الدكتور منير القادري يفتتح الملتقى العالمي الإفتراضي للتصوف

أضيف بتاريخ ١١/٠٤/٢٠٢٠
أحداث.أنفو


تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله،وباسم مؤسسة الملتقى ونيابة عن شيخ الطريقة القادرية البودشيشية الدكتورمولاي جمال الدين القادري بودشيش، ومشيختها، أعطى الدكتور منيرالقادري بودشيش، الخميس 29 اكتوبرالجاري، انطلاقة فعاليات الدورةالخامسة عشر للملتقى العالمي للتصوف حول موضوع: "التصوف وتدبيرالأزمات: دور البعد الروحي والأخلاقي في الحكامة الناجعة"، الذي ينظمهذه السنة افتراضيا، انسجاما مع التدابير الاحترازية في ظل جائحة كوروناوذلك في الفترة الممتدة من 12 الى 19 ربيع الأول 1442ه الموافق من 29 أكتوبر الى 5 نونبر.

في بداية كلمته الافتتاحية قدم القادري التهاني لسائر الأمة الإسلاميةبحلول ذكرى المولد النبوي الشريف، مذكرا في هذا الصدد بما دأبت عليهالطريقة القادرية البودشيشية من تنظيم أسبوع كامل فرحا بمولد رسول اللهصلى الله عليه وسلم عبر تنظيم عدة أنشطة وفعاليات، في طليعتها الملتقىالعالمي للتصوف.

وأشار الى أن الملتقى العالمي للتصوف الى جانب مظاهر الابتهاج الأخرىالتي تحييها الطريقة القادرية البودشيشة وسائر الطرق الصوفية الأخرىعبر العالم، يشكل مناسبة علمية وأكاديمية يستحضر فيها الهدي النبويباعتباره حاملا لجميع القيم الكونية والكمالات الإنسانية.

وبين الدكتور منير أن موضوع هذه الدورة يأتي في صميم الحاجة التييفرضها السياق المعاصر، نتيجة الأزمة الصحية التي يعيشها العالم حاليا،والمتمثلة في جائحة كورونا (كوفيد 19)، التي كشفت عن كثير من الاختلالاتالتي يعاني منها المجتمع الإنساني على أكثر من مستوى، وفي طليعتهاأزمة القيم، التي ظهرت في حالة الاعتلال القيمي والانحدار الأخلاقي الباديفي الحياة العامة، بسبب طغيان القيم المادية والنفعية، وهو ما دحضالأطروحة الداعية للعولمة المادية التي راهنت على بناء الإنسان ذي البعدالواحد المحكوم بمنطق أولوية المصلحة الذاتية الضيقة والاستهلاك الماديالجشع وتغييب البعد الروحي والأخلاقي الذي يعطي للإنسان توازنهواستقراره وسعادته.

ونبه إلى الفشل الذريع الذي حققه هذا النموذج الأحادي المستند على التوجهالرأسمالي والفكر الحداثي المشوه الذي لا يفي حتى لقيم ومبادئ الحداثة،وهو ما أفرز اتجاهات أيديلوجية معادية للمثل وكل ما ينسب إلى الدينوالتراث القيمي والأخلاقي تحت ذريعة محاربة الرجعية والتخلف، مما خلقمنظومة مشوهة لكثير من المعاني الإنسانية.

وحذر من أن هذا النموذج اللامتوازن الذي يمثله بعض المحسوبين علىالمجتمع الغربي يتسبب في خلق سلسلة من الأزمات، والتي من ضمنهاالتصريحات المتطرفة والرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم،التي تعد دليلا على ما وصل إليه هذا النموذج من أزمة في التعايش،واحترام مقدسات الغير.

وأكد أن التطاول على حرمة الأنبياء يخالف حتى القيم الغربية، مذكرابشهادات عدد من عظماء وفلاسفة ومفكري الغرب الذين شهدوا بعظمة النبيصلى الله عليه وسلم، وشدد القادري على أنه لا يمكن القبول وتحت أيمسمى بالتطاول والمس بالمقدسات، خاصة ما يرتبط بالنبي صلى الله عليهوسلم وسائر إخوانه من النبيئين والمرسلين، الذين بلغوا للإنسانية قيم المحبةوالإخاء والتراحم.

ودعا إلى التعامل مع هذه الأزمة بمنطق التدبير الجيد المستند للحكمة التيلطالما اتسم بها المنهج المحمدي، مذكرا بأن النبي صلى الله عليه وسلم هوفوق وأكبر من أن تنال منه أفواه الحاقدين والحاسدين، مستشهدا بقولهتعالى في سورة الحجر"إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين " (الآية 95 ).

وحذر في ذات الوقت من الانجرار إلى العنف الذي يحاول البعض إلصاقهبالمسلمين، ومن التوظيف الإيديولوجي، لنصرة الرسول خدمة لبعضالأجندات، مشيرا الى ان نصرة رسولنا وديننا؛ تكون بالعلم، والأخلاق،والقيم، والعمل الجاد حتى نكون سفراء لإسلام الرحمة والمحبة واحترامالآخر.

وتابع القادري أن تلك المواقف لا تمثل سوى اقلية من المجتمع الغربي، مذكرابأقوال كبار المفكرين والفلاسفة ورجال الثقافة في حق النبي صلى الله عليهوسلم والذين شهدوا بعظمته أمثال غاندي وسيمون أوكلي.

وأوضح أن هذه الأزمات جعلت الحاجة ملحة لإعادة الاعتبار إلى الجانبالروحي في الإنسان باعتباره مكونا جوهريا وهوياتيا فيه، معتبرا أن أزمةاليوم هي أزمة إنسان بالأساس، سواء عند المسلمين أو عند غيرهم، مبينا أنعددا من الغربيين يتطرفون في مواقفهم ضد المسلمين، ويحكمون علىغالبيتهم بما قد يصدر عن أقلية شاذة منهم لم تفهم الدين ومقاصدهَ النبيلة،مشيرا إلى أهمية إعادة التأهيل خاصة على المستوى القيمي والسلوكي،لتمثيل الدين الإسلامي أحسن تمثيل، في احترام لقيم ومبادئ المواطنةالعالمية التي تقتضي احترام كل المكونات الحضارية والثقافية الأخرى، وهوما سيجعل مشكلة الاندماج غير مطروحة مهما اختلف الزمان والمكانوالسياق الذي نعيش فيه.

ودعا القادري إلى استلهام النموذج الصوفي باعتباره أحد ركائز الرأسمالاللامادي والبعد الروحي والإحساني في الإسلام لتأهيل الفرد المسلم وجعلهحاملا للقيم المحمدية والخروج به من ضيق التحجر والانغلاق إلى أفقالتعايش والانفتاح، وبين أن الصوفية لم يكن لهم أبدا مشكل في الاندماجوذلك لما يحملونه من قيم إنسانية راقية مستمدة من الأحوال النبوية والأخلاقالمحمدية ، مذكرا  في هذا الصدد بأقوال عدد من مشايخ الصوفية كقول ابنعربي في وصاياه: "افعل الخير ولا تبال فيمن تفعله تكون أنت أهلا له"، وكذامقولة الشيخ الحسن البصري: "الإحسان أن تعم ولا تخص، كالشمسوالريح والغيث"، فهذه المعالم القيمية هي أساس الممارسة الصوفية.

وأضاف أن التصوف استطاع، أن يؤسس لحكامة أخلاقية لتدبير الأزمات،وأن  شيوخ التربية الصوفية من خلال تأسيهم بالرسول صلى الله عليه وسلم،تمكنوا من تدبير القيم الروحية والأخلاقية التي يحملها الإسلام، وغرسهاوترسيخها في النفوس والقلوب، وتعهدها بالرعاية الدائمة وحسن التوجيهوالإرشاد، وهو ما أدى إلى صناعة نماذج أخلاقية صالحة وقدوات مبادرة،استطاعت أن تكون دعامة وأساسا للعديد من المشاريع التنموية والحضاريةالناجحة.

وسلط الضوء على ما قدمه صوفية المغرب لتجاوز وتدبير مجموعة من الأزماتداخليا وخارجيا، مضيفا أن المغرب لا يزال إلى اليوم بما يحمله من تجلياتعميقة لهذا المكون الروحي الأصيل الذي طبع شخصيته الدينية والتدينيةتحت القيادة الراشدة لمولانا أمير المؤمنين مثالا يحتذى في التعاطي مع كثيرمن الأزمات، مشيرا إلى مواقف جلالة الملك وسعيه الدائم لحل عدد منالأزمات الإقليمية والقارية، على أساس من الأخوة والتعاون والاحترامالمتبادل.

المصدر