إن اختيار المرشد الصوفي الصادق ليس أمراً متروكاً للأهواء أو الانبهار بالخوارق، بل هو عملية تخضع لمعايير دقيقة وضعتها المصادر الصوفية لتمييز "الشيخ الكامل" عن "أدعياء التصوف" . وتتلخص هذه المعايير فيما يلي:
1. الاستقامة والتمسك بالشريعة (المعيار الأساسي)
- المواظبة على الواجبات: يعتبر التزام الشيخ بالواجبات الدينية والسنن النبوية أهم علامة على صدقه؛ فمن ادعى الولاية أو الكرامة وهو مفرط في أحكام الشرع فهو "فاجر شرير".
- اجتناب الكبائر: يجب أن يكون الشيخ مجانباً للكبائر في أفعاله وأقواله ومعتقده، وأن يكون ظاهره وباطنه مستنيراً بأنوار السنة .
- العلم الشرعي: يشترط في المرشد أن يكون متقناً لعلوم الشريعة (أصولاً وفروعاً)، وعالماً بأحكام المعاملات، ليكون قادراً على توجيه المريد وفق ميزان الحق .
2. الاتباع النبوي في السلوك (السمت)
- تحكيم السنة في الحركات والسكون: يُختبر الشيخ بالنظر إلى سمته وكلامه وسكوته؛ فإن كان يسير على سبيل السنة في مواضع الحركة والسكون، ويضع الأمور في مواضعها الشرعية، فهو صاحب "صفة كمال".
- الوراثة الروحية: يجب أن يكون الشيخ مستمداً لنوره من المشكاة النبوية، وأن يكون مأذوناً له في الإرشاد نتيجة تجارب روحية ومكابدات حنكته.
3. الصفات الأخلاقية العالية
حددت المصادر ثلاث علامات كبرى للولي أو الشيخ الصادق :
- الإنصاف عن قوة: أن يكون قادراً على الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ حتى لو نبهه إليه تلميذ صغير.
- التواضع عن رفعة: أن يظل متواضعاً مع عامة الناس وضعفائهم مهما علا شأنه أو عظم جاهه عند الملوك.
- الزهد عن قدرة: أن يعرض عن الدنيا وزينتها وهو قادر على نيلها، اقتداءً بالزهد النبوي.
4. وزن الخواطر بميزان الشرع
- من معايير المشيخة الصادقة أن يكون الشيخ حريصاً على وزن كل ما يخطر في باله بميزان الشرع أولاً، ثم باقتداء الصلحاء ثانياً، فإن التبس عليه الأمر عرض الفعل على نفسه؛ فإذا خفَّ الفعل على نفسه ونشطت له، علم أنه "هوى" فتركه، وإن ثقل على نفسه خاف الإقدام عليه، علم أنه "خير".
5. التحذير من الانخداع بالخوارق (معيار أهل البصيرة)
- يؤكد المتصوفة المحققون قاعدة ذهبية: "اعرِف الحق تعرف أهله"؛ فلا ينبغي للمريد اختيار الشيخ بناءً على "الكشف" أو "الكرامات" أو القدرة على الطيران في الهواء، بل يجب عرض أحوال الشيخ وأعماله على الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبل وما خالفهما رُد.
- يُحذر من الشيوخ الذين يدندنون حول "الوحدة المطلقة" أو "قدم الروح" وهم جاهلون بأساسيات العلم النبوي، فهؤلاء يفسدون أكثر مما يصلحون.
المرشد الصادق هو الذي يجمع بين الحقيقة (الباطن) والشريعة (الظاهر)، ويكون مقصده من الإرشاد وجه الله تعالى، بعيداً عن طلب الشهرة أو الجاه.