يمثل صدور كتاب «المجال والذاكرة: دراسات في التاريخ والتراث والتصوف بالأطلس المتوسط وأبي الجعد» الحلقة الثامنة من السلسلة السنوية التي دأب على إصدارها «مختبر السرديات» بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، في صيغة عمل جماعي يشارك فيه سبعة وعشرون باحثا من مشارب معرفية متعددة، ويقع في نحو أربعمئة وثلاثين صفحة من القطع الكبير. ويأتي هذا الإصدار برسم سنة 2026 ليستكمل مسارا بحثيا تراكميا حول تمثلات المجال المغربي، من خلال التركيز هذه المرة على الأطلس المتوسط ومدينة أبي الجعد وضواحيها بوصفها فضاءً اجتماعيا وثقافيا ودينيا تتقاطع فيه الذاكرة المحلية مع التحولات التاريخية الكبرى. وقد أشرف على تنسيق الكتاب وتحكيم مواده كل من شعيب حليفي وإبراهيم أزوغ، في امتداد لتجربتهما في إدارة مشاريع بحثية جماعية حول السرديات والهوية والمجال.
يعتمد الكتاب مقاربة تتوزع بين التاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات والدراسات المجالية والبحث في الممارسات الصوفية، مع حضور واضح لأسئلة الذاكرة الفردية والجماعية في علاقة بما راكمه الأطلس المتوسط وضفاف أبي الجعد من أحداث وتحولات خلال العقود الماضية. وتأتي الدراسات المنشورة لتعيد تفكيك صور هذا المجال كما ترسخت في المصادر التاريخية والوثائق الأرشيفية والخطاب الشفهي، مستثمرة أدوات متعددة من الأنثروبولوجيا الثقافية وتحليل السرد والبحث الأركيولوجي في آثار العمران الديني والشعبي. وتُظهر نصوص الكتاب حرصا على ربط المعطيات المحلية بمستوى أوسع من التحليل، يضع الأطلس المتوسط ضمن خرائط أوسع لتحولات المجتمع المغربي وعلاقته بأريافه ومراكزه الدينية ومواسمه وطرق هجرته.
يتوزع المتن البحثي على محاور تشتبك مع تاريخ التصوف والزوايا والطرق الروحية في المنطقة، ومع أدوارها في تنظيم المجال القروي وصياغة موازين النفوذ الرمزي والاقتصادي، إضافة إلى إسهامها في إنتاج سرديات حول الكرامة والولاية والخوارق. وتُعنى مساهمات أخرى بتتبع مسارات تشكل المدن والقرى، ومسالك التجارة التقليدية، وخرائط الهجرة الداخلية نحو المراكز الحضرية، مع التوقف عند أثر هذه الحركية في إعادة توزيع المعنى داخل المجال وفي إعادة رسم حدود الانتماء. كما تقارب بعض الدراسات قضايا التراث المادي والمعماري، من خلال قراءة المباني الدينية والأسواق الشعبية والمواقع الأثرية باعتبارها خزانا لطبقات متراكبة من الذاكرة، يكشف التحقيق في تفاصيلها عن طرائق العيش وتمثلات السلطة والقداسة.
وتحتل الذاكرة مكانة مركزية في البناء النظري للكتاب، سواء في بعدها الشفهي المتداول في الحكايات والأمثال والسير المحلية، أو في صيغتها المدونة في سجلات الأوقاف والوثائق العدلية والكتابات التاريخية حول المنطقة. وتعتمد عدد من المساهمات على جمع الروايات المتناقلة بين الأجيال، ثم مواجهتها بالمصادر المكتوبة في محاولة لإعادة تركيب صور متعددة للماضي، وتبيّن الفوارق بين ما تستبقيه الذاكرة وما تُسقطه أو تعيد صياغته. وتُبرز هذه المقاربة الثنائية الأهمية التي يوليها المشروع للربط بين البحث الأرشيفي والعمل الميداني، وتثمين الأرشيف اللامادي بما يتيحه من تفاصيل حول الحساسيات المحلية والعلاقات المعقدة بين الجماعات القروية والزوايا والسلطة المركزية.
كما تتضمن فصول الكتاب قراءات في أدوار المواسم الدينية والطقوس الجماعية في تثبيت الانتماءات المحلية، وفي تنظيم دورة السنة الاقتصادية والاجتماعية داخل القرى والحواضر الصغيرة، من خلال ما تتيحه هذه المناسبات من تبادل للسلع وللرموز على السواء. وتتناول أبحاث أخرى بعض مسارات المقاومة والتحولات السياسية كما عاشتها المنطقة، مركزة على كيفية ترسخها في الذاكرة الجماعية عبر الأضرحة والرموز والاحتفالات وكتابة السير، بما يجعل المجال نفسه شاهدا على توترات ماضية وعلى أشكال التكيف مع تغير موازين القوة. وتضع هذه المقاربات الأطلس المتوسط وأبي الجعد ضمن خريطة أوسع للبحث في تاريخ الهامش، حيث يتحول الفضاء المحلي إلى مدخل لفهم إعادة توزيع السلطة والمعرفة والشرعية عبر الزمن
ويُسجَّل في هذا العمل حضور لافت لأصوات بحثية تنتمي إلى أجيال مختلفة، ما يمنحه تنوعا في زوايا النظر ومناهج الاشتغال، بين دراسات تعتمد التحليل النصي الصارم لمصادر قديمة وأخرى تميل إلى الاستقصاء الميداني وملاحظة الطقوس والعادات في الفضاءات المفتوحة. ويكشف هذا التعدد عن رغبة في بناء قاعدة بحثية تراكمية حول الأطلس المتوسط وأبي الجعد، قابلة للتطوير في أعمال أخرى متخصصة، سواء في تاريخ التصوف أو في سوسيولوجيا المجال أو في دراسات التراث المحلي. ومن خلال هذا الكتاب السنوي الثامن، يواصل «مختبر السرديات» ترسيخ نموذج العمل الجماعي طويل النفس في الجامعة المغربية، حيث يصبح الكتابة المشتركة أداة لإعادة قراءة مجال جغرافي محدد من زوايا متقاطعة، وربطه بأسئلة أشمل حول التاريخ والذاكرة والهوية في البلاد.