأويل ونظريات الخطاب. كما تسعى، وفق المنظمين، إلى استقصاء كيفية تشكل الذاكرة الصوفية عبر النصوص، والبحث في علاقة التجربة الباطنية بالبناء اللغوي الذي ينقلها إلى القارئ، بما في ذلك ما تطرحه من أسئلة تتعلق بحدود اللغة، وطبيعة الرمز، وشروط الفهم داخل هذا الحقل الخاص من الكتابة.
ويبدو من خلال اختيار محور «اختلاف الطرق ووحدة المقصد» أن الندوة تتجه إلى إبراز تعدد المسارات التي سلكتها التجارب الصوفية في سياقاتها التاريخية والجغرافية، مقابل التشديد على اشتراكها في أفق روحي عام. ومن المنتظر، بحسب ما يعلن عنه البرنامج العلمي، أن تشكل هذه الأسئلة قاعدة لنقاش أكاديمي يزاوج بين التحليل المفاهيمي وقراءة المتون، في محاولة لإعادة طرح التصوف والتقاليد العرفانية ضمن أسئلة الفكر المعاصر حول اللغة والتجربة والمعنى.


