مدرسة "تنكرت" العتيقة بإفران الأطلس الصغير .. إشعاع وطني ودولي

أضيف بتاريخ ٠٤/٢٣/٢٠٢١
و م ع - عبد الله البشواري


إفران الأطلس الصغير (إقليم كلميم) - اختلف في تاريخ تأسيسها، لكن صيت المدرسة العتيقة "تنكرت" بإفران الأطلس الصغير كصرح ديني وتربوي، واقتران اسمها بفقهاء وعلماء أجلاء، ليس العلامة مولود السريري الذي يسير ويدبر شؤونها حاليا، إلا عنوانا واحدا من عناوينها الكبرى، يغري بالكتابة عن هذه المدرسة وإشعاعها الديني والتربوي وطنيا ودوليا.

ب"وادي العلماء"، كما يطلق القاصي والداني على وادي إفران الأطلس..حيث تطل المدرسة شامخة، يفوح عبق التاريخ ، وتستحضر سير علماء كبار، من قبيل العلامة المختار السوسي والطاهر الإفراني، وطأت أقدامهم هذه التربة الطيبة باصمين، بعد النهل من شيوخها، المجال الديني والأدبي والعلمي بالمغرب ببصمتهم، وما زالت آثارها شاهدة على صيت "تينكرت" العريقة تاريخا وإشعاعا.

تكمل المدرسة، بعد قرون من تأسيسها، رسالتها برئاسة العلامة الفقيه مولود السريري، وهي التي يقصدها الآن طلبة العلوم الشرعية وأدواتها والعلوم الأخرى كالأدب وحفظ القرآن الكريم من المغرب وخارجه. 

التأسيس... 

ليس هناك أفضل من يحكي عن تاريخ المدرسة أكثر من العلامة مولود السريري، الذي فتح كتاب المدرسة أمام وكالة المغرب العربي للأنباء ، مستفيضا دقيقا، مؤكدا أن الثابت هو أنها "قديمة " وموجودة منذ القرن التاسع الهجري.

ووفاء للرواية الشفوية، يقول العلامة، "اختلف في زمن تأسيس المدرسة العتيقة تنكرت، البعض يقول في القرن الخامس الهجري" مرتكزين على رجل يسمى "أبو الغريب" دفين مقبرة قريبة من المدرسة، "لكن المحقق الثابت أن المدرسة موجودة في القرن التاسع الهجري" ودل عى ذلك ، يقطع الشك باليقين، " الشيخ المدفون قربها وهو الشيخ سيدي محمد أباراغ الإفراني الذي كان متواجدا بالمدرسة عام 920 للهجرة، وبها كتب "رجز المبنيات" المعروف، وختمه بهذا التاريخ بذات المدرسة...هذا لا نقاش فيه" يحسم العلامة .

وتابع أن " المدرسة، كمثيلاتها بالمغرب، مقامة على نشر المذهب المالكي، والأمور الأخرى التي بني عليها الدين الاسلامي في هذه الربوع".

 

فترة الازدهار الأدبي وقصة 38 ألف بيت من الشعر ...

أكد العلامة مولود السريري أن مدرسة "تينكرت" ازدهرت في أمرين في بدايات التأسيس، الأول يتعلق بتحفيظ القرآن الكريم، والثاني بالعلوم الشرعية وأدواتها من نحو وأدب وبلاغة، مشددا على أن " حال التدريس في هذا الظرف غير حاصل المعرفة" الى أن ظهرت الأسرة التمنارتية التي استقرت في إفران الأطلس بدء من الشيخ محمد ابن ابراهيم وصولا الى شاعر الجنوب المعرف الطاهر بن محمد الإفراني.

هنا ابتدأت مرحلة الإزدهار الأدبي، حيث كان يقصدها الأدباء والشعراء لدراسة الأدب على وجه الخصوص ، منهم محمد المختار السوسي، الذي درس فيها زمانا.

ويستشهد السريري بشذرات من كتابات المختار السوسي، الذي خط ذات يوم أنه وجد الطلبة بهذه المدرسة " يسمرون على الأدب، وعلى مؤلفات ضخمة كالعقد الفريد (...)"، بل وذهب الى القول إن صاحب " المعسول" و"سوس العالمة" قارنها ب" السوربون وجامعة أوكسفورد وإن كانت وطيئة" (يقصد بالوطيئة بنائها غير الشاهق وغير المرتفع آنذاك) .

خلال هذه الفترة الزمنية تفرعت من مدرسة "تنكرت" مدارس أخرى منها على سبيل المثال لا الحصر "إليغ".

بعد تأكيده تخرج جماعات من الأدباء خلال تلك الفترة كداوود الرسموكي، ومحمد الطاهر الإفراني وعبد الرحمان البويزكارني، قال العلامة إن إنتاج الشعراء الذين تخرجوا من "تنكرت" في ذلك الوقت يقدر ب 38 ألف بيت من لشعر ، وهو عدد "تجاوز بمرات الشعر الجاهلي".

ووصف الإنتاج الشعري لهؤلاء بأنه "شعر رقيق سلس على صورة الشعر الاندلسي".

مرحلة تولي مولود السريري إدارة المدرسة

يواصل الفقيه الحالي للمدرسة ومديرها، العلامة مولود السريري، الجهود العلمية داخل أقسام هذه المؤسسة العتيقة، حيث يعتبر من أبرز المراجع في علم الأصول وألف عدة كتب علمية في هذا المجال، من بينها "منهج الأصوليين في بحث الدلالة اللفظية الوضعية" و"تجديد علم أصول الفقه" و"القانون في تفسير النصوص" و"منهج الأصوليين"، وكذا معجم سماه ب"معجم الأصوليين".

سلك العلامة مولود السريري مسلكا آخر في التدريس ، مركزا على العلوم الشرعية، مؤكدا للوكالة أنه قرر "أن تعطى لهذه العلوم الأولية وان يكون علم أصول الفقه في صدر العناية على وجه الخصوص"، مع الإبقاء على تدريس المواد الاخرى وتحفيظ القرآن الكريم على الطريقة التي تدرس بها في بالزوايا العلمية بالمغرب.

والعمدة في أول بدايات دراسة الطالب هي علوم الآلة من نحو وصرف قبل الدخول في علم الفقه، ثم 

العناية بما يتبع ذلك أي التفسير ثم علم الحديث وما يتبعه.

لكل هذه الأمور والحقائق التاريخية والسمعة الدينية والتربوية تحتضن المدرسة حاليا عشرات الطلبة من مختلف مناطق المغرب، ومن بلدان افريقية وعربية، وبعض البلدان الأوروبية.

وفي هذا السياق، وبعد أكد إن المدرسة " من المدارس المهمة في منطقة سوس، عموما، وجهة كلميم واد نون خاصة" أكد المندوب الإقليمي للشؤون الاسلامية محمد المرزوقي أن المدرسة "صرح يقصده طلبة العلم والمعرفة وحفظ كتاب الله من مختلف أنحاء المملكة ومن سائر الاقطار إسلامية وغير إسلامية".

وقال في تصريح للوكالة إن المدرسة يشرف عليها طاقم إداري وتربوي مهم، معتبرا أنها لبة من اللبنات الأساسية التي تنبني عليها أسس العلم والمعرفة وخاصة في المجال الديني والعلوم الشرعية.

وتجمع المدرسة التعليمين العتيق والنظامي، وذلك تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من خلال ثلاثة أسلاك دراسية تؤهل الطالب لنيل شهادة الباكالوريا، والالتحاق بالأسلاك الجامعية.

تجدر الإشارة الى أن المدرسة عرفت قبل سنوات إحداث بناية عصرية جديدة بجوار البناية القديمة.

وتتكون هذه البناية الجديدة من مرافق عديدة، ضمنها قاعات للدروس وجناح لإقامة للطلبة، تستجيب للمعايير والشروط العصرية التي من شأنها توفير ظروف ملائمة لتمكين الطلبة من التحصيل العلمي وحفظ القرآن.