الصوفي والفيلسوف في الفكر والحياة

الصوفي والفيلسوف في الفكر والحياة

أضيف بتاريخ ٠٦/٠٤/٢٠٢٠

 
يقف هذا المقال بين مساحتين: (الفكر والحياة)؛ لأننا كما يُلاحظ نعيش بين تاريخين تاريخ فكر ونظر، وتاريخ حياة وعمل. المسافة بينهما شاسعة، فلا يتجسد تاريخ الأفكار في حياتنا إلا من خلال صور غير مجمع عليها، ونعطي مثالاً على ذلك: لقد سجّل تاريخ الفكر العلمي تقدّما في الأفكار النظرية والعملية فيما يتعلق بالعلوم العلمية والطبيعية، وكتب غير واحد من المفكرين المعاصرين عن مساهمة المسلمين في تقدّم أوروبا وأثرهم على نهضتها وتجدد حياتها، والحال أن المسلمين اليوم يفصلهم عن هذا التقدّم الكثير، فأغلب الإنتاج العلمي وتجلياته دورنا فيه دور المستهلك والناقد لا المساهم والفاعل إلا بشكل فردي فحسب، وفي بلاد غير بلاد الإسلام.  
نقرأ في تاريخ النظر العقلي عن حوار مستمر بين الفرق الكلامية والأديان وأهلها، ويكتب المسيحي في ظل الخلافة الإسلامية ناقدًا الفكر الإسلامي مسائلاً إياه بنبرة فيها الكثير من الجرأة، مثلما فعل القديس يوحنا الدمشقي في ظل العصر الأموي، فيعتبر أن الإسلام بدعة نسطورية ويصنفه ضمن الهرطقات التي كتب عنها، ويسجل بعد ذلك محاورة جدلية بعنوان: "النزاع بين النصارى والسراكنة" أو "المناظرة بين ساركاني ومسيحي" معلّمًا أبناء الديانة المسيحية طريقة الجدل مع المسلمين، يرى البعض أن هذا لون من ألوان التسامح والحوار النادر في تاريخنا الإسلامي، لكننا على النقيض اليوم نشاهد ما يحدث لأي شخص أراد أن يساءل الفكر الإسلامي من داخله أو من خارجه إن لم يصدر حكمٌ بتكفيره أو سجنه ونعد تساؤله ازدراءً للدين! ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يدعو غير المسلم أحدًا إلى ديانته في وقت يتاح للمسلم أن يبشّر بدينه ويمارس طقوسه في ظل دولة مسيحية ملتزمة! إن مجرد الحديث عن هذه الصورة يعد اقترافًا لخطئية أو نزولاً لدرك الشبهات!  
صورتان مختلفتان يحياهما المسلم المعاصر، صورة التاريخ المشرق، وصورة الواقع المغاير، تعلّق على هاتين الصورتين الدكتورة سعاد الحكيم قائلة: "نلتفت إلى العالم الغربي كما يتبدى لنا في مساره الفكري والحياتي، فنجد علاقة جدلية بين رؤاه الفكرية وبين مجريات حياته، يتولد الفكر من الحياة ويولد بدوره حياة جديدة.. ونلتفت إلى عالمنا كما يتبدى لنا في مساره وراهنيته فنجد كأننا أمام تاريخين لا تاريخ واحد مندمج؛ تاريخ فكري وتاريخ حياتي، ومحاولات متكررة لدمج التاريخين".  
 هاتان الصورتان تجعلنا نتساءل هل التصوف والفلسفة ينتميان إلى مرتبتين منطقيتين مختلفتين؟ هل صحيح أن الغزالي الصوفي أطلق رصاصة الرحمة على الفلسفة كما يقول الأب فريد جبر؟ هل يصحّ أن يكون كتاب تهافت الفلاسفة قرار إدانة للفلسفة وليس نقدًا محايدًا؟ هل التصوف والفلسفة في خصومة دائمة؟ هل عرف الفكر الإسلامي هذه الخصومة القطعية فلا يوجد صوفي جمع بين علومه التي أتقنها ودرسها علم الفلسفة وهي من أمهات العلوم؟ هل الإنسان حواسٌ وإدراك حسيّ وعقل مجرد فحسب؟ أليس للقلبِ -كما يقول العارفون وأصحاب القلوب- أو لقوة أخرى في الإنسان دورٌ في مساعدته على تجاوز وتيرة حياته العادية إلى أحوالٍ لا يجد لها تفسيرًا أحيانًا بالمنطق المعهود؟ أليس يقومُ فينا مدٌّ روحاني لا تقيّده الحواس ولا المادة ولا يصدمه مكان ولا يحدّه زمان؟ ألسنا نشعر بذلك في أعماقنا فتحضرنا أحوال غريبة أو نستحضرها أحيانًا؟  
هذه الأسئلة وغيرها تحفّزنا على التعرّف على اللقاء الصوفي الفلسفي، على عكس ما هو شائع من الخصومة المعلنة بين التصوف بمنطقه الذوقي والفلسفة بمنطقها العقلي.  
العلوم بين الحجب والإقصاء  
لماذا نعادي علمًا من العلوم أو نهجر كتابًا من الكتب أو نتعصب لمذهبٍ من المذاهب؟ إن قرونًا طوالاً تفصل بيننا وبين جماعة فلسفية وُجدت في ظل الحضارة الإسلامية، وساهمت في العلوم الإسلامية بمجموعة من الرسائل والكتابات، رفضت أن يكون سلوكها معادة علمٍ من العلوم، كما رفضت أن تحدّها وتسجنها مذهبية بعينها، وإن صُنفت كتاباتها فيما بعد ضمن أدبيات المذهب الإسماعيلي، أشير هنا إلى جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا كما اشتهروا في الكتابات العربية  
إن الإيمان بالفصل بين العلوم التي نشأت في رحاب الحضارة الإسلامية قصورٌ يصيب المتدين المتعصب لمذهبه وتياره، فلم تعد الأجيال المعاصرة تنظر إليه بعين الرضا أو تقبله كما فعل السابقون، فأصبح المسلم اليوم يمج هذه العصبية ويعلن رفضه لها، وتتمثّل صور هذا الرفض على النحو التالي:  
1-  إقباله على مطالعة الأدبيات المخالفة لمذهبيته الموروثة.  
2-  مخالطة المخالفين مذهبيًا والتعرّف على ما لديهم من أفكار وآراء حُجبت عنه في السابق بحكم التربية والتعليم.  
3-  الانفتاح على الدراسات الغربية الحديثة التي ينصب عملها على قراءة وتحليل (تراث الإسلام)، وتتناول جميع الفرق والمذاهب دون استبعاد لأيٍّ منها مهما بدا شاذًا أو غير مقبولٍ لدى جماهير المسلمين والمؤسسات الدينية الرسمية.  
4-  النقل والتعريب لكثير من المؤلفات والبحوث والمقالات التي تتناول الأفكار الإسلامية، ولا تخطئ العين اهتمامَ القرّاء العرب بما يُترجم من دراسات أو روايات أو أدبيات تُعنى بالإسلام أو بالبقاع الإسلامية وتاريخ أهلها.  
5-  تُوفّر وسائل الاتصال والإعلام اليوم موادًا علمية من شأنها محو الحُجب الكثيفة والحدود الوهمية التي ظلت تفصل بين أبناء الجسد الواحد سنين عددا.  
مكّنت الصور السابقة المسلم المعاصر أن يتجاوز المذهبية، وجعلت البعض ينجذب إلى الحياة الروحية في الإسلام، غيرَ متقيّد بالطُّرقية، بل راح يبحث عن المعنى الصوفي في حياة النبي قارئًا لسيرته من منطلق إنساني، متجاوزًا الكثير من مشكلات التاريخ الزائفة، كالخلاف بين الصحابة والصحابة، وحروب التاريخ، واعيًا بأن دوره اليوم المساهمة في بناء الإنسان، ويعيقه بالفعل عن المساهمة بدور في هذا البناء الانشغالُ بمشكلات غير مشكلات عصره، لذا رأى أن عليه الاستفادة من الميراث السابق بقدر خدمته لبنائه الجديد.  
من هنا فإن كثيرين ممن انجذبوا إلى الإسلام والتحقوا به لم يتقيّدوا بلون معين من المذهبيات الضيقة، فأبوابهم للولوج إلى عوالم الإسلام كانت تستلهم معارفها من الفلسفة والآداب والفنون،  ولم تفرّق بين تعاليم التوراة أو الإنجيل أو القرآن، كما لم ينشغلوا بالفروق بين الأديان، ويمكن أن نضرب أمثلة على ذلك بفريد الدين العطّار وسنائي وروزبهان البقلي وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم كثير من العارفين والسُّلاك التي تترجم أعمالهم وتنشر على نطاق واسع خارج بلاد الإسلام.  
ويحضرني هنا مثالان يمكن أن يتابع القارئ أعمالهما بعد انتسابهما إلى الإسلام، المثال الأول: إيفا دوفيتري ميروفيتش التي تعرّفت على الإسلام من خلال كتابات محمد إقبال، وسرعان ما انفتح لها باب آخر عبر أعمال إقبال، وبصورة خاصة كتابيه (جاويد نامه = رسالة الخلود) وكتابه (رسالة المشرق)، فاكتشفت الإسلام الروحاني المتجسد في أعمال جلال الدين الرومي، ولأن تكوينها العلمي بالأساس فلسفي فجمعت بين الفلسفة والتصوف وظهر ذلك في رسالتها العلمية التي كانت مشروع عمر طويل، أنتج الكثير من الثمار التي أفادت العالم الغربي.  
المثال الثاني: إيريك جوفروا الذي التحق بالإسلام في سنّ مبكّرة وأصبح اليوم من أشهر الكتّاب الفرنسيين المتخصصين في علم التصوف الإسلامي، جمع في كتاباته بين مجالي المعرفة (الفلسفة والتصوف) و(الفكر والحياة) داعيًا إلى تصوّف جديد يتجاوز الحدود الضيقة، مستفيدًا من كافة المدارس الفكرية المعاصرة، دون إقصاء لأحدها وقبول للون بعينه!  
الفلسفة والتصوف لقاء أم افتراق؟!  
في محاضرة بمكتبة الإسكندرية بدا غريبًا بالنسبة للحضور أن يقول المحاضر: إن المستشرق جولد تسيهر يتحدث عن الإسلام بشكل إيجابي، فقد ورثنا عن الأساتذة أن هذا المستشرق يهودي حاقدٌ على الإسلام! قرأتُ وقتها نصًّا من مذكرات جولد تسيهر التي تُرجمت عن الألمانية على يد الأستاذ عوني عبد الرؤوف كان ملخص النصّ أن الإسلام خير معبّر عن فكرة التوحيد، وعلى مدار صفحات الكتاب التي تزيد عن الخمسمائة صفحة لم يتحدث تسيهر عن الإسلام في مذكراته إلا بشكل إيجابي، وكذلك لم يتحدث عن المشروع الصهيوني إلا بشكل سلبي، ورغم كونه يهوديًّا إلا أنه فصل بين ديانته والفكرة الاستعمارية الحديثة.  
كانت فكرتي التي أودُّ إيصالها إلى الجمهور أن الوراثة والتقليد أمرٌ مذموم وأن الأحكام التي يحملها عن الغير ليست في أغلبها صحيحة، ولعلنا نضيف إلى ذلك أننا نتعرّف على الآخر من خلال ما يُلقى إلينا من معلومات موجّهة لا من خلال بحثنا الخاص، وهذا أمرٌ يجعل معارفنا منقوصة، وقد ذمّ القرآن في غير موضع التقليدَ، كما ذمّه غير واحد من الصوفية الكباريخاطب مولانا جلال الدين الرومي مريديه قائلا: "إلى متى تظل الكمامة على عينيك، ولو رفعت هذه الكمامة لافتتن المصنوع بالصانع هياماً و وجداً، وليست كلّ عين جديرة بأن ترفع عنها هذه الكمامة، ولا تكن كالسفهاء الأجلاف ولا تنظر بعيونهم، وكنْ مستقلاً فى نظرتك وفى سمعك، كن صاحب رأى ودعك من آراء الآخرين، وكن صاحب عقل ودعك من التقليد".Top of Form  
 وكذلك فعل الفلاسفة، ومما يقوله العامري الفيلسوف عن ذلك في كتابه "النسك العقلي والتصوف الملّي": كما أن المتديّن يفتتح تديّنه بدرجة التقليد، ثم يترقّى رويدًا رويدًا إلى معلوة التحقيق ومهما اقتصر من تديّنه على هذه الرتبة كان مذمومًا، وإن لم يجد منه في البداءة محيصًا، كذا الحال في اللذة والكرامة والثروة والرئاسة.  
إن لوجهة النظر المكوّنة عبر التجربة والبحث لذّة لا تضاهيها لذة، ومن عرف ألم الاستنارة وثمارها لن يركن أبدًا إلى سكون التقليد ومتابعة الجماهير الغفيرة في اعتقادها وموروثاتها مهما بدت مريحة له في أوقات كثيرة.  
إن من موروثاتنا الخاطئة أن الفيلسوف والصوفي في خصومة دائمة، ولا يمكن لهما أن يتحدا أو يجتمعا في جسد واحدٍ، بُنيت هذا الفكرة اعتمادًا على أن التصوف يعني في أغلب الأحيان الدروشة وخصومة العقل المعلنة والاستكانة والتواكل، لذا فانتشار التصوف اليوم يعدّ انتكاسة إسلامية، فأغلب النماذج التي يتحدث عنها الغرب لا تلقى قبولاً عند التيارات الدينية الأكثر انتشارًا في المنطقة العربية، إضافة إلى كون بعض صوفية الطرق تدعم السلطات المحلية والعالمية، فمن الصعب أن نتحدث عن تصوف فاعل وخادم للأمة الإسلامية، من خلال هذه المقدمات تنطلق أغلب التقارير والكتابات المناهضة للتصوف.  
أضف إلى ذلك أن المشتغلين بتدريس الفلسفة في بلادنا العربية يلتقون مع التيارات الدينية في هذه الأحكام وإن اختلفت النوازع والأسباب إلاّ أن النتيجة واحدة، فلا تزال بعض البحوث تناقش فكرة "تحريم الفلسفة" وتجريم المشتغلين بها. ولا تزال تيارات تتخاصم في المغرب والمشرق حول أهمية فكر أبي حامد الغزالي وخصمه ابن رشد، على الرغم من تقدّم الدراسات العربية في هذا الموضوع فضلاً عن الدراسات الأكاديمية في الغرب حوله. لعلنا في فرصة أخرى نقدّم نماذج للقاء الصوفي الفلسفي في تراثنا الإسلامي!  
نُشر المقال بتاريخ   23 فبراير – 2020  رصيف 22 – لبنان  


المصدر : https://jaled-alhallaj.blogspot.com/2020/04/blog-p...