مباحث العقيدة الأشعرية: مفهوم الكسب

أضيف بتاريخ 01/27/2023
الأشعرية

يتحدد مدلول الكسب في العقيدة الأشعرية بالقصد والميل والانبعاث نحو الفعل، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى. 

الكسب مصدر فعله الماضي كسب، يدل على التحمل والطلب، قال صاحب المصباح المنير:" … كسبت مالا كسبا من باب ضرب: ربحته، واكتسبته كذلك، وكسب لأهله واكتسب طلب المعيشة، وكسب الاثم واكتسبه: تحمله." 1 كما يتحدد مدلول الكسب في العقيدة الأشعرية بالقصد والميل والانبعاث نحو الفعل، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى. وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع الأفعال مخلوقة من الله تعالى مكسوبة من العبد.

يقول الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الإصبهاني:" حد الكسب: هو حال وحكم يتصرف به القادر منا عند تعلق قدرته الحادث بالمقدور به" 2
ويقول صاحب جوهرة التوحيد ملخصا عقيدة السادة الأشاعرة في لكسب:

وعندنا للعبد كسب كُلفا == ولم يكن مؤثرا فلتعرفا
فليس مجبورا ولا اختيارا == وليس كلا يَفعل اختيارا
فإن يُثبنا فبمحض الفضل == وإن يعذب فبمحض العدل
يقول الإمام الباجوري في بيان معنى هذه الأبيات:" ... وقدأشار المصنف في المتن إلى أن في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب أهل السنة، وهو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالق لها كما تقول المعتزلة ... "3

وتفسير الكسب على هذا النحو منسجم تماما مع نصوص الوحي التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق." وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" [الصافات : 96]. فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد.

وهكذا يصبح الإنسان في الفكر الأشعري غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، ولكنه قادر على كسبه واخيتاره، إي القول بنفي القدرة على الخلق وإثبات الكسب. وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق. وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وهي طريقة وسطى بين مذهبي الجبرية والقدرية.

وبهذه الرؤية التوسطية للفعل الإنساني يبطل مذهب الجبرية القائم على أساس إنكار القدرة الحادثة، ضدا على الضرورة والبداهة، وهو بهذا التوجه يبدو غير واقعي ينتهي حتما إبطال محل التكليف، بل يصبح لتكليف لا معنى له في غياب إرادة وقدرة على الفعل. كما يسقط مذهب المعتزلة الذي يجعل العبد مخترعا لأفعاله ضدا على أصل التوحيد الذي يجعل الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية.

ولله در الأشاعرة فقد كان نظرهم بعيدا، في معالجتهم وإقراراهم لمبدأ الكسب حيث حققوا من خلاله مقصدين عقديين عظيمين:

الأول: إثبات حرية العبد ومسؤوليته عن بعض الأفعال.
الثاني: الحفاظ على جوهر التوحيد وعدم تمزيقه كما فعل التيار الاعتزالي من قبل.
لقد استطاع الخطاب الأشعري من خلال عقيدة الكسب التي هي التفسير العملي والعلمي لمسألة القضاء والقدر أن يقرر على أن الفاعل الحقيقي في نهاية المطاف هو الله تعالى.

وفي هذا الصدد يقول الإمام الأشعري:" فإن قال قائل: فلم دل وقوع الفعل الذي هو كسب على أنه لا فاعل إلا الله، كما دل على أنه لا خالق له إلا الله تعالى؟ قيل له: كذلك نقول. فإن قال: فلم دل على أنه لا قادر عليه إلا الله عز وجل؟ قيل له: لا فاعل له على حقيقته أن يخترعه إلا الله تعالى. فإن قال: فلم دل كونه كسبا على حقيقته على أنه لا مكتسب له في الحقيقة إلا الله؟ قيل له: الأفعال لابد لها من فاعل على حقيقتها، لأن الفعل لا يستغنى عن فاعل، فإذا لم يكن فاعله على حقيقته الجسم، وجب أن يكون الله تعالى هو الفاعل له حقيقته وليس لا بد للفعل من كسب يكتسبه على حقيقته، كما لا بد من فاعل يفعله على حقيقته… (4)

ولا يليق بالمسلم أن يحتج بعلم الله تعالى وقضائه وقدره ليبرر أعماله السيئة، ولا يذكر شيئا من ذلك إذا هو فعل خيرا، لأنه لا يريد أن يحرم نفسه شرف وثواب الأفعال الحسنة، لكنه يحتج بالقدر لينفلت من تبعة الفعل القبيح، بل ينبغي له أن يسعى لفعل الخيرات و الطاعات واجتناب المعاصي والمنكرا.(5)

مخلوقات الله تعالى تنقسم إلأى قسمين:
القسم الأول: مخلوقات لا كسب لأحد فيها، وهي كل ما يقع في الكون على وجه القسر والحترم، مثل حركة الأفلاك والفصول ونمو الأشجار وككثير من حركات الإنسان وحركاته كالنوم واليقظة وحركة الإرتعاش. وهذا أمر لا كلام فيه لإن الإنسان غير مسؤول عن هذه التصرفات.

القسم الثاني: مخلوقات اكتسابية يتصف بها الإنسان بكسبه وسعيه الاحتياري، كإقباله على العمل والطعام والدراسة، ومحتلف ما يختاره الإنسان لنفسه، وهذه التصرفات موضوةع مساءلة.
أفعال الإنسان الاختيارية من جملة مخلوقات الله تعالى، فهو الذ جعل فيك الإقبال على الدراسة والالنصراف عنها، وهو الذي خلق فينا تصرفاتنا كلها من طاعة وعصيان... غير أن خلق الله لا يعني أنك مكره على ذلك.

تلبسك بالفعل يقتضي أمرين: وجود هذا الفعل في الخارج (وجود مقوماته كلها) ثم اكتسابك له عن طريق انبعاثك نحوه. فأنت مختار ومريد بوصفك كاسبا ومنبعثا إليهعلا بوصفك خالقا ومووجدا له وعناصره.
الإنسان يحاسب على الكسب لا على جوهر الفعل في حد ذاته: الذي يدهس إنسانا بسيارته فيفتله، المسؤول عن الفعل المباش هو السيارة نفسها ولكن الإنسان إنما يحاسب على الكسب.
الله تعالى يحاسب على الكسب : أي الانبعاث النفسي إلى التلبس الفعل.

نصوص في الكسب:
• " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة : 286]
• لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة : 225]
• الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر : 17]
• وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الزمر : 48]


----------------------------
(1) المصبح المنير في غريب الشرح الكبير، تأليف أحمد بن علي الفيومي المقري، كتاب الكاف، الصفحة 316 طبعة دجار الحديث، القاهرة2003.
(2) كتاب الحدود في الأصول، الصفحة 84 تقديم وتعليق محمد السليماني، طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة الاولى 1999.
(3) شرج جوهرة التوحيد للإمام الباجوري، الصفحة 115، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثالثة 2007.
(4) اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 72. .
(5) شرح جوهرة التوحيد، سليمان القضاة، ص:112.