الثقافة المغربية في عصر السعديين

أضيف بتاريخ 02/11/2023
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية


 دعوة الحق
65 العدد

لم يستجد شيء في أساليب الدراسة بالمغرب ومنهاجها بصفة عامة وإنما ظل الشعب مقبلا على التعليم إقبالا لا حد له، وبحماس دال على ما في المواطن المغربي من حيوية ونشاط ورغبة في التطور العقلي والفكري والنمو بالمكاسب الإنسانية، فكان الأطفال يدخلون الكتاتيب لحفظ القرآن والمتون وتعلم الصناعة اليدوية بالنسبة لبعض الأقاليم فمن عادة تطوان إلى وقت متأخر أن يعفى الطفل بعد حفظ القرآن من مزاولة الدرس ليتعلم حرفة من الحرف ويرجع ذلك لأسباب اجتماعية أشار إليها الأستاذ المؤرخ محمد داود في كتابه.. أما التعليم المشترك وهو ما يتعلق بالدراسة الدينية فقد كان يلقى في المساجد في حلقات تجمع العمال والصناع ليرفعوا عن أنفسهم عار الجهالة بأمور الدنيا والدين، وكانت هذه الحلقات أشبه ما تكون بمؤسسات التربية الأساسية، وكان بالقرويين كرسي للعلم ويعتبر ولاية علياء وكان من هؤلاء عبد الواحد الونشريسي قاضي فاس ومفتيها وصاحب التدريس بالقرويين المتوفى سنة 955 كما كان من هؤلاء محمد بن إدريس العراقي الذي ولي تدريس كتاب سيبويه، وكان هذا الكرسي خاصا بمن يدرس النحو، مات سنة 1142 وقد ألف رسائل كثيرة في النحو، وشاع في هذا العصر الاعتماد على الذاكرة فكان التعليم يرتكز على الحفظ ومن نماذج الكتني الذي كان يحفظ ألف مجلد وكان قبله الجزولي يحفظ فرعي ابن الحاجب والمدونة، وتعارف علماء المغرب مع علماء إفريقيا الوسطى وكان من بين هؤلاء أحمد يابا السوداني المتخصص في الدراسات الفقهية غير أن هؤلاء لم يكن لهم أثر يذكر لوحدة نوعية الثقافة والأسلوب التي وصل إليها المغرب، وقد رحل في القرن العاشر علي بن ميمون لتلمسان وبجاية وتونس والشام والحجاز وقال مقارنا بين علماء القرويين وعلماء غيرها :
«ما رأيت في سائر مدن المغرب لا في مدينة تلمسان ولا بجاية ولا تونس، ولا إقليم الشام بأسره، ولا بلاد الحجاز فإني رأيت ذلك كله بالمشاهدة، ولا بمصر على ما تقرر عندي من العلم اليقين بمشاهدة أناس من أهلها، وبرؤيتي لبعض كتب أرباب الوقت ما رأيت مثل فاس، ومثل علمائها في حفظ ظاهر الشرع العزيز بالقول والفعل، وهذا الحفظ لنصوص أمامهم الإمام مالك وحفظ سائر العلوم الظاهرة، من الفقه والحديث والتفسير وحفظ نصوص كل علم مثل النحو والفرائض والحساب والتوقيت والتعديل والتوحيد والمنطق، والبيان والطب، وسائر العلوم العقلية كل لابد فيه عندهم من حفظ نص ذلك الفن ومن لم يستحضر النص عن مسألة ما في علم ما أن تكلم فيه، لا يلتفت إلى كلامه، ولا يعبأ به، ولا يحسبونه من طلبة العلم، ويحدثنا أكليسار وهو بلجيكي زار فاس سنة 1540 ميلادية (في عهد السلطان أحمد الأعرج السعدي الذي حكم المغرب سنة 948) وكتب مذكرات عن وصف فاس، والقرويين التي أمها وقرأ بها وتعرف على حياة طلابها ومدرسيها وعلى أساليبهم التربوية وطرائقهم التعليمية، ويتحدث عن العلوم المتدارسة بها فيذكر منها : التفسير، الحديث، الأصول، الفقه، النحو، البيان، المعاني، المنطق، العروض، الحساب، التنجيم الكلام، التصوف، اللغة، التصريف، التوحيد، التاريخ، الجغرافية، الطب، القضاء. الأدب : ويشمل تاريخ الحركة الفكرية في هذا العصر من عدة مصادر مختلفة الاتجاه منها كتب الفقه كالمعيار للونشرشي ومعيار الوزاني وكتب التاريخ كدرة الحجال لابن القاضي ومناهل الصبا للفشتالي والنزهة لليفرني وكتب الرحلات كمحاضرة اليوسي ورحلة العياشي وكتب التراجم كمرآة المحاسن للفاسي والدرر المرصعة ونشر المثاني والدر الثمين لميارة وفهارس العلوم كالقانون لليوسي والأقنوم لعبد الرحمن للفاسي وانتشرت الدراسة في العواصم المغربية وأمها الطلاب من كل صوب كما تقاسم الدلائيون والناصريون النفوذ العلمي على البلاد المغربية في البادية بصفة خاصة وسيطر الدرقاويون على الأطلس وكان نشاطهم ثقافيا أكثر منه صوفيا، وهناك عوامل جديدة حفزت إلى تطوير أساليب التعليم ومناهجه تلك العوامل التي تتلخص في مظاهر ثلاثة : (المظهر الأول) في انتشار الزاوية وسيطرتها على توجيه البلاد. (المظهر الثاني) في الهجرة الأندلسية وما حملت إلى المغرب من تأثيرات جديدة. (المظهر الثالث) الاتصال بالأتراك والتأثر بأساليبهم. كانت الزوايا وتارة تكون بولي وتارة تكون بدون ولي، وهي تضم مجالس علمية مؤسسة على جذب الناس بالأوراد والأذكار والأخذ بمظاهر الشرع، وتطورت الحلقات في بعضها إلى رقص وسماع وظهر ذلك في زاوية مولاي العربي الدرقاوي تقليدا للمشارقة، بل إن أصحاب الطريقة العيساوية أخذوا بالشطح والتعرض للنيران والسموم وقد أخذوا ذلك من الرفاعية الشرقية المصرية، وعنها أخذت البيادق والأعلام والطبول والمزامير (انظر تاريخ تطوان).. والزوايا نشأت نتيجة لعدة عوامل، منها أن نظام الأربطة أدى مهمته فخلفته الزوايا ولكن بتوزيع جغرافي مغاير لما كان عليه نظام الأربطة، لأن الزوايا كانت منتشرة في داخل حدود المغرب، ومنها أن انتشار الثقافة الابتدائية والثانوية رغب المثقفين في متابعة دراستهم ولم يكن الجميع يستطيع الرحلة إلى عواصم العلم فكونوا ما يشبه المدارس الكبرى المحلية، ومنها اختلاف النزعات السياسية حيث كانت الهيئات تعتمد على تعليمها وتكوين ثقافتها قبل الدخول إلى ميدان العمل السياسي والعسكري، ومنها انتشار التصوف في المغرب وهو يعتمد على التكوين الجماعي المتحد المبدأ والعواطف والاتجاه الدنيوي والأخروي، ومنها الصمود ضد الغارات الاستعمارية المحلية التي يقتضي مراكز متعددة نائية عن العواصم لمجابهة غارة القرصان والمستعمرين، وفي أعقاب الدولة السعدية ظهرت عدة زوايا.
وأهمها زاوية الدلائيين في تادلا وكانت ذات أثر كبير في تركيز الثقافة الإسلامية وتقويتها وهذه الزاوية تعتبر من أهم الزوايا وأشدها أثرا في البلاد المغربية. أنشأ الزاوية الدلائية أبو بكر بن محمد الوجادي الزموري من قبيلة صنهاجة في أواسط القرن العاشر (16 ميلادية) وكانت طريقة مؤسسها التادلية الجزولية وخلفه ابنه محمد ثم محمد الملقب بالحاج وقد هدمت سنة 1668 ولم يبق من أثرها ما يعين على وجه الدقة مكانها ويظهر أنها كانت تقوم على مقربة من قرية معمر في جبال الأطلس المتوسط.
وفي أيام الشيخ محمد الحاج خرجت الزاوية من عزلتها العلمية واهتمت بالسياسة وشمل نفوذها فاس ومكناس والرباط والغرب فاضطر المولى الرشيد لمحاربتها ولما انتصر عفا عن رجالها كما في (الترجمان المعرب ص 7) ونقلوا إلى فاس ثم إلى تلمسان، وفي كتاب سليمان الحوات المسمى (البدور الضاوية) تراجم مفصلة وأخبار عن زاوية الدلائيين، ويقول الناصري في الاستقصا : «أن زاوية الدلائيين كان بها من معاطاة العلوم والدؤوب على دراستها وإقرائها وقراءاتها ليلا ونهارا ما تخرج به جماعة من صدور العلماء وأعيانهم حتى كانت إليها الرحلة في المغرب لا يعدو الطالب ولا يأمل سواها الراغب.
وكان عميد هذه الزاوية هو الشيخ محمد بن أبي بكر كما قلنا وهو من أعلام هذا العصر الذي تألق فيه اسم الحافظ أبو العباس المقري والحافظ أبو العباس يوسف الفاسي والإمام محمد بن عاشور والعلامة محمد ميارة، ومهما يختلف المعاصرون في الموازنة بين المحدثين الثلاثة الأولين فإن الدلائي كان رئيس زاوية لعبت دورا خطيرا في أواخر عصر السعديين وكادت أن تتسلق على الحكم لولا أن مملكة العلويين عاجلتها ثم شجعت الدراسة في القرويين لتقضي على نفوذها العلمي الذي امتزج بالسياسة وحول أهدافها من هداية إلى سيطرة.
وفي كتاب (البدور الضاوية في محاسن الزاوية الدلائية) لسليمان الحوات ذكر لأعلامها وترجم لرجالها. وكانت هناك زاوية علمية انقلبت إلى حركة سياسية وهي زاوية الشيخ الزعري التي ينتمي إليها ابن أبي المحلى المولود سنة 997 بسجلماسة وقد ثار هذا الفقيه ضد حكومة السعديين وفتن الناس حقبة من الزمن إلى أن قتل في إحدى المعارك على أبواب مراكش وترك أبو المحلى عدة تآليف منها : (القسطاس ومنجنيق أصخور) في الرد على أهل الفجور (والهودج). ومن الزوايا المعروفة في هذا العصر زاوية السملاليين بسوس ولم تكن زاوية ذات ولي منسوبة إلى أبي حسون السملالي الذي ثار ضد السعديين وحاول تأسيس دولة سملالية ولكن محمد بن الشريف نازله في عدة وقائع وانتصر عليه وقضى على ثورته القوية.

ومن أشهر الزوايا المغربية في هذا العصر الزاوية الناصرية المنسوبة إلى مؤسسها محمد بن ناصر الدرعي في قرية تمكروت وقد أطنب الحديث عنها الناصري في كتابه طلعة المشتري في النسب الجعفري، كما أن من أشهر الزوايا زاوية سيدي عبد القادر الفاسي بفاس وكانت هذه الزاوية ذات صبغة علمية محافظة لم تتخذ أورادا وأحزابا خاصة بها ولم تهدف إلى ثورة أو إلى انقلاب وإنما حافظت على الحركة السلفية وقاومت البدع جهد مستطاعها ويظهر أن هذه الزاوية لم تحاول جذب الناس إليها وإنما تسلسلت دعوتها في عقب مؤسسها، وفي كتاب عناية أولي المجد للمولى سليمان ذكر لعدة مشاهير رجال هذه الأسرة ومن علمائهم أبو زيد عبد الرحمن الفاسي المعروف بالمعارف والمتوفى سنة 1036 هجرية. ومما تجدر ملاحظته أن مدينة سلا في هذه الحقبة تزعمت حركة سياسية على أساس نظام الزاوية في شخصية أبي عبد الله العياشي فقاوم قرصنة الإسبان- والبرتغال ورد كيد الاستعمار، وعرفت مدينة سلا حركة دينية صوفية على يد الإمام عبد الواحد بن عاشر دفين سلا، وكان العياشي مشاركا عالماه له أتباع وله أوراد، ومن أتباعه بن سعيد الدكالي القاسمي صاحب زاوية دكالة. ومن الزوايا المشهورة الزاوية العياشية وتسمى الحمزاوية نسبة إلى حمزة في ناحية ميدلت والتي منها أبو العياشي صاحب الرحلة الذي ترجم فيها لعدة رجال هذه الزاوية وما تزال هذه الزاوية تحتفظ بخزانة ثمينة كما أن لها صلة قوية بالزاوية الفاسية. ومنها ما يمكن أن نسميه بزاوية العلويين في عهد المولى محمد الشريف مؤسس الدولة العلوية والذي قضى على مطامح الزاوية الدلائية وركز الدولة في يده، وقد بقيت الزوايا تلعب دورها في المغرب إلى عصرنا الحاضر، وأهم هذه الزوايا الشاذلية المنسوبة إلى أبي الحسن الشاذلي تلميذ عبد السلام ابن مشيش العلمي (في القرن التاسع) وينتمي إلى طريقته (المرينية) في الإسكندرية، وزاوية الشيخ زروق البرنوسي الصوفي دفين ليسيا وتسلسلت هذه الطريقة إلى السيد العربي الدرقاوي معاصر المولى عبد الرحمن في القرن الثالث عشر وصاحب الزاوية الدرقاوية المنتشرة في المغرب وقد أخذ هو عن علي الجمال دفين (بين المدن) بفاس، وفي أواخر القرن الثالث عشر ظهرت الزاوية الحراقية في تطوان كما ظهرت الزاوية التيجانية لمؤسسها أحمد التيجاني من عين الماضي بتخوم الصحراء وهو معاصر السلطان المولى سليمان العلوي والمدفون بفاس، وكذلك الزاوية الوزانية لمؤسسها مولاي عبد الله الشريف في القرن الحادي عشر وهي مأخوذة عن سيدي أحمد دفين الجبل، وقد انتشرت في المغرب وفي توات بصفة خاصة وتكلم عنها مؤلف (تحفة الإخوان في شرفاء وزان)، ومن االزوايا المشهورة زاوية الشيخ ماء العينين في الساقية الحمراء بشنجيط وهذه الزاوية ذات نفوذ واسع في شنجيط، وفي كتاب (حاضر العالم الإسلامي لشكيب أرسلان) ذكر دور هذه الزوايا في تاريخ المغرب من الوجهة السياسية والاجتماعية. وأسدت الزوايا وبالأخص الناصرية والدلائية والشرقاوية معونة في التثقيف ونشر التصوف في سائر البلاد وكان في زاوية محمد بن وسعدن المموسى مآت الطلاب وانتهج نهجه كثير من رجال الزوايا وأصبحت البرامج الدراسية تحتوي على دراسة مادة التصوف وكان أبو المحاسن الفاسي يدرس قوت القلوب والإحياء والشريعة في آداب السلوك، وجاء في كتب الإثبات أنه كان يدرس رسالة القشيري وعوارف المعارف للسهروردي ومنازل السائرين وعيوب النفوس للسلمي وشرح أبي عباد على الحكم السلطانية كما كان الإمام الزقاق يدرس الفقه والحديث والتصوف، ولكن كانت معارضة من بعض الأساتذة ضد تعليم التصوف، فعبد الله السوسي كان يفضل كتب السيرة على كتب التصوف لأن في الأولى سيرة الصحابة وفي الثانية سيرة المتصوفة والعجيب أن أحمد الشيخ مؤسس الدولة السعدية لم يلبث أن انقلب على الزوايا رغم أسدته لدولته فامتحن أربابها سنة 908 امتحن عبد الله الكوش ونفاه إلى فاس واتهم باقي أصحاب الزوايا بأنهم يحفظون في زواياهم ودائع بني مرين وفرض عليهم الضرائب بعد ما كانوا معفين منها، كما اقتفى هذه السياسة المنصور الذهبي فنفى علي بأحمد بن موسى السوسي بتارودانت. ولكن محاولات السعديين باءت بالفشل فقد تصدى الصوفي العياشي مجاهد سلا لحربهم وقويت شوكة الزاوية الدلائية وكان أبو المحلي من مشاهير الثوار الصوفيين ضد السعديين حيث احتل درعة، كما قتل السلطان محمد الشيخ المامون بن أحمد المنصور العضاوي البقال لأنه تصدى له بجارح القول واتهمه بالتهاون في الدفاع عن العرائش ولم يمنع ذلك أن يكون المنصور السعدي متصوفا في أعماقه فقد جاء أنه لبس خرقة التصوف على يد شيخه المنجور والواقع أن السعديين مدينون لزعماء الطرق الصوفية كما قلنا لأنهم هم الذين قاوموا بني مرين وهدموا دولتهم لانحلال ملوكهم وعدممقاومتهم للغزاة المسيحيين للشواطئ المغربية، ومن هؤلاء عبد الله بن عمر السوسي المدغري، وعبد العزيز القسطني ومحمد بن مبارك وهم الذين مهدوا لدولة محمد الشيخ السعدي بعد أن بدأوا ثورتهم بالسوس وذكر مؤلف زهرة التاريخ بأن محمد بن المبارك هو الذي أمر قبائل السوس بالانقياد للسعديين لذلك لا بدع أن يقول مؤلف النشر لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر، وهم محمد بن ناصر رئيس زاوية درعة ومحمد بن أبي بكر المجاطي، رئيس زاوية الدلاء، وعبد القادر الفاسي وهو بدون شك يصفها عن غير قصد بأنها ثقافة الزوايا ولا يخفى أن بجانب هؤلاء مآت العلماء وبجانب هذه الزوايا العلمية مآت أخرى أهمها زاوية محمد بن سعدي السوسي، وقدن ألف كثير من علماء التصوف في هذا الفن ومن أشهر ما كتب في ذلك دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر، لخصه وير Weir في كتاب عنوانه مشايخ المغرب في القرن السادس عشر بعد تجريده من التصوف لأبي عسكر الصوفي وهو أول مؤرخ للحركة الجزولية كما يقول بروفينصال المتصلة بالشاذلية التي تعرفت عنها معظم الطرق الصوفية في العالم الإسلامي.

والبدور الضاوية في الزاوية الدلائية للحوات والدرر المرصعة بأخبار أعيان درعة لمحمد المكي الدرعي الناصري وتحفة الإخوان لمناقب صلحاء وزان لمحمد الطاهري وكتاب الحضيكي المسمى طبقات الحضيكي وكاد أن يختص بصوفية سوس، وألف ابن القاضي في القرن العاشر درة الحجال، والجذوة وهي تحتوي على تراجم  لكثير من الصوفية وطوائفهم كالطائفة اليوسفية، والطائفة الأندلسية والعكاكزة والجزولية ويلاحظ هنري باسي في كتابه أدب البرابرة أن مصنفات التراجم أهملت الأساطير الشعبية المنسوبة للصوفية، وإذا فقد عرف المغرب في هذه الحقبة عددا كبيرا من (الزوايا) تمثل ألوانا من الفرق الدينية ذات نزعة خاصة في سلوكها ومعتقداتها، وحمل إلينا هذا الماضي القريب عددا من هذه الزوايا نحسبها أول وهلة أنها لم تثر حمية رجال السنة في المغرب الأقصى وأنهم وقفوا إزائها متفرجين وجامدين والحقيقة أنه بجانب نظام الزوايا نجد العلماء المغاربة ناضلوا نضالا قويا ضد أنظمتها وكافحوا كفاحا مستمرا ليرجعوا بالدين إلى صفائه بعد أن حاولت النزعات الغريبة عن جوهر الإسلام أن تتسرب إليه وتتمكن منه، ولم تكن عوامل هذه البدع الجديدة في المغرب تشابه عواملها في بلاد الشرق ولم تكن مشكلة الطائفية تشغل وحدها الفكر الديني السلفي بل اشتغل علماء الدين ورجال الفكر فيه بمناقشة مشاكل أخرى كانت تثار من حين لآخر في الأوساط المغربية كمشكلة (النسب) ودوره في المجتمعات العامة، هذه المشكلة شغلت حيزا كبيرا من حركة الإصلاح الديني بالمغرب وبالأخص بفاس طيلة مراحله التاريخية كما يستنتج ذلك علماء الاجتماع المغربي المعاصرون. أما مشكلة (الطرقية) فيلاحظ الفقهاء أن رجال الطرق يحاولون إحداث بدعة سيئة في الدين حيث يؤلفون فرقة تسلك منهجا خاصا تتعصب له وتعتقد أن من تمسك به نجا ومن خرج عنه ضل السبيل، ولا يخفى أن بعض المشعوذين يستغلون بساطة الدهماء فيجعلون منها مادة صالحة للاستغلال والعبث بثقتها أو تكييف جهودها حسب مصلحتهم وأهوائهم. وألف الشيخ أحمد بن عبد السلام بناني المتوفى سنة 1234 تأليفا في الرد على بعض الطوائف التي ظهرت بالمغرب في عصره سماه : «المعيار المعرب عن فضيحة الطائفة التي أحدثت أمرا بالمغرب» واهتم المؤلف في كتابه بنقد طائفة خاصة انتشرت في عهده وفي كتاب المعيار ذكر حركة الفتاوي الفقهية التي تعرب عن حملة العلماء ورجال الدين ضد الطائفية كفتوى العلامة القباب ضد اتخاذ شيخ في طرق الصوفية وكفتوى عبد العزيز القيرواني الفاسي ضد الطرقية والطائفية.

وألف الزيادي (وهو علامة وفقهيه) كتابا في الموضوع سماه الطرق الواربة وفي ترجمة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري المتوفى سنة 1239 الذي ألف كتابا مفيدا جدا عن الطائفية سماه (المزايا فيما حدث من البدع والزوايا) وهو كتاب يرد فيه على ابن عمه أبي الحسن علي بن يوسف بن الشيخ محمد الدرعي الذي دعم نظام الزوايا في ذلك الإقليم كما في طلعة المشتري، وشن المؤرخ الناصري مؤلف الاستقصاء حملة شعواء على الطوائف وأرباب الزوايا في كتابه المشهور متحدثا بحمية عن هذه الحركة وأهدافها وخطرها.

وكتاب (المزايا في بدع الزوايا) وهو كتاب ذو أهمية في هذا الموضوع ويقال أن نسخة منه توجد بفاس، والفقيه عمر الرجراجي كتاب في الموضوع نفسه يحمل اسم (إداية من تولى من غير الرب المولى) تحدث عنه الإمام المنجور في المنهاج.

ونقد العلامة الهبطي المجتمع المغربي في عهده واصفا ما فيه من البدع والطرقية في كتاب توجد نسخة منه بمكناس.
وفي كتب التراجم المغربية تعثر على عادة علماء لم يصنفوا تأليف في هذا الموضوع على أنهم استنكروا هذه الحركة ووقفوا منها موقف الخصم العنيد كأبي العباس مولاي أحمد الشاهد ابن (مولاي التهامي) حيث ناضل ضد فكرة الطائفية التي تزعمها والده كما في النشر أما مشكلة الأنساب التي كانت سببا في إثارة عدة مناقشات في الماضي فلم تكن أقل نزاعا من مشكلة الطائفية بل استنكر عدة علماء نظرية (النسب) التي كانت ذات أثر خطير في سير الأحداث العامة في المغرب وبالأخص في بعض العواصم ذات النفوذ العلمي حتى كاد الإسلام في المغرب أن يعود إلى نظام الطبقات حيث يصبح المجتمع فريسة الحقد والنضال وحتى كادت الحرف والوظائف أن تقصر على طائفة دون أخرى.

وقد كون (عنصر الإسلاميين) طبقة من رجال العلم والدين رأوا أن نظام مجتمعهم غير مبني مع التعاليم الإسلامية فكونوا جبهة معارضة ضد الميز الطبقي ودافعوا بحمية عن المساواة الإسلامية في صورتها الحقيقية وقد كانت فكرة النسب ذاعت بصورة مخيفة في هذا العصر، ويكفي أن نذكر هنا أن الإمام المنجور كان قدمه علمه فأجابه اليحمدي بقوله «إن كان قدمه علمه فقد أخره نسبه» بل إن قتل القاضي المشهور أبي النعيم الغساني كان نتيجة حكمه ضد البلديين في خلاف نشأ بينهم وبين العرب، ويعتبر ابن زكري أشهر من تولى المعارضة في عصره وقد أيده عدد من علماء وقته كالشيخ أحمد بناني مؤلف (تحلية الآذان والإسماع)، وكتاب (الوجد المغربي) وكانت الأحاديث التي ساقها ابن زكري للدفاع عن نظريته كحديث (من دخل الدين فهو من العرب) سببا في دخول رجال الحديث للمعمقة كأبي العلاء العراقي الذي أيد ابن زكري من الوجهة الحديثية على أن هناك عاملا جديدا في تلقيح الثقافة المغربية في هذا العصر وهو الهجرة الأندلسية.

ذلك أن الأندلسيين بعد الجلاء الأخير تفرقوا في كل مكان، توزعتهم البلاد، وساحوا في الأرض.. وكان نصيب المغرب منهم وافرا.

فقد حلوا بمختلف المدن الإفريقية كالرباط وسلا والقصبة وتطوان وفاس وتلمسان ووهران والجزائر وتونس، ولعل نصيب تونس كان منهم كثيرا أيضا حيث بنوا بها أكثر من عشرين قرية وكذلك أقاموا ببنزرت والقسطنطينية ومصر والشام ومراكش. والمؤرخون الإقليميون المغاربة يتحدثون دائما عنهم فمؤلف الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام يترجم لعدد من الأعيان الذين أقبروا في مراكش ويذكر (الكانوني) مؤلف كتاب أسفي وما إليه عدة من هؤلاء الأندلسيين الذين وصلوا إلى الجنوب المغربي ومؤرخ فاس صاحب السلوة يترجم لمن أقبر بفاس وأبو جندار في كتاب الاغتباط في تاريخ في تاريخ الرباط يترجم لعديد من الأندلسيين الموجودين به، بل أن المنصور السعدي عندما فتح السودان ألف منهم جيشا جرارا أمرهم بالمقام هناك في ضواحي البلاد السودانية تثبيتا لسلطانه وكان هذا الجيش تحت قيادة جودر بن عبد الله، ومن الطريف أن يكون هذا يكون هذا القائد ولي السفارة في لندن سنة 1637 وتوجد صورة له في متحف لندن سبق لمجلة المستمع العربي أن نشرتها، ومن السودان وصل فريق منهم إلى الجزائر الخالدات (جزائر كناريا) وهناك نشروا مدنيتهم بها.. وبطبيعة الحال أن يكون انتشارهم في نواحي الريف أوفر وأكثر لأن طريقهم إلى المغرب عن أودية تلكم الجبال.. وكما انتشروا في جنوب الجزيرة الأندلسية انتشروا في نابل وفرنسا فقد اجتازوا جبال البرينية ووصلوا إلى فرنسا ولاسيما في المقاطعات الجنوبية منها حيث نرى هناك عائلات تعرف عندهم (أنها من سلالة السرازين) وكذلك توجد عائلات في سويسرا تنتمي إلى السلالة العربية أيضا ومعروفة عندهم ويظهر لي خلاف هذا، ذلك لأن السرازين محرفة عن السراجين أي بني سراج، وبنو سراج أسرة أندلسية مالكة حكمت بغرناطة ونزحت إلى أوربا واشتهرت بها وكان (شاتوبريان) الأديب الفرنسي من الكتاب الذين صوروا حياتهم.. ويذكر التاريخ الفرنسي اسم العلامة أبا زيد الذي سكن طلوز وقد تنصر أهله واعتنقوا ألبروستانية، وكان من جملة المهاجرين إلى جنيف لما أصدر لويز الرابع عشر أمره بطرد البروتستانيين، وأبو زيد هذا يعتبر في تاريخ فرنسا كصديق لروسو وفولتير وما تزال جنيف تحتفظ باسمه حيث تسمى به شارعا من شوارعها.
إذن فقد هاجر الأندلسيون جزيرتهم لأسباب اجتماعية واقتصادية ودينية وتفرقوا وتوزعتهم البلاد فنزل معظمهم بالرباط وتطوان.

ويذكر مؤلف خلاصة تاريخ العرب أن الكثير منهم اجتاز جبال (البرنية) واستقبلهم هنري الرابع، على أن هناك بقية اندمجت في الإسبانيين بعد أن اعتنقت المسيحية وذكر الوزير الغساني في رحلته أنه لقي في إسبانيا كثيرا ممن تجري في عروقهم الدماء العربية وهذا الوزير توفي بفاس سنة 1119 على أن الأندلسيين عندما دخلوا المغرب لاحظ فيهم المغاربة أخلاق العجم سواء في عوائدهم أو في لغتهم. وفي رجلة (مويط) أن الرباطيين كانوا يتكلمون بالإسبانية وكل هذا كان سببا في حدوث نفرة بينهم وبين المغاربة حتى ظهر فيهم عبد الرفيع سنة 1052هـ.

وأيا ما كان فالمهم أن الأندلسيين لهم أثر عظيم في حفظ الصناعة والملاحة الأندلسية وقد لعبوا دورا خطيرا في القرصنة البحرية ولم يمض على مكثهم بالمغرب مدة قليلة حتى ظهر أثرهم جليا في الحياة الاجتماعية المغربية وفي الأدب بصفة خاصة فكونوا مدرسة ثقافية تمتاز بما في الأدب الأندلسي من رقة وصفاء وقدرة على مزج العاطفة بالطبيعة مع سحر في موسيقى الألفاظ وتناسق في انتقاء التعابير وفي مقدمة (سوق المهر) ذكر لنماذج من هذا الأدب المغربي الذي يذكر دائما بأدب الفردوس المفقود كما يضم تاريخ تطوان للمؤرخ محمد داود وصفاحيا لحياة المهاجرين الأندلسيين إلى تطوان وأدبهم بها.

وتجاوز هذا التأثير ميدان الأدب إلى ميدان الفن المعماري حيث عملت يد الصناع على بناء ما يذكرهم ببلادهم، وكذلك حملوا معهم الموسيقى الأندلسية بأطباعها المختلفة وأساليبهم في الري والفلاحة وفنونها فلقموا الأشجار وتفننوا في تنظيم الحدائق، ولم ينسوا لأن يحافظوا على مظهرهم الاجتماعي سواء في حفلاتهم وأعيادهم أو في لباسهم وفنون خياطة الملابس لنسائهم من تخريم وطرز وغير ذلك.

وباختصار فقد كانوا متمسكين بتقاليدهم الأندلسية وضنوا أن يفرطوا في شيء بل إنهم حملوا معهم إلى الرباط توابيت علمائهم وصلحائهم فدفنوها من جديد لتعيش معهم في أرضهم الجديدة وقد لعبوا دورا كبيرا في السفارات مع الخارج نظرا لتعرفهم على لغة الإسبان والفرنج ومعرفتهم بعوائد الغرب وأنظمته. وفي كتاب الاغتباط بتراجم قضاة الرباط لأبي جندار ذكر لعدة علماء وأدباء وشعراء من هؤلاء الأندلسيين.

وكانت لهم اليد الطولى في الأدب والعلم والصناعة والزراعة حتى حملوا أهل البلاد وقطعوا أرزاقهم وكان لا يستعمل بلدي ما وجد أندلسي ويذكر ابن خلدون عن رحلتهم إلى المغرب وأثرهم القوي في انقراض حضارتهم فيه في مقدمته قوله : (وألقت الأندلس بأفلاذ كبدها من أهل تلك المملكة بالجلاء إلى إفريقيا ولم يلبثوا أن انقرضوا وانقطع سند تعليمهم في هذه الصناعة لعسر قبول أهل العدوة لها وصعوبتها عليها وعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربرية وكان بالرباط كثير من النسوة المنحدرات من الأسر الأندلسية كآل بلانبو وبركاش مثلا ينسجن أنواعا من التعاليق والستور عجيبة التشبيك 4) وفي الفلاحة حمل الأندلسيون الواردون على الرباط خلاصة تجاربهم الموفقة ويمكن الرجوع إلى كتاب الفلاحة الأندلسية الطنفري المسمى زهر البستان ونزهة الأذهان وكتاب الفلاحة الأندلسية لأبي زكرياء يحيى ابن العوام الإشبيلي (الجزء 11) مجلة المجمع العربي الدمشقي. وهو تحليل دقيق لفن الفلاحة الذي يعتمد على اختبار الأرض والزيول والمياه والغراسة، وتربية الحيوان، واختزان الحبوب والفواكه الغضة واليابسة، واختزان التين والتفاح والكمثري والسفرجل والانرج والرمان والإجاص والنقراسيا والعنب والقسطل والفستق والبلوط، وفي التطعيم وتلوين الزهور والتثمير في غير الإبان، وجاء في تاريخ الرباط أن من العادات الأندلسية بالرباط أن الصبيان بالمكتب يشتغلون في آخر رمضان بتزويق ألواحهم بدوائر وخطوط ويلونونها بأنواع الصباغ وتلك عادة أندلسية لتدريبهم على الخطوط والدوائر الهندسية كتعليم لمبادئ الهندسة.

ولا ننس أن المنصور السعدي كان معجبا بالأمة التركية ونظامها وأنه حاول أن يقلدها فاصطنع لنفسه جيشا على شكل الجيش التركي وأدخل التقاليد الملكية إلى البلاط السعدي ولكنه نسي أن هذا المظهر لا يمكن استمراره ما لم تهيء له الأسس الأولى التي هي إصلاح التعليم وتوجيهه نحو النظام العسكري كما كان الشأن في الدولة التركية لذلك باءت محاولته بالفشل وتقلصت أهدافه بعد موته وصارت البلاد على ما ألفت من نظام وتعودت من حياة.

وبعث المنصور إلى الآستانة سفراء تأثروا مثله بالحضارة التركية ومن هؤلاء محمد بن علي الفشتالي وعلي التمغروتي مؤلف النكات المسلية في السفارة التركية، وأبو العباس أحمد بن علي الهوزالي سفير المنصور إلى مراد الثالث وابن القاضي مؤرخ الدولة السعدية. إن تعدد الزوايا وهجرة الأندلسيين إلى المغرب والاتصال بالمملكة التركية سواء ذلك الاتصال الجغرافي على حدود تلمسان أو الاتصال الديبلوماسي والعسكري الذي تبناه السعديون وتأثروا به حد كبير... كل ذلك أثر في الثقافة المغربية وتوجيه التعليم تأثيرا لا يظهر واضحا وإنما يتجلى في عدة محاولات هادفة إلى إصلاح مناهج التعليم وأساليبه قام بها رجال الحكم والعلم في الدولة السعدية العلوية في مختلف المناسبات، ومن الطبيعي أن لا تبدو نتائجها في الغالب لتحجر المعلمين والعلماء على النظام القديم وتقديس الموروث من مناهجه وكتبه وأساليب الدرس لذلك بقيت أساليب الدراسة ومناهجها في المغرب كما كانت من قبل مع تغيير بسيط في الكتب، وتطورات بطيئة (طائفة في أعلام هذا العصر) في فهرس اليوسي وهو من الزاوية الدلائيية ذكر للعلماء الذين أخذ عنهم بسجلماسة ودرعة والسوس ومراكش ودكالة، وقد عدد شيوخه فكان منهم أبو بكر التطافي ومحمد بن عبد الله الحسني وعبد العزيز الفيلالي ومحمد التجموعتي وأبو مهدي عيسى السحباني، ومحمد المزوار ومحمد الحتشوكي وأحمد الأعرج بن محمد القائم بأمر الله، كان عالما مدرسا بالقرويين وكان ذا كرسي راتب لتدريس العلم ثم خاض السياسة ولد سنة 891 ومات سنة 951.
أحمد المنصور الذهبي، فقد كان عالما متضلعا في الحديث والفقه والرياضيات والجبر والمقابلة، له أرجوزة جيدة مدونة ولد سنة 956 ومات سنة 1012.
عبد الواحد الحميدي
أحمد العذومي
أحمد المنجور
سقين الذي عده القصار من المجدودين للإسلام على رأس القرن العاشر، كان داعية للإسلام في إفريقيا دخل بلاد السودان وكتوا مات سنة 956 وأبو القاسم بن إبراهيم علامة مفسر مات سنة 978، عبد الله الورياغلي، مجتهد أصولي، مرابط مات سنة 954.
أبو القاسم الحساني ابن خوجو مات سنة 956.
عثمان اللمطي المولود سنة 888 المتوفى سنة 954.
محمد بن غازي محدث ومؤرخ له شرح خليل، والمدونة توفي سنة 919.
رضوان الجنوي المشهور بأبي حنبل كان فقيها ومحدثا ولد سنة 910 ومات سنة 991.
ابن القاضي مهندس عالم مفكر ألف عدة كتب أشهرها (المنتقى) والجذوة (والدرة) «والغنية» والمدخل لعلم الهندسة ومات سنة 1025.
محمد بن علي القنطري أديب شاعر محدث فارس عسكري مات سنة 1018.
عبد الواحد ابن عاشر فقيه مرسي مات سنة 1040.
محمد بن قاسم ابن زاكور حافظ أديب وطبيب له مؤلفات شتى أشهرها شرح ديوان المتنبي، وتذييل أرجوزة ابن سينا مات سنة 1120.
الخـزائـن 
أسس المنصور الذهبي خزانة عظيمة سميت بالخزانة المنصورية وقد جمعت كتبها في مختلف الأقطار حيث كان سفراؤه يحملون إليه من البلاد النائية مختلف الكتب وضمت إلى خزانة القرويين بعد وفاته كما اشتهرت خزانة الدلائيين بنفائسها وخزانة تمكرورت وزاوية العياشي بذخائر الكتب العزيزة.
(الفهـارس والمكتبـات)
يحيى السراج الحافظ المفسر ولد سنة 921 ومات سنة 1007.
محمد المرابط المغراوي العالم الفقيه توفي سنة 1008.
محمد بن أبي القاسم ابن القاضي فقيه رحالة فلكي قتل لموافقته على تسليم ثغر العرائش سنة 1040.
وأشهر الفهارس
فهرس السراج
وفهرست المنجور وله فهرسان توفي سنة 995.
وفهرست العميري

العمـران والفـن السعـدي 
تدفق ذهب السودان على عاصمة السعديين مراكش كما سارع البرتغاليون إلى تقديم أتاوات جزيلة للدولة لفداء أسراهم فساعد هذا الوفر المادي على تأسيس منشآت ذات فن رائع هو استمرار للفن العربي الأندلسي ولكنه كان استمرار فن شاخ ولم يستطع أن يتجدد ولهذا فقد أصاب طابس حين ذكر أن الفن العربي ظل متجها للماضي ولم تستطع التأثيرات الجديدة التي تلقاها الأجانب أن تغيره أو تأتي بشيء فهو فن لا تذكيه روح، وقد حاول الفنانون أن يعوضوا هذا الاسترخاء الفني بأنواع الزينة والألوان ولكنهم لم ينفذوا إلى الأعماق ولعل أفخم مآثر السعديين تتجلى في قصر البديع الذي وصفه الفشتالي بأنه يضم الكثير من أصناف الرخام الأبيض والأخضر والمرمر والزليج المشوب بالذهب الخالص وتغطية الجدران بالصفائح الذهبية والنقش على الجبص وقد شارك في بنائه فنانون من سائر الدول والأقطار.

ومن مآثرهم مسجد باب دكالة بمراكش الذي يحتفظ بالفن المريني والشكل الموحدي والصومعة السعدية الجديدة المتواضعة أو مسجد المواسين بمراكش ويتجلى اقتباس الفن السعدي عن المرينيين في الجناحين المتقابلين في صحن مسجد القرويين يشبهان جناحي قاعة الأسد بقصر الحمراء إلى حد كبير ولا شك أن بقايا الفنانين المرينيين بفاس ساعد السعديين على تخليد هذا الأثر الجليل بالقرويين حيث يحتوي كل جناح على مكان للوضوء وتحتفظ مدينة مراكش بمقبرة السعديين تلك المقبرة الملحقة بجانب القصبة على غرار مقابر المرينيين بشالة وما تزال بقببها ذات النقوش الزاهية والرخام المنقوش والمواعظ المثبتة والأشعار الحكمية المنشور في زواياها الموت وعجز الإنسان عن مغالبة الفناء.

ترك السعديون تأثيرا في الذوق والملابس والأطعمة والحفلات والمواسم والمهرجانات ذات الأصل التركي اقتبسها المنصور السعدي (الذهبي) من بلاد الآستانة التي أقام بها وأعجب بحضارتها فهو أول من لبس الرداء الشفاف (القفطان) ونسب إليه فقيل له (المنصورية) وأول من نظم الجيش بفرقة العازفة على الطراز الجديد واستعمل المظلة على رأس السلطان، وقدم الفن العسكري المعتمد على البندقيات النارية، واستغل غراسة قصب السكر وحسن معامله بتارودانت وغيرها وغير نظام بناء الأسوار التي أصبحت معززة بالبروج الصالحة لنظام المدفعية كما في برج تازة وبرج فاس وغيرها، وظلت هذه الدولة معتنية (بالحدائق) والتشجير والاهتمام بالزهور في أكدال والمنارة في مراكش وللأمينة بفاس وحمرية بمكناس وأكدال بالرباط.

على أن الأندلسيين المهاجرين من المريسكو نقلوا إلى أهم عواصم المغرب كفاس وتطوان والرباط بقايا الحضارة الأندلسية سواء في نظام اللباس والترقيم والتطريز أو التقاليد المتبعة في الحفلات والولائم والأعراس.

وهذا الفن الجديد القائم على ازدواج الطابع الأندلسي والإسباني والمسمى بالفن المويسكي يصطبغ بلون خاص يهدف إلى ضمان متانة الهيكل مع التنميق والزخرفة، فيه تسيطرات ناتئة ومقربصات وتلوينات وإيصال في التوريق والتسطير والنقش وانعدام توازن الأجزاء وعدم جودة المواد، ويرى عكس هذا أندري جوليان (تاريخ إفريقيا الشمالية ص 466) حيث ذكر أنه فن واضح المعالم متوازي النسب تتجانس نقوشه تجانسا رائعا ضمن الحيز الذي يملؤه.

وقد جلب المنصور الرخام من إيطاليا ومن مناجم (أنوكال) المغربية (كيك) واعتمد على مهارة الجباص في نحت مزيج الكلس والرخام ومهارة النجار في بري المواسير الخشبية التي تتكون منها قطع المقربصات ومهارة الزلايجي في تلوين الفسيفساء والاستيحاء من النباتات الفارسية التي تزين السقوف والزهيرات بالقرنفل والسوسن في تخليد آية الفن المغربي بقصره العظيم.

توشيـة غريبـة الحسـن
 
هل لي مـن مــــداوي الهـــــوى         يــداوي سقامــــــــــي عــــــــــــاجـــــــلا         
قلبــــي الـهـــــوى انكـــــــــوى         ودمعـــــي تــــــــراه ســــــــــائـــــــــــلا
نجمي فــي الهـــــــوى هــــوى         وحبــــــــــي تــــــــــراه مائــــــــــــــــلا
عــن لقـــــائــــي مـــا نــــــوى         إن يــــــــــكـــــــن لــــــدي واصـــــــــلا

                               بغيتــــــــي ومنيتـــــي

 عالــج يا طبيب سقمي ودائـــــي       عسى عن قريـــــب نبـــــــــلغ منائــــــــي
عالــج يا طبيب قلبي الكئيــــــــب       بوصل الحبيب دمعي أجمع من غير رقيب
في روض عجيــب منعم خصيب        يقول الأديب قولي ما أبدع يعجبني الأريب 
 

الزهر : معتبر : للنظر : (لمن حضر)
واستمرت العناية بالموسيقى الأندلسية خصوصا بعد ورود الأندلسيين على المغرب وقد كانت هناك مجموعة من التواشي تؤدى بدون كلام فمحد الشاعر العلامة حمدون ابن الحاج ملأها شعرا غنائيا لطيفا وهو:

الاقتصــاد
واجه السعديون معضلات اقتصادية أهمها نفاذ بيت المال ولذلك فرضوا ضريبة (النائبة) وهي بيضة لكل شخص ثم أبدلوها بدرهم ثم تطورت إلى ضرائب استثنائية.

وساعد اكتشاف أمريكا وتوجه البرتغال إلى البرازيل لاحتلالها على هدوء الشواطئ المغربية من الغزو الاستعماري غير أنهم عادوا إلى المغرب من جديد فصدهم المغاربة في وادي المخازن. على أن المنصور السعدي اهتم بتحسين الاقتصاد المغربي، ويذكر أندري جوليان في تاريخ إفريقيا الشمالية ص 475 أنه احتكر الصناعات ورخص لليهود والمسيحيين باستغلال أرجاء السكر، كما استغل مناجم الملح في تغارة –وتدفق الذهب على مراكش، ويحكي الرحالة لاورانس مادوك الذي كان عالما لشركة تجارية بمراكش أنه شاهد بعينيه ثلاثين بغلة مثقلة بأحمال الذهب، وجاء في مجلة تطوان (العدد 4) في بحث عن العلائق التجارية بين المغرب وإنجلترا ذكر لتأسيس شركة تجارية في مراكش واشتد الاتصال بين الإنجليز والسعديين حتى فكر المنصور في احتلال إسبانيا واقتسامها مع اليزابيث التي آثرت أن تصرف جهودها نحو الهند.. ولا شك أن اتصال السعديين بالإنجليز أتاح لهم أن يجلبوا المواد الكمالية من الطنافس والأواني التركية والهندية الشيء الكثير بل بنى المنصور قصرا متنقلا وأهم مصادر المغرب كانت هي المعادن والسكر الذي ما تزال معامله في حاجة وكما اتصل المغرب بالإنجليز عقد صفقات مع هولندا التي اقترضت منه عدة مرات وكان لها في المعمورة وآسفي مراكز تجارية مهمة.

المصدر