زاوية سيدي بوطيب

أضيف بتاريخ ١٢/١٨/٢٠٢٠
albahboha.com - عبد الله ابن الفقير المصباحي الحمري


أشرقت أنوار العلم من زاوية سيدي بوطيب، وفاح عبق الذكر الحكيم من أرجائها، بين جدرانها، وتحت أسقفها، وانشقت مجاري الخير منها، " فسالت أودية بقدرها"، فشرب منها القوم وسقوا، واستنارت القبيلة بها طيلة قرون، وتنشقوا عبير المعرفة من أعلامها وقرائها، وسارت إليها الركبان، وشدت إليها الرحال، وأقبل عليه الطلبة زرافات ووحدانا، فكلهم أصاب من خيرها، وكل في شغل فاكهون، فاقتطفوا من أزهار الفوائد، وتعطروا بريا الفرائد، وتذوقوا لذاذة المسائل، وترنموا بنغمات الأحرف السبع فخشعوا، " الله نزل أحسن الكتاب مثاني تقشر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر"، فقطعوا دياجي ليلهم بسيوف الصلاة، وسهام الدعاء والتسبيح والقرآن، فاقشرت له أبدانهم ثم فاضت دموعهم:
ففاضت دموع العين مني صبابة
على النحر حتى بلّ دمعي محملي
هذا هو لسان حال زاوية سيدي بوطيب في زمن قد خلا وولى، وقد شهدت بذلك شواهد العلم والقلم، ودلت عليه مآثر العلماء وتراث القراء، وإن ضاعت تآليفهم فتراجمهم تنبئ عن عظم شأنهم وطول باعهم في القراءات والفقه، وقد كانوا غرة في جبين القبيلة يومئذ، وقلادة نفسية في جيد المنطقة، وبلسما شافيا من داء الجهل، ومعينا صافيا من عين العلم، هكذا كانت الزاوية ، وهكذا كان أهلها:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
5- الشيخ المقرئ سيدي عبد السلام بن بوطيب
ولد الشيخ سيدي أبو محمد عبد السلام بن بوطيب بن بومهدي بن موسى بن عباد الحمري ، بزاوية سيدي بوطيب، وترعرع وشب فيها، يغدو ويروح بين حلقاتها، فنشأ بين اللوح والقلم، وصاحَبَ الصلصال والكراك منذ صغره حتى ألفه وصار حِبّه وملازمه، وقد يستغرب بعضهم هذا، ولكنه يعذر كما قال الخليل:
لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتني
أو كنتَ تعلم ما تقول عذرتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني
وعلمتُ أنك جاهل فعذرتكا
وسَلْ أهل القرآن من جيل السبيعنيات والثمانينيات يخبّروك عن أحوالهم مع القرآن، وكيف يعطونه كل وقتهم، لا يخلطونه بشيء، فتراهم أمام ألواحهم قبل الفجر فإذا أشرقت الشمس وأحس بألم في وركيه اعتنق لوحه وقطع المسجد أو حوشه جيئة وذهابا، فإذا وجد نشاطا جلس مرة أخرى فمال على اللوح الخشبي يقرؤه والكراك في يده يحك به اللوح حكا، ولا يقنع من قراءته إلا بعد أن يصير محفوظا منقوشا في ذاكرته كاسمه، ثم يسير إلى الأنصاص التي كتب له الشيخ تحت الورد القرآني فيميل على بالتكرار مع رفع الصوت والإشارة باليد والحك بالكراك حتى تصبح كأنها أمام عينه ينظر إليها، وهذا دأب الطلبة يومئذ ، وحفظ الأنصاص لازم لحافظ القرآن مع معرفة الخواتات والغريبات والحذف والثبت وغيرها من مسائل الضبط والرسم.
تلقى الشيخ تعليمه الأولي بالزاوية، فأخذ عن والده سيدي بوطيب و هو شيخ القراءات السبع والمسند بها
وما يكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإنَّمَا
تَوَارَثَهُ آباءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
وهَلْ يُنْبِتُ الْخَطَيَّ إلاَّ وَشِيجُهُ
وتُغْرِسُ إلاَ في مَنَابِتِهَا النَخْلُ
ثم درس على الشيخ العلامة سيدي سالم بن العربي الجنيدي الحمري وهو من هو في العلم مع الإتقان والضبط، ومن طريقه يتصل إسناد الشيخ عبد الحي الكتاني بالشيخ التهامي الاوبيري ثم بابن عبد السلام الفاسي، و كان ناسكا متعبدا من أهل الصلاح، قال فيه الكانوني في جواهر الكمال: " هو الرجل البركة، المنور الفالح ذو الفراسة الصادقة، والأحوال الطيبة، والدين المتين، والفضل المستبين،" ومازال يترقى في مدارج السالكين حتى تحقق، وزالت غشاوة المحسوسات عن عين بصيرته، فأبصر بنور الحق، وفي هذا الشأن قال الكانوني:" وكان يشير بالأمور المستقبلية، فتقع طبق اشارته غالبا".
لم تذكر كتب التراجم له رحلة إلى مراكش أو فاس أو غيرها من حواضر العلم، ولا حتى مدارس احمر الأخرى أو مدارس الشياظمة، فيكون تعلمه اقصر على ما وجده يدرس في زاوية والده، والزاوية كانت تركز على القراءات والفقه المالكي، ولم يذكر لها اعتناء بالحديث واللغة العربية وأصول الفقه وغيرها من علوم الآلة.

 

ولندرة المصادر المترجمة لهؤلاء الأعلام، وقصر ما خطه الكانوني العبدي في جواهره في تراجمهم لم نظفر بأسماء طلبته، وإن كان ذكر فيهم أولاده ولكنه لم يذكر أسماءهم، فالفقيه الكانوني جزاه الله خيرا قد بلغ الوسع واستفرغ الجهد في جمع تلك التراجم، فتارة يوسع وتارة يضيق تبعا لما أتاحه له البحث، ولكن لمن يهمه الأمر أن يجد كل الجد في إتمام ما بقي ناقصا أو تفصيل مجمله أو بيان مبهمه أو شرح غامضه أو تخريج مشكله....، ويا عجبا من قوم خفي أمرهم على عظم قدرهم، فما كانت لهم شارات الجنود، ولا أوسمة القواد، ولكن حلاهم الله بكلامه، ونورهم بكتابه، وقلدهم منازل الذاكرين، ورحم الله الإمام اليوسي إذ يقول :
ولا تقتحم عيناك ذا سمل ولا
تر المرء مزهوا فتعظمه قدرا
فإن الفتى بالنفس لا اللبس مجده
فما شان درا كون أصدافه كدرا
وماذا على العضب الذي رث جفنه
إذا كان في الهيجاء ينعم البترا
وبعد أن قضى سنوات عمره بين الطلب والتدريس، جاءه بشير الصالحين بخبر الأفول، فأجاب ربه والتحق بالرفيق الأعلى نحسبه كذلك والله حسيبه، ومن أولى بالولاية من حفاظ كتاب الله الذين عاشوا عمرهم كلهم بين حفظه وتحفيظه، فقضى نحبه رضي الله عنه سنة 1345. وهو آخر أعلام الزاوية وفاة، وهو مسك ختامهم، وطبع وفائهم، رضي الله عنهم أجمعين.
ألا ما ألذ رفقة الصالحين، وأطرب ذكر العلماء، ويا سعدى من فاز بصحبتهم، أو نال في قلبه حبهم، فهم بهجة القلوب ، وربيع النفوس، وقد قص الله قصص الصالحين من أنبيائه على خاتم الأنبياء فقال:" وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمومنين"، فذكر القصص من أساليب القرآن المثبتة للقلوب، المرشدة إلى الهدى والمذكرة للمومنين الواعظة لهم. ولا يحسبنّ امرؤ أن ذكر تراجم هؤلاء وهم متأخرون مضيعة للوقت أو خلاف الأولى، كلا ولا، وألف لا، فإن من واجب هؤلاء العلماء الذين وهبوا أنفسهم لله علينا أن لا تنسى أسماؤهم أو تطمس معالمهم، ومن أولى بالذكر والتأليف منهم، فهم أهل الله وخاصته، ورحم الله الإمام الشافعي حيث قال:
أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم
لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شَفاعَه
وَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصي
وَلَو كُنّا سَواءً في البِضاعَه
وهنا أحكم عنان القلم، وأقطع خرير المداد، وأختم المنشور، وأنجز الوعد وأوفي بالعهد،
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته
كما وفّى بقلاص النجم حاديها

المصدر