«القراءات الحداثية للقرآن» قراءة تحليلية في سياقات النشأة وحدود التأويل المعاصر

أضيف بتاريخ 01/15/2026
دار سُبْحة

يتناول كتاب «القراءات الحداثية للقرآن» للباحث طارق حجي ظاهرة القراءات المعاصرة للنص القرآني التي توظّف المناهج الفكرية الحديثة في التعامل مع الوحي. وتعتبر هذه الظاهرة أحد أبرز تحولات الخطاب العربي والإسلامي تجاه النص المقدّس في العقود الأخيرة. ويقع الكتاب في حوالي 390 صفحة صادرة عن مركز تفسير للدراسات القرآنية. ويأتي في صيغة بحثية مطوّلة تجمع بين الوصف النقدي والتحليل النظري للسياقات الفكرية التي نشأت فيها هذه القراءات وتطوّرت داخلها.



ينطلق المؤلف من اعتبار «القراءات الحداثية» منعطفًا خاصًّا ضمن مشروع التحديث العربي. يتعامل هذا التيار مع القرآن لا بوصفه موضوعًا لتكرار أنماط التفسير التراثي، بل كنصّ يُعاد تأويله في ضوء مناهج إنسانية ولسانية وتأويلية وافدة من الفكر الغربي الحديث وما بعد الحديث، بما في ذلك المناهج التاريخية والهرمنيوطيقية والتحليل الخطابي. وبهذا المعنى يركّز الكتاب على أنّ الجديد في هذه القراءات ليس مجرّد النتائج أو المواقف، بل بالأساس الأدوات المنهجية والمعجم المفهومي الذي تستند إليه، وطريقة تموضعها خارج الإطار التفسيري الموروث الذي تشكّل عبر القرون.

في فصوله الرئيسة، يتتبع حجي الخلفيات المعرفية والظروف الثقافية والسياسية التي أفرزت الحاجة إلى هذا النمط من القراءة. ويربط بين أزمة النهضة العربية وسؤال التنوير من جهة، وبين محاولة إعادة بناء علاقة جديدة مع القرآن من جهة أخرى. بحيث يصبح النص في قلب مشروع إصلاحي يسعى إلى تجاوز الجمود وإعادة ترتيب العلاقة بين التراث والحداثة. ويعتمد المؤلف في ذلك على تحليل خطابات عدد من رواد هذا الاتجاه في الساحة العربية والإسلامية. متوقفًا عند مفاهيم مركزية مثل التاريخية، والعقلانية، والقراءة التأويلية، وكيفية حضورها في مشاريعهم التفسيرية، وما تطرحه من أسئلة على البنية العقدية والفقهية والأخلاقية الإسلامية.

لا يكتفي الكتاب بوصف الظاهرة، بل يتجه أيضًا إلى نقد أسس اشتغال القراءات الحداثية. وذلك عبر مساءلة مدى اتساقها الداخلي، وحدود استثمارها للمناهج الغربية، وطبيعة موقفها من التراث التفسيري ومن مفهوم قداسة النص ومرجعيته في الوعي المسلم. ويتناول المؤلف ما يراه مساحات توتّر بين طموح هذه القراءات إلى التجديد الجذري من جهة، وبين ما يمكن أن تخلقه من قطيعة مع البنية المعرفية الإسلامية من جهة أخرى. وينبه إلى إشكالات التلفيق والانتقائية في توظيف المناهج، وإلى ما تفرضه هذه المقاربات من رهانات على مستوى تلقي القرآن في المجال العمومي المعاصر.

«القراءات الحداثية للقرآن» يقدّم مادة ثرية للباحثين والمهتمين بالدراسات القرآنية والفكر الإسلامي الحديث في هذه المعالجة المطوّلة. من خلال رسم خريطة فكرية لتيار تأويلي مؤثر، وقراءة نقدية لسياق نشأته وأدواته وحدود إمكاناته في إعادة بناء العلاقة بين النص القرآني وأسئلة الإنسان المعاصر. وهذا العمل للقارئ المتخصص إطارًا تحليليًّا يساعد على فهم موقع هذا التيار ضمن خرائط التجديد الديني الراهنة، وعلى تفكيك الخطاب الذي ينتجه وأنماط التلقي التي يصنعها حول القرآن في زمن تتقاطع فيه أسئلة الهوية والدين والحداثة بشكل معقد.