رياضة النفس عند أرباب القلوب والعرفان

رياضة النفس عند أرباب القلوب والعرفان

أضيف بتاريخ ٠٦/٠٨/٢٠٢٠






example%2B%25281%2529.jpg
الإنسان خليفة الله في أرضه، وأكرم مخلوقاته فيها، ولقد خلقه الله في أحسن تقويم وأنزل إليه الشرائع وأمره أن يجاهد نفسه ويزكيها. والتزكية هي تلكم المجاهدة التي تنتقل بالنفس من نفس أمارة إلى نفس لوامة إلى نفس زكية إلى نفس مطمئنة إلى نفس راضية، و ذلكم الجهد الذي يترقى بالنفس في منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) حتى يبلغ بها مقام الإحسان، ، قال تعالى:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)العنكبوت:19..
ولرياضة وآداب النفس وتهذيبها عند العارفين ثلاث مفاتيح: مخالفة النفس (أو التخلية)، و تحْمِيلُ النفس أثقال الطاعات (التزكية)، والاستعانة بالعناية الربانية عليها.
فتخلية النفس عند السالكين تتمّ من خلال:
ﺍﻟﻨﻔﺲ هي العدوّ الأول للإﻧﺴﺎﻥ عند أهل العرفان لأنها داعية للمهالك لميلها لكلّ لذيذ ونُفْرتها عن كل كريه. فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:(حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات). يقول عليّ كرّم الله وجهه :"من كرُمت عليه نفسه هانتْ عليه شهواته".ولذا وجب على العبد فطم النفس عن المألوفات وحملها على غير هواها، فإذا قطع عليها الطمع من أسباب الدنيا، وغلب بعقله هواها، رجعت بطمعها إلى أسباب الآخرة لا محالة. ولذلك يقول الشيخ أبو الحارث المحاسبي: "ثم خذْ بعنان هواها، فاكبحها بحكمة الخوف، وصدق الخلاف عليها". ويقول الإمام الجنيْد: "ﻣﺎ ﺃﺧﺬﻧﺎ ﺍﻟﺘﺼﻮﻑ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴﻞ ﻭﺍﻟﻘﺎﻝ ﻟﻜﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﻭﺗﺮﻙ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻗﻄﻊ ﺍﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﺤﺴﻨﺎﺕ".
فعُلم أن نجاة النفس ودواؤها النافع "مخالفة هواها بما يُرضي مولاها، وإنما كان دواؤها لقهرها عليه، المخالِف لطبعها الذي تلتذّ به. ولذا اعتبر الشيخ عبد القادر الجيلاني: "العبادة كل العبادة في مخالفة نفسك". وقال الشيخ ذو النون المصرى :"مفتاح العبادة الفكر وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى، وقال الشيخ سهل بن عبد الله :"ما عبد الله بشىء مثل مخالفة النفس والهوى". 
وللإشارة فقد اتهم أصحاب المذاهب والفرق القوم بأنهم يُحَرِّمون ما أحل الله من أنواع الطيبات واللّذائذ والمتع، ودليلهم قوله تعالى:(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) الأعراف: 32. .والحقّ أن رجال التصوف لم يُحَرِّموا حلالاً، ولكن مقصدهم هو تهذيب وتأديب النفس وتحريرها من ربقة الهوى، لما علموا أن للنفس أخلاقاً سيئة وتعلقات شهوانية، توصِل صاحبها إلى الرّدى، وتعيقه عن الترقي في مدراج الكمال. يقول الحكيم الترمذي: "ألا ترى إلى قوله جل وعلا:(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الأعراف: 33. .فالبغيُ في الشيء الحلال حرامٌ، والفخرُ حرام، والمباهاةُ حرام، والرياء حرام، والسَّرِف حرام، فإنما أُوتِيَتِ النفسُ هذا المنعَ من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب. فلما رأيتُ النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيَّعَتِ الشكرَ، وإنما رُزِقَتْ لتشكُرَ لا لِتكْفرَ، فلما رأيتُ سوء أدبها منعتُها، حتى إذا ذلَّت وانقمعت". ولله درّ الإمام البوصيري حيث قال في قصيدة البردة: 
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على *** حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم.
ومما سبق بسطه يتأكد أن معنى ألفاظ الشرع في اصطلاحات أئمة التصوف ليس من تحريف الكلم لمّا عدّوا مخالفة النفس رأس العبادة، واعتبروا في اصطلاحهم ذبح النفس بسيوف المخالفة من مهمّات السالك، حتى قالوا: من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أحمر وموت أسود وموت أبيض وموت أخضر، والموت الأحمر مخالفة النفس وهواها.
إنَّ من أعظم الطرق الموصلة إلى ذبح النفس واستقامتها وتزكيتها عند السالكين، طريق محاسبة النفس على كل ما تحدّث في السر والعلن وتأمر به صاحبها قبل العمل وبعده، لأنه بالمحاسبة يطلع العبد على عيوب نفسه، وينظر في حق الله عليه فيدرك مدى تقصيره، فيبعد عن المعاصي ويجتهد في الطاعات، وينال رضا الله تعالى ومحبته، ويحقق بذلكم سعادة الدارين. روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ،وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ؛فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة : 18]. و في إغاثة اللهفان قال الحسن البصري: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، وماذا أردت تعملين، وماذا أردت تأكلين، وماذا أردت تشربين، والفاجر يمضي قدماً لا يحاسب نفسه". و قال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك".
وفي محاسبة النفس لابن أبي الدنيا أن إبراهيم التيمي قال : "مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين، فقالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً ، قلت فأنت في الأمنية فاعملي". و في البحر الرائق قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه : ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا، ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائد".
وأشار الإمام الغزالي في الإحياء إلى أنه : "مهما حاسب- العبد-نفسه فلن تسلم عن مقارفة معصية وارتكاب تقصير في حق الله تعالى، فلا ينبغي أن يهملَها، فإنه أن أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي، وأنست بها نفسه، وعسر عليه فطامها، وكان ذلك بسبب هلاكها؛ بل ينبغي أن يعاقبها، فإذا أكل لقمة شبهة بشهوة نفس ينبغي أن يعاقب البطن بالجوع، وإذا نظر إلى غير محرم ينبغي أن يعاقب العين بمنع النظر، وكذلك يعاقب كل طرف من أطراف بدنه بمنعه عن شهواته".
والحاصل أن محاسبة النفس ومتابعتها دأبُ السالكين العارفين بمعدن الأسرار والحكم والمعارف، وطريقهم لاستقامة القلوب وتزكية النفوس. قال الحسن البصرى كما جاء في الحلية: "إن المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله عز وجل ،وإنما خفف الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبه". وقال الشيخ أحمد زروق في قواعد التصوف: "الغفلة عن محاسبة النفس توجب غلظها فيما هي به، والتقصير في مناقشتها يدعو لوجود الرضا عنها، والتضييق عليها يوجب نفرتها، والرفق بها معين على بطالتها. فلزم دوام المحاسبة مع المناقشة، والأخذ في العمل بما قارب وصح،دون مسامحة في واضح، ولا مطالبة بخفي من حيث العمل، واعتبر في النظر تركاً وفعلاً".
إنَّ من سيوف مخالفة النفوس عند الصوفية عدم الرضا عن النفس، يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري كما جاء في الرسالة:" أصل كل معصية وغفلة وسهو الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا عنها".
والرضا عن النفس والإعجاب بها هو من صور الشهوات الخفية التي تحرص عليها النفس بهدف علو منزلتها عند الناس، يوجب مقت الله تعالى وسخطه. قال الإمام القرافي في الفروق :"وسر تحريم العُجب أنه سوء أدب مع الله تعالى فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده، بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده، لا سيما عظمة الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ،أي: ما عظموه حق تعظيمه، فمن أعجب بنفسه وعبادته فقد هلك مع ربه، وهو مطلع عليه، وعرض نفسه لمقت الله تعالى وسخطه".
ولا شك أن العُجب هو أساس الرذائل والمانع من اكتساب الفضائل، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد:(من تعظَّم في نفسه، واختال في مشيته، لقى الله وهو عليه غضبان).كما يؤدي بالعبد إلى الخذلان وقلة التوفيق قال تعالى:( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)، التوبة:25..
وجملة القول إن الرضا عن النفس أصل كلّ داء عند السالكين، والعُجب من أعظم المهلكات. فالواجب على كل سالك أن يحذر الكبر وأن يتواضع لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه:(من تواضع لله درجة رفعه الله درجة).لذا فاللبيب كلّ اللبيب من يقف على مواضع تقصير نفسه لا من يستحلي الغرور والإعجاب بها.
يعتقد علماء السلوك المتصوفة أن إصلاح أحوال النفس يكمن في المجاهدة المستمرة والدوام عليها ،وذلك بكسر أخلاقها المذمومة والاستقامة على طاعة الله، ففي الطبقات الكبرى للشعراني يقول عبد القادر الجيلاني :"كلما جاهدت نفسك وغلبتها وقتلتها بسيف المجاهدة، أحياها الله ونازعتك وطلبت منك الشهوات واللذات الجناح منها والمباح ، لتعود إلى المجاهدة والمسابقة ، ليكتب لك ثواباً دائماً". وقال الإمام أحمد بن عجيبة في إيقاظ الهمم: "لا بد للمريد في أول دخوله الطريق من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق، وهي مُظهِر ومجلاة للنهايات، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فمن رأيناه جادَّاً في طلب الحق باذلاً نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية؛ علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه، وإذا رأيناه مقصِّراً علمنا قصوره عما هنالك".
ولهذا كان مثلاً الجوع من صفات القوم، وهو أحد أركان المجاهدة، .ففي سير الأعلام قال أبو سليمان الداراني: "مفتاح الدنيا الشبع لأن الشبع يحرك شهوات الإنسان ويستثيرها ومفتاح الآخرة الجوع".
وبما أن طريق المجاهدة وعر المسالك متشعب الجوانب، يصعب على السالك أن يلِجه منفرداً، فيكون من المفيد عملياً صحبة مرشد خبير بعيوب النفس، عالم بطرق معالجتها ومجاهدتها يستمد المزيد من صحبته خبرة عملية بأساليب تزكية نفسه، كما يكتسب من روحانيته نفحات قدسية تدفع المريد إلى تكميل نفسه وشخصيته، وترفعه فوق مستوى النقائص والمنكرات. جاء في الرسالة القشيرية أن الشيخ إبراهيم بن أدهم فال :"لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يجتاز ست عقبات: أولها أن يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة، والثاني أن يغلق باب العز ويفتح باب الذل، والثالث أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد، والرابع أن يغلق باب النوم ويفتح باب السهر،والخامس أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر، والسادس أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت".
أما تزكية النفس عند السالكين فتتمّ بتحْمِيلُ النفس أثقال الطاعات بالجهاد في إلزامها طاعة الله، وثباتها عليها، ومجاهدتها عن معاصي الله، وردعها عنها، وجهادها على الصبر عند المصائب، وهذه هي الطاعات: امتثال المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور. ففي جامع العلوم والحكم عن إبراهيم بن أدهم قال: "أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجوا إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا فإذا كنت كذلك لم تنل في بَرّ كنت أو في بحر أو في سهل أو في جبل وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد وشوق الجائع إلى الطعام الطيب ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب عند العطشان في اليوم الصائف ".
ولذا كان دأب القوم الاجتهاد في تحميل النفس الطاعات وترك المعاصي بالرغم من أن فعل الطاعات وترك المعاصي ثقيل على النفس، يقول الإمام الفضيل بن عياض كما جاء في الحلية:"إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فأعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك". وورَد أيضاً عن المتعبد محمد بن نصر المكنى بابي عبد الله انه كان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث مرات وفي بعض الليالي خمس مرات".
ومما سبق بسطه يتأكد أن المتصوفة أهل الصبر على الطاعات والقربات، وجعلوها "محلاً للتنافس والمسابقة ،بمكابدة السالك الصيام في النهار، والقيام في الليل وكثرة الذكر. قال وهيب بن الورد: "إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل"، وعن ابن جريج قال: "لزمت عطاء- بن رباح - ثماني عشرة سنة، وكان بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من البقرة، وهو قائم لا يزول منه شيئ ولا يتحرك".
وختام القول، لقد كان اجتهاد السالكين في الطاعات، والعبادات، والأعمال الصالحة، حتى صارت حركاتهم وسكناتهم كلها لله، وبالله، وفي الله. يقول كعب بن مالك: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وسمع وأطاع فقد توسط الإيمان، ومن أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله ومنع، فقد استكمل الإيمان". ويجد العبد في ذلك لذة ومتعة روحية ما لها مثيل، وبكون ذلك سبباً في الكشف الرباني، قال الشيخ زرّوق في تائيته:
وعلّقتُ قلْبي بالمعالي تهمّما **** وكُوشفت بالتّحقيق من غير مَريّة.
ولا جرم أن التخلية والتحلية عند الصوفية منّة ربانية يجتبي الله تعالى بفضله من يشاء من عباده، فيطهره من الرذائل وينمّيه بالفضائل. قال تعالى:(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور:21] وقال عز وجل:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)[النساء: 49].
لذا اعتبر القوم الاستعانة بالله تعالى على النفس والاعتماد عليه مع الثقة به من أهم الركائز في ذبح النفس، فهو تعالى الذي خلقها وأدرى بها وبأحوالها، ولأن العبد في حقيقة الأمر لا يستطيع أن يخرج من نفسه بنفسه.إذْ الاستعانة بالله تعالى عمل قلبي عظيم، بل عليه مدار شطر الدين والإسلام .قال الله تعالى في دعاء المؤمنين:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فالدين عبادة واستعانة.
وغنيٌ عن القول إنّ الاستعانة بالعناية الربانية تمثل عند القوم العمدة أثناء المزاولة والممارسة، ومنهجهم الأصيل في تزكية نفس السالك، حيث يحثّونه على ألا يتعلق بمخلوق وأن يتعلق بخالقه في كل شيء. يقول سهل كما جاء في الحلية: "ليس لأهل المعرفة همَّة غير هذه الثلاثة إذا صلحوا: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والصبر على ذلك إلى الممات".
وحُمادى القول إنّ آداب النفس عند القوم تكون بالتخلية من الرذائل والتحلية بالفضائل، لذا اهتموا بدراسة النفس والتنبيه على عيوبها وحملها على الاستقامة وفطمها عن المألوفات، ولله درّ الإمام البوصيري حين قال في بردته:
وخالِفِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِـمَا*** واِنْ همـا مَحَّضَـاكَ النُّصحَ فاتَّهِـمِ.
وحاصل القول إن تزكية النفس الإنسانية من أعظم مقاصد الدين، يقول تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس:9]. فإذا رسخ العلم النافع، أصدرت النفس عن مقتضاه سلوكها الإيجابي، وأضحى العمل الصالح سجية لها وملكة فيها ويصفو سلوك الإنسان وعمله، ويجتمع في الإنسان جمال الخَلق الموهوب مع جمال الخُلق المكتسب، وتتجاوب الفطرة والشّرع، وتزكية النفس مع طهارة الروح، ليصبح ذا نفس مطمئنة وقلب سليم وروح طاهرة وخلق قويم، فيغلب خيرُه شرَّه، ويسود السلام ويعم الأمان النفس البشرية كلها .




المصدر : https://www.nafahat-tarik.com/2020/06/Riadat-Al-Na...