مثقفون يناقشون بفاس كيف كانت الأندلس بوثقة لتلاقي المتصوفة

أضيف بتاريخ ١٠/٢٣/٢٠١٨
و م ع


 تواصلت الجلسات الثقافية لمهرجان فاس للثقافة الصوفية ، اليوم الإثنين ، برحاب المدرسة البوعنانية بالمدينة العتيقة لفاس بنقاش حول محور ”الأندلس كبوثقة لتلاقي المتصوفة“، وذلك بحضور عدد من الباحثين والمفكرين من المغرب والخارج.

وتحدثت كاتبة الكلمات والمغنية الفرنسية فرانسواز أتلان عن رحلتها الصوفية قائلة ”كنت دائمة البحث عن كيفية حدوث التواصل والوشائج بين الثقافات ووجدتها في فاس قبل 25 سنة أثناء لقائي الأول في حدائق البطحاء مع من سيصبح معلمي محمد بريول (رئيس جوق البريهي لموسيقى الآلة)“.

وتضيف ”كنت في السابق أشتغل على موسيقى القرون الوسطى مع معلمين أوربيين وما أن بدأنا الغناء في فاس حتى لمست روحا أعرفها إنه غناء سمعته عندما كنت صغيرة أرافق أبي للمصلى اليهودية، وأنا صغيرة وهذه الروح الأندلسية والغناء الصوفي ظلا يتبعاني إلى أن أعدت اكتشافهما في فاس حيث وجدت أجوبة عن هذه التساؤلات الداخلية“. وتقول ”بدأت في البحث عن هذه الروابط الثقافية ووجدتها متجسدة في روح فاس وأريجها من خلال السير في أزقتها الضيقة، وبين أحيائها العريقة ثم بعد أن بدأت أشتغل مع بريول على الآلة وأنا التي قدمت من ثقافة الغرناطي. فكان بالنسبة لي أمر مثمر للغاية أن أستوعب هاتين الذخيرتين الموسيقيتين خصوصا بعد أن خصصت وقتا للإقامة في فاس سنة 1998 وتعميق مداركي الموسيقية الروحية وبالخصوص الإرث الإسلامي والإرث الموسيقي اليهودي بفاس، ويمكنني القول إن كلا الطرفين يتقاسمان مجتمعين هذا الإرث الغني كروح مشتركة لا يمكن الفصل فيها“ .

وتتابع أتلان ”بالنسبة لي كفنانة، فإن المغرب ، وبالخصوص فاس ، هي التجسيد الحقيقي لهذه الروح الثقافية المشتركة وهذا التعايش الذي طالما بحثت عنه ووجدته في هذه المدينة“.

أما فوزي الصقلي رئيس لمهرجان فقال في هذه المدرسة البوعنانية (أسست من قبل السلطان أبو عنان المريني ما بين 1350-1355) والتي تجمع في بنائها تقنيات متنوعة من علوم الهندسة والرياضيات والفيزياء وغيرها، كان يجلس بها ويحاضر علماء من قبيل ابن خلدون ولسان الدين ابن الخطيب وابن عباد الروندي وغير بعيد عنهم كان يقيم ابن ميمون.

وأضاف في العصر الأندلسي عاشت شخصيات متنوعة أمثال ابن عباد الروندي وابن رشد وموسى بن ميمون وريمون لول أو ابن عربي، وكانت المعرفة عندهم تبحث عن الحب المطلق وسمو الروح.

وقال "يجب ألا ننسى أن الصوفية غذت وأثرت ثقافتنا العربية الإسلامية لعدة قرون. إنها إرث تاريخي أساسي ينتمي إلى وعينا الجماعي. والتصوف ليس فقط ممارسة وتربية روحية، إنه أيضا نتاج ثقافي أدبي وفني، يكون نسيج الحضارة الإسلامية".

وترى اللبنانية سعاد الحكيم الباحثة المتخصصة في التصوف وبالخصوص في فكر ابن عربي، أن هذا الأخير ”يذهب إلى أن الإنسانية هي حقيقة الإنسان، وهي واحدة في الناس جميعا، وهي الأصل، أما الذكورة والأنوثة فهما عارضان، كل واحد منهما بمثابة جملة صفات تجري على قابل الذات.. فكل من كان في موقع المؤثر والفاعل فهو رجل وإن كان امرأة“.

وأشارت إلى أن ابن عربي يؤكد على كون المرأة ، بحكم خلقتها وتكوينها ، مساوية للرجل في الشروط الإنسانية، وقابلة لكل النشاطات العقلية والفعاليات الإنسانية الذكورية.

وتتميز النسخة ال11 من مهرجان فاس للثقافة الصوفية التي تتواصل الى غاية 27 أكتوبر، بانفتاحها على الأصوات النسائية عبر استضافة نساء صوفيات وفنانات يستلهمن أعمالهن من التراث الصوفي سواء بالمغرب أو بالخارج.

ويسعى المنظمون من خلال اختيار "الحضور الصوفي" كشعار للمهرجان، إلى إبراز الأوجه المتعددة للثقافة الصوفية، وحضورها بصيغ مختلفة في مجالات إبداعية عديدة، في مقدمتها الأدب والشعر والفلسفة.

وتتضمن فقرات الدورة ندوات تتمحور حول "الصوفية نموذجا للحضارة"، و"الصوفية بصيغة النسوة"، و"الصوفية والفن المعاصر"، و"ابن عباد الروندي والنموذج الروحي المغربي الأندلسي"، و"التيجانية والإسلام في إفريقيا".

ويحفل البرنامج كذلك بأمسيات فنية مفتوحة للعموم في السماع لمختلف الطرق والطوائف المغربية، منها الطرق البودشيشية والدرقاوية والشرقاوية والوزانية والريسونية والصقلية.

وتهدف (جمعية مهرجان فاس للثقافة الصوفية) ، بهذا الموعد السنوي ، إلى "إتاحة الفرصة للمغاربة لاكتشاف أو إعادة اكتشاف ثقافتهم، وتمكينهم من الوصول إلى الغنى الفني والفكري والروحي"، وكذا التعريف ، على الصعيد الدولي ، بالصورة الإيجابية للإسلام عبر اختيار الصوفية كقناة لتحقيق الإشعاع المطلوب، بفضل طابعها الروحي ولغتها العالمية، ودعوتها للانفتاح والسلام.

وقد أضحى المهرجان مع توالي الدورات يستقطب العديد من المفكرين والباحثين إلى جانب عشاق الموسيقى الصوفية من المغرب والخارج، مما يدعم وضعية المغرب في الحوار بين الثقافات عبر بناء صلات وصل بين الشرق والغرب.