في زاوية متواضعة وسط جبال الأطلس المتوسط، بمنطقة بني اعياط من إقليم أزيلال، وُلد عام 1942 طفل ليتيمًا قبل أن يبلغ الثانية من عمره، لم يكن يعلم أن قدره سيجعله أحد أكثر الأسماء جدلًا في تاريخ المغرب المعاصر. سيدي محمد بصير بن سيدي إبراهيم البصير، سليل عائلة صوفية عريقة من الطريقة الدرقاوية الشاذلية، نشأ بين أحضان إخوته الكبار يتلقى العلم في مدرسة زاوية والده، حافظًا للقرآن على يد فقهاء أجلاء، قبل أن تتسع آفاقه لتشمل التعليم الرسمي بالرباط ثم بجامعة ابن يوسف العتيدة بمراكش، حيث نال شهادة الباكالوريا التي فتحت له أبواب الشرق العربي.
كانت رحلته إلى القاهرة عام 1964 ثم دمشق ثم بيروت محطة فاصلة في تكوينه الفكري، فقد عاش تلك السنوات في خضم حقبة عربية مشتعلة بالقومية والوحدة، حقبة ما بعد نكبة 1967، حيث تشبع بأفكار التحرر الوطني ومارس الكتابة والاطلاع وسط أجواء الجامعات المشرقية. لكن توتر العلاقات المغربية السورية دفعه إلى العودة إلى وطنه أواخر سنة 1966، حاملًا معه نَفَسًا فكريًا جديدًا لم يجد بعد ميدانه. استقر بالدار البيضاء، وبالضبط في الحي المحمدي النابض بالحياة السياسية والنقابية والفنية، وهناك امتهن الصحافة، فأصدر مجلتي "الشموع" و"الأساس"، يكتب فيهما عن الثقافة الصحراوية وقضايا الساعة، باحثًا عن قضية تستحق أن يكرس لها حماسه الشاب.
وجد تلك القضية في نونبر 1967، حين شد الرحال نحو الصحراء المغربية الواقعة بعد تحت نير الاستعمار الإسباني، رفقة أخيه مولاي علي بصير. كانت تلك أول مرة يطأ فيها تلك الأرض، ومع ذلك وصفها بأنه أحسّ وكأنه يعرف كل بيت وكل وجه فيها، ربما لأن جذور عائلته الروحية كانت ضاربة هناك منذ أجيال. دخل عبر طنطان، ثم اتجه إلى السمارة، حيث وجد أرضًا خصبة لأفكاره: شباب صحراوي متعطش للوعي، وشيوخ ناقمون على سياسات التجهيل والتنصير التي انتهجها المستعمر. هناك أسس تنظيمًا سريًا أسماه "الحركة الوطنية لتحرير الصحراء"، عرفته السلطات الإسبانية بقلق بالغ تحت اسم "حزب المسلم"، وضمت قيادته السداسية شبابًا من مختلف فئات المجتمع الصحراوي. لم يكن هدفه المعلن سوى استرجاع هذا الجزء من الوطن الأم، لكن الجدل سيطارد نواياه إلى يومنا هذا.
كان رجلًا يجمع بين سحر الكاريزما وصرامة المبدأ، يُروى عنه أنه كان "يجذب الناس كالمغناطيس"، كما وصفه أحد رفاقه في الكفاح. اعتُقل أول مرة سنة 1968 بتهمة العمالة للمغرب، وأُطلق سراحه بعد تدخل عائلته، لكنه ظل تحت المراقبة اللاصقة للسلطات الاستعمارية التي شعرت بأن ثمة حركة غير عادية تتشكل في الظل. ومع اقتراب صيف 1970، تصاعدت وتيرة الأحداث: قررت السلطات الإسبانية تنظيم مهرجان دعائي بحي الزملة بمدينة العيون للترويج لاستمرار وجودها، فكان ردّ بصير ورفاقه أن نظموا مسيرة شعبية مضادة. في صباح السابع عشر من يونيو 1970، تجمعت الجماهير الغاضبة، فحاصرتها الشرطة، وانتهى الحوار مع الحاكم العام الإسباني إلى طريق مسدود، ثم انفجر الموقف بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فسقط شهيدان وجُرح عشرون وامتلأت السجون بالمعتقلين.
لم يُفلت بصير من قبضة المستعمر، فاعتُقل في مساء ذلك اليوم بمنزل قريبة له، وخضع لتحقيق وتعذيب امتد لأكثر من عشرين يومًا، قبل أن يُنقل إلى السجن الأكحل مع نفر قليل من أقرب رفاقه. وفي فجر الرابع عشر من غشت من تلك السنة، رآه أحد من شاركوه الزنزانة آخر مرة، مقيد اليدين، يُساق بين جنديين إسبانيين، ثم انقطع خبره إلى الأبد. حاولت السلطات الإسبانية فيما بعد التغطية على الواقعة بإشاعة خبر فراره من السجن، ووزعت صوره في الشوارع، لكن هذا لم يفعل سوى أن يرسخ في الذاكرة الجماعية للصحراويين فكرة تشبثهم به كرمز.
ومنذ تلك اللحظة، صار سيدي محمد بصير اسمًا معلقًا بين روايتين متناقضتين تمامًا: رواية تقول إنه أول من أوحى بفكرة الانفصال عن المغرب، تبنّتها حركة البوليساريو بعد سنوات من اختفائه، ورواية أخرى، تتمسك بها عائلته وعشيرته وتؤكدها الوثائق التي كتبها بخط يده، تقول إنه كان وحدويًا مغربيًا حتى النخاع، لم يسعَ من حركته إلا إلى استرجاع الصحراء إلى الوطن الأم. ظلت رسائله الشخصية، التي يخاطب فيها إخوته بحنين الأخ المتعلق بأهله ووطنه، الشاهد الأبرز على هذا الوفاء، إلى جانب شهادات رفاقه في الكفاح الذين أكدوا أن تنظيمه كان أول حزب سياسي صحراوي ذو توجه وطني أصيل لا انفصالي.
ظل مصيره الحقيقي لغزًا محيّرًا لعقود، تطالب به عائلته بصمت طويل قبل أن تقرر كسر هذا الصمت علنًا، مستندة إلى التحولات التي عرفها المغرب في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. وهكذا تحول سيدي محمد بصير، الشاب الذي غادر زاوية صوفية هادئة في الأطلس بحثًا عن العلم، إلى رمز متنازَع عليه بين ذاكرتين، رجلًا حيًّا في الوجدان وغائبًا عن الحقيقة، شاهدًا على لحظة تاريخية لم تُكتب نهايتها بعد.