يتقدّم الباحث مصطفى الريس إلى واجهة النقاش التاريخي والفكري في المغرب من خلال عمل جديد يسعى إلى إعادة تركيب صورة الزوايا المغربية خلال مرحلة الحماية الاستعمارية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي حصرت هذه المؤسسات الروحية بين ثنائية التقديس المطلق أو الاتهام بالتواطؤ مع المستعمر. فهذا الكتاب، كما يقدّمه صاحبه في حوار صحفي حديث، ينحت لنفسه موقعاً وسطاً بين السرديات الرسمية والتمثلات الشعبية، محاولاً تفكيك الأدوار المتعددة التي اضطلعت بها الزوايا باعتبارها فضاءات للعبادة والتعليم والتعبئة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه مجالاً معقداً لإدارة النفوذ بين المخزن والقوى الاستعمارية.
ينطلق الريس من مسلّمة أساسية مفادها أن الزاوية، في التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب، لم تكن مجرد مكان للتصوف والعبادة، بل مؤسسة قائمة الذات تمتلك رأسمالاً رمزياً ضخماً، يستند إلى الشرعية الروحية والنَسَب الشريف والقدرة على تعبئة القبائل والحواضر على حدّ سواء. لهذا السبب كانت محطّ اهتمام دقيق من قبل الإدارة الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، التي سرعان ما أدركت أن إحكام السيطرة على المجال المغربي يمرّ عبر تفكيك شبكات الولاء الروحي، أو احتوائها، أو إعادة توجيهها بما يخدم مشروعاتها السياسية والأمنية. وهكذا تحوّلت الزوايا إلى وسائط حساسة في التفاوض على السلطة والسيادة، بين دولة الحماية التي تسعى إلى تثبيت حضورها، وسلطان محاصر يحاول الحفاظ على ما تبقّى من سلطته الروحية والرمزية.
في هذا السياق، يسلّط الكتاب الضوء على تباين مواقف الزوايا من مشروع الحماية، إذ يكشف عن طيف واسع من التجارب يمتدّ من الزوايا المقاومة التي انخرطت في الجهاد المسلح أو في التحريض على العصيان، إلى زوايا أخرى آثرت خيار المساومة والتكيّف، مروراً بتجارب انتهازية سعت إلى تحويل التحوّلات السياسية إلى رأس مال جديد لتوسيع النفوذ المحلي أو ضمان امتيازات مادية ومعنوية. هذا التعدّد في المواقف يعيد الاعتبار للتاريخ المحلي والجهوي، ويبيّن أن الحديث عن "الزاوية" بصيغة المفرد يختزل واقعاً مركّباً يغتني بتجارب الزوايا الناصرية والجزولية والدرقاوية والتيجانية وغيرها، وكل واحدة منها نسجت علاقة خاصة مع المخزن ومع الاحتلال، تبعاً لوزنها الاجتماعي وامتدادها الجغرافي وشبكة تحالفاتها.
ولا يكتفي الريس بتشخيص المواقف، بل يتوقف أيضاً عند الآليات العملية التي استثمرت بها سلطات الحماية هذه الشبكات الروحية، سواء عبر صيغ "الحماية الخاصة" التي مُنحت لبعض الشيوخ، أو من خلال إدماج الزوايا في منظومة الضبط الاجتماعي عبر منح الهبات وتيسير المواسم وتوظيف الرموز الدينية في خطاب الاستعمار "الحامي للإسلام" في مواجهة الفوضى أو "البدع". في المقابل، يتتبع المؤلف كيف حاولت الزوايا المحافظة على حدّ أدنى من استقلاليتها الرمزية، مستفيدة من مكانتها في المخيال الجماعي وعمق حضورها في الحياة اليومية للمغاربة، حيث ظلت المواسم، والزيارات، وحلقات الذكر، ومجالس العلم، فضاءات لإعادة إنتاج الهوية المحلية في مواجهة سياسات الإدماج القسري والتحديث الفوقي الذي حملته الإدارة الاستعمارية.
من خلال هذا العمل، يقدّم مصطفى الريس إسهاماً في تجديد دراسة تاريخ الزوايا في المغرب، بنقلها من الخطاب التمجيدي أو الاتهامي إلى فضاء التحليل التاريخي البارد، القائم على الوثيقة الأرشيفية وشهادات المرحلة وقراءة المتون الفقهية والصوفية التي صاغت رؤية الزوايا للعالم وللسلطة وللعلاقة مع "الآخر" القادم من وراء البحر. كما يفتح الكتاب نافذة للتفكير في أثر تلك المرحلة على وضع الزوايا في المغرب المعاصر، حيث لا تزال هذه المؤسسات تتأرجح بين دورها الروحي التقليدي، وتوظيفها الرسمي في هندسة الحقل الديني، وصورتها المتناقضة في الإعلام والرأي العام بين "إرث ثقافي" و"موضوع للجدل". بهذه القراءة، يغدو تاريخ الزوايا زمن الحماية مرآة مكبّرة لفهم مسارات تشكل الدولة الحديثة في المغرب، وحدود التداخل بين الديني والسياسي في فضاء يسعى إلى التوفيق بين الاستمرارية التاريخية ومتطلبات التحوّل الديمقراطي.