يتمثل الفرق الجوهري بين مقام المجاهدة ومقام المشاهدة في كونهما مرحلتين متتابعتين في رحلة السالك؛ حيث تُمثل المجاهدة الوسيلة والطريق الشاق، بينما تُعد المشاهدة الغاية والثمرة الروحية التي يصل إليها المريد بعد صفاء باطنه.
ويمكن تفصيل الفروق بينهما من خلال المصادر فيما يلي:
أولاً: مقام المجاهدة (المنهج والعمل)
- بذل المجهود: تُعرف المجاهدة بأنها "مقاساة" وبذل "مجهود دائب" من قِبَل السالك لترويض نفسه وتزكيتها.
- تطهير القلب: هي عملية "تصفية القلب وجلاء مرآته" من خلال قطع العلائق الدنيوية والوساوس الصارفة، وهي بمثابة "مشكاة القلب" التي تنزع الذنوب.
- المكابدة والالتزام: تتضمن المجاهدة "شدة المكابدة" والمواظبة على الأوراد والأذكار، والالتزام الصارم بآداب الشريعة وأعمال الجوارح.
- صفة الكسب: يُنظر إلى المجاهدة على أنها "مكسب" يحققه السالك بإرادته واجتهاده تحت إشراف شيخه.
ثانياً: مقام المشاهدة (الحال والفتح)
- مقام الإحسان: تمثل المشاهدة المرتبة الأعلى المرتبطة بمرتبة الإحسان، وهي أن "تعبد الله كأنك تراه"، حيث ينتقل المريد من مجرد الإيمان بالغيب إلى درجة اليقين والمعاينة بالبصيرة.
- شهود الحق: في هذا المقام، يمتلئ القلب بالمذكور ويغيب الذاكر عن نفسه وعن الأغيار، ويصبح مستغرقاً في "شهود الحق" و"معاينة الوجود الحقيقي".
- الفناء عن النفس: تتوج المشاهدة بحالة من الفناء، حيث لا يشهد الواقف في هذه الحضرة "إلا الله عز وجل"، وتنمحي الصور والرسوم الكونية أمام عظمة التجلي الإلهي.
- صفة الوهب: بخلاف المجاهدة التي هي كسب، فإن المشاهدة هي "هبة من الله" وعطاء إلهي يفتح أبواب المعرفة اللدنية التي لا تنال بمجرد المجهود البشري.
العلاقة والترقي بينهما
- الارتباط الشرطي: يرى المتصوفة أن "من تجاوز المجاهدة وصل إلى المشاهدة"؛ فلا يمكن الوصول إلى أنوار المشاهدة إلا عبر نيران المجاهدة وتزكية النفس.
- اللحظة الحاسمة: لحظة الترقي هي التي يتوقف فيها الجهد الإنساني (المجاهدة) ليبدأ الإمداد الإلهي (المشاهدة)، وهي المرحلة التي ينفتح فيها الإدراك لمعاينة الفعل الإلهي القابع خلف حركة الأشياء.
- دور الشيخ: يعمل الشيخ كمرشد يقود المريد عبر "متاهات المجاهدة" حتى يوصله إلى عتبة المشاهدة، حيث يتولى الشيخ هناك تفسير تلك الرموز والمشاهدات التي يراها المريد في خلوته.