أصدرت كلية أصول الدين بتطوان عملاً جماعياً بعنوان "الفكر الصوفي بمراكش: الأعلام والقضايا والإشكالات"، بتنسيق محمّد صلاح بوشتلة ومحمّد البوغالي والزبير درغازي. يتوزّع هذا المؤلَّف على 23 دراسة محكّمة أنجزها ثلاثة وعشرون باحثاً من شُعَب الفلسفة والتاريخ، ينتمون إلى مؤسسات جامعية مختلفة، ويُقدّم على امتداد نحو 700 صفحة قراءة شاملة للمشهد الصوفي لمدينة مراكش.
شبكة من الأعلام والمسارات الروحية
يعتمد الإصدار طريقة بحثية متنوّعة تجمع بين الدراسات والترجمات والتحقيقات، لرسم صورة دقيقة للإسهامات الصوفية في هذه الحاضرة المغربية. يُبرز الكتاب شخصيات مركزية من تاريخ التصوف المغربي، على رأسها أبو العباس السبتي الذي حاز مكانة رمزية في التديّن الشعبي عبر المغرب، إلى جانب ابن برجان صاحب التفسير الإشاري، ومحمد الغزواني مؤلّف كتاب "النقطة"، ومحمد بن سليمان الجزولي صاحب "دلائل الخيرات"، وابن البنّا المراكشي، وابن المؤقّت. تُجسّد هذه الأسماء مراحل تطوّر الفكر الصوفي الذي تفاعل مع السياقات الاجتماعية والفكرية للمدينة، فصاغ ما يمكن وصفه بـ"اللغة الروحية" الخاصة بمراكش وأحوازها.
تتجاوز مقاربة الكتاب البُعد التراجمي التقليدي، إذ تسعى الدراسات المُقدَّمة إلى فهم الدور الذي لعبه المتصوفة في التشكيل الثقافي والاجتماعي لمراكش، ليس بوصفهم شخصيات منعزلة، بل فاعلين حقيقيّين في صناعة الذاكرة الجماعية والهُويّة المكانية للمدينة. تكشف تلك الأبحاث عن صلة وثيقة بين التصوف والحياة اليومية، حيث شارك الأولياء والمتصوّفة في رسم الملامح السياسية والرمزية لمراكش منذ مرحلة الفاتحين الأوائل.
نافذة مقارَنة عبر البحوث المترجَمة
يتميّز الكتاب بتضمينه ترجمات لدراسات أجنبية أنجزها باحثون استشراقيّون مرموقون، من بينهم ألفريد فور، وبول نويا، ولوي فوانو، اهتمّوا بالتصوف المغربي من زوايا مختلفة. تفتح هذه الترجمات أفقاً مقارَناً يثري النقاش الأكاديمي حول التصوف المراكشي، ويسمح بمقاربة أعمق للنصوص والممارسات الصوفية عبر منظور تحليلي متعدّد الأبعاد. تُسهم هذه المقاربة المقارَنة في تقويم الصورة النمطية التي رسمتها بعض الكتابات الاستشراقية عن التصوف، وتفتح المجال لحوار نقدي بنّاء.
مراكش: مدرسة الولاية ومقصد الباحثين
يُشير الكتاب إلى أن مراكش اكتسبت لقب "حرمة الله" قبل وصول المرابطين، بوصفها فضاءً مقدّساً تُرعى فيه عهود الله. تحوّلت المدينة إلى مركز لتخريج الأولياء والمريدين، حتى اشتُهِرت بسبعتها المعروفين الذين يمثّلون قمّة المشهد الصوفي، بينما يُخفون وراءهم مئات الأسماء الأخرى التي أسهمت في ترسيخ هذه المكانة الروحية. يحاول الكتاب إعادة بناء الذاكرة الدينية والاجتماعية لمراكش من خلال استعادة تلك الشخصيات ومساهماتها، بما يسمح بفهم أعمق لكيفية تحوّل المدينة إلى "مدرسة للولاية".
لا يكتفي الإصدار بالتأريخ للأعلام والشخصيات، بل يطرح أسئلة إشكالية حول العلاقة بين الفكر الصوفي والتحوّلات المجتمعية والسياسية التي عرفتها مراكش على امتداد القرون. تُشكّل هذه الأسئلة محاولة لتجاوز التوصيف السردي إلى التحليل النقدي الذي يستقرئ الخلفيات الفكرية والسياقات التاريخية التي أنتجت هذا التراث الروحي الغني. يوفّر الكتاب بذلك موادّ أساسية للباحثين المهتمّين بتاريخ الأفكار الدينية والتصوف المغربي، ويمثّل إضافة نوعية للمكتبة العربية المتخصّصة.