تقدم الرابطة المحمدية للعلماء في مقال بعنوان صوم العاشقين: نظرة صوفية حول الصيام الامتناع عن الطعام والشراب مجرد مدخل إلى تجربة أعمق من المجاهدة والمحبة. ينسج المقال مشروعه التصوري على خلفية تراث صوفي طويل ينظر إلى الصوم باعتباره سيرًا من ظاهر التكليف إلى باطن القرب، حيث يتحول الجوع إلى رمز لنقص لا يملؤه إلا التوجه الدائم إلى الله.
ينطلق الكاتب من التمييز المعروف في الأدبيات الصوفية بين مراتب الصيام، كما نجد عند الغزالي في إحيائه، من صوم العموم إلى صوم الخصوص وخصوص الخصوص، ليركز على الطبقة الأخيرة بوصفها صوم العاشقين، أي أولئك الذين لا يكتفون بكف الجوارح عن المفطرات، بل يسعون إلى إمساك القلب عن التشتت، والفكر عن التعلّق بغير وجهة التوحيد. في هذا الأفق، يصبح حفظ البصر واللسان والسمع مرحلة أولى، تتلوها مرتبة أرقّ هي حفظ الخاطر من الالتفات إلى الأغيار، بحيث يتحول النهار الصيامي إلى مراقبة متواصلة لحركة القلب. هذا التصور يلتقي مع ما يورده باحثون في التصوف عن كون الصيام عند أهل السلوك إمساكًا عن الحظوظ بقدر ما هو إمساك عن الشهوات.
يعيد المقال قراءة عدد من الأحاديث والآيات التي تشكل الخلفية الشرعية للصيام، من قبيل الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ في سورة البقرة، انطلاقًا من تأويلات صوفية تجعل من «الكتابة» هنا إشارة إلى طريق سلكه العارفون قبل جمهور المكلفين، فجاء الخطاب القرآني ليُدخل المؤمنين في مدارج هذا السير. يستدعي الكاتب بعض شروح الصوفية التي ترى في قوله تعالى «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون» غاية تتجاوز الاتقاء من المعصية إلى نوع من اليقظة الوجودية، يصفو معها النظر إلى العالم فلا يبقى الصائم أسير الأشكال بل يتدرّب على النظر إلى ما وراء الظاهر . بهذا المعنى يغدو النهار الطويل، بما يحمله من تعب وتقلّب أحوال الجسد، ساحة لتكوين حس داخلي بالافتقار الدائم.
يتوقف المقال عند الحديث القدسي «الصوم لي وأنا أجزي به»، فيقرؤه على نحو ينسجم مع تفسيرات صوفية قديمة جعلت «الجزاء» هنا ليس نعيمًا محددًا من نعيم الجنة، بل نوعًا من الانكشاف الخاص، حيث يكون الله هو الجزاء، لا بما يعنيه ذلك من حلول أو اتحاد، بل من حيث إن الصائم يُستدرج إلى مقام شهود أقرب، قدر ما تسمح به حدود التجربة الإنسانية. يربط الكاتب بين هذا الفهم وبين ما أورده عدد من المفسرين والمترجمين لتجربة الصوم الروحية من أن محرّكها الأعمق هو تربية الشوق، لا تعذيب الجسد. فالظمأ الذي ينشأ عن ترك الماء يتحول في لغة المتصوفة إلى صورة لظمأ آخر، هو تطلع القلب إلى لقاء ربه، وهو ما نجده حاضرًا في كثير من النصوص الشعرية الصوفية التي تتخذ من مفردات الجوع والعطش والارتواء لغةً لتمثيل مقامات العرفان.
من خلال هذا البناء، يقدّم مفهوم «صوم العاشقين» بوصفه مستوى من الصيام لا يلغى فيه البعد الفقهي، بل يُستوعب داخل مسار أوسع؛ فالمطلوب أولًا هو الالتزام بأحكام الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، غير أن هذا الإطار الزمني يغدو في الحس الصوفي مجرد هيكل تُضخّ فيه معانٍ إضافية: تعاهد النية في كل لحظة، مراقبة الخواطر عند كل ضعف، وتحويل كل إحساس بالجوع إلى تذكير ذاتي بما يعتبره الصوفية «فاقة أصلية» للكائن أمام خالقه. هذا التوسيع للمعنى يوازيه تأكيد على أن نهاية اليوم ليست نهاية الصوم عند العاشقين، لأن انقضاء الساعات لا يضع حدًا لحالة الطلب، بل قد يفتح ليلًا جديدًا يواصل فيه السالك صومًا من نوع آخر، هو صوم العين عن الغفلة، واللسان عن اللغو، والقلب عن التعلق بما عدا المقصود.
يستثمر المقال هذه الرؤية لإبراز أن الصوم، في التصور الصوفي، لا ينحصر في شهر بعينه ولا في أيام معدودات، بل يُنظر إليه باعتباره حالًا يمكن أن يمتد على مدار العمر، عبر تعميم منطق الإمساك عن كل ما يقطع السائر عن ربه، سواء تعلق الأمر بالمباح المفرِط أو بالمكروه الصارِف. بهذا المعنى يغدو رمضان، كما يفهمه هذا الخطاب، محطة تكثيف لتجربة أوسع، وليست تجربة منعزلة في التقويم الروحي. يستعيد النص في هذا السياق إشارات متفرقة من تراث الزهاد الأوائل وأقوال بعض شيوخ القلوب حول دوام الصيام أو الإكثار منه، لا من باب التشدد، بل من باب جعل الجسد في حالة تذكير مستمر بحدوده، كي لا يستبدّ بحركة النفس.
في نهاية المطاف يقترح المقال، من موقعه داخل مؤسسة علمية تعتني بالدراسات الصوفية مثل الرابطة المحمدية للعلماء, أن يُقرأ الصوم بوصفه تربية متدرجة على الانتقال من منطق «الحرام والحلال» إلى منطق «ما يشغل وما يفرّغ». فالعاشق، كما يصوّره هذا المتن، لا يقف طويلًا عند حساب ما يجوز وما لا يجوز، بقدر ما يسأل نفسه عما يقرّبه أو يباعده من وجهته. هنا يتلوّن فعل الإمساك بمعانٍ متعدّدة: مرة يكون تركًا للطعام، ومرة تركًا للكلام، وثالثةً تركًا للانشغال بما لا ضرورة له. وبهذا المعنى يغدو صوم العاشقين تجربة مفتوحة، لا تُختزل في انضباط جسدي، بل تتخذ من الجسد بوابةً إلى ظمأٍ آخر لا ينطفئ بانتهاء الأذان.