يعتبر التصوف في الخطاب الرسمي المغربي المعاصر ركيزة أساسية لنموذج التدين المغربي، ويُنظر إليه كـ "حصن منيع" و"درع واقي" ضد التطرف والإسلام الراديكالي من خلال عدة أبعاد جوهرية.
معنى التصوف كحصن ضد التطرف:
-
تغليب الجانب الروحي على الشكلي: يركز التصوف على التربية الروحية، والصفاء الداخلي، والمحبة، والتسامح، بدلاً من التركيز على الرؤى "القانونية" الجافة أو "المدونات العقابية" التي تستخدمها التيارات الراديكالية للفرز بين الناس.
-
الفصل بين الدين والسياسة: يعتبر التصوف أن الإسلام ممارسة إيمانية داخلية، ويرفض تسييس الدين، مما يجعله ضمانة لممارسة دينية هادئة تحترم مؤسسات الدولة.
-
تعزيز الهوية الوطنية الوسطية: يتم تقديم "تصوف الإمام الجنيد" كأحد المكونات الثلاثة لـ "الإسلام الرسمي المغربي" (إلى جانب المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية)، وهو نموذج يُروج له كبديل "معتدل ومتسامح" للأيديولوجيات الدخيلة.
-
الانفتاح الإنساني: تتبنى الطرق الصوفية (مثل البوتشيشية) خطاباً إنسانياً عالمياً يرفض الانغلاق، وتعتبر الروحانية جسراً ثقافياً وقيمياً يمنع الانزلاق نحو التشدد.
الأدوات التي تستخدمها الدولة لتعزيز هذا النموذج: تعتمد الدولة المغربية مجموعة من الأدوات الإستراتيجية والمؤسساتية لتعزيز هذا النموذج الصوفي:
-
مأسسة "الإسلام المغربي": بعد أحداث الدار البيضاء عام 2003، تبنت الدولة خطاباً رسمياً يضع التصوف الجنيدي في صلب السياسة الدينية الوطنية لمحاربة الفكر المتطرف.
-
التعيينات القيادية: تم تعيين شخصيات ذات خلفية صوفية في مناصب حساسة، مثل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية (أحمد التوفيق)، الذي يعتبر التصوف مكوناً اجتماعياً حيوياً للتماسك والرحمة.
-
تكوين الأئمة: تم إدراج المحتوى الصوفي كمادة أساسية في برامج "معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات"، لضمان نشر قيم الاعتدال بين الأئمة المغاربة والأفارقة.
-
الدعم المالي واللوجستي للزوايا: تخصص الدولة ميزانيات لترميم الأضرحة، ودعم الزوايا، وتنظيم "المواسم" الدينية الكبرى التي تجمع آلاف المريدين، مما يعزز سلطتها الروحية والاجتماعية.
-
رعاية الطرق الصوفية الكبرى: أصبحت الطريقة القادرية البوتشيشية بمثابة "الرافعة المفضلة" للسياسة الدينية للملكية، لقدرتها على تعبئة فئات واسعة من الشباب والنخب حول قيم الولاء للملك والاعتدال الديني.
-
الدبلوماسية الروحية: يستخدم المغرب التصوف (خاصة التيجانية) كأداة "قوة ناعمة" لتعزيز الروابط مع أفريقيا، وتكوين جبهة روحية مشتركة ضد التطرف العابر للحدود.
-
المهرجانات الثقافية الدولية: تدعم الدولة فعاليات مثل "مهرجان فاس للموسيقى العريقة" و"مهرجان الثقافة الصوفية" لتقديم التصوف كنموذج حضاري عالمي يدعو للحوار بين الأديان والجمالية الإلهية.
باختصار، حولت الدولة المغربية التصوف من مجرد طرق روحية منعزلة إلى إستراتيجية أمنية وروحية شاملة تهدف إلى صياغة ضمير ديني مغربي محصن ضد الانحرافات المتطرفة