الرافد المغربي شكل البوابة الرئيسية للثقافة الشنقيطية في تفاعلها مع الثقافة العربية والإسلامية (أكاديمي موريتاني)

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٨
و م ع


نواكشوط - قال الباحث الأكاديمي الموريتاني الشيخ ولد سيدي عبد الله، إن الثقافة الشنقيطية اعتمدت على الرافد الثقافي المغربي في التفاعل مع الثقافة العربية والإسلامية، موضحا أن تأثير المغرب فيها انسحب على مجالات وحقول متعددة، بدءا بالجانب العقدي/المذهبي، مرورا بالجوانب الصوفية الطرقية، وانتهاء بالقضايا الإبداعية والأدبية.

وأوضح ولد سيدي عبد الله، الأستاذ بالمعهد العالي للغات والترجمة بجامعة نواكشوط، في محاضرة ألقاها، مؤخرا، بالمركز الثقافي المغربي بنواكشوط، في موضوع "التواصل الثقافي بين المغرب وموريتانيا" أن الثقافة الشنقيطية تدين في نشأتها لثلاثة روافد، هي الرافد المغربي، والرافد المشرقي، والرافد السوداني، موضحا أنه وبحكم أن "بلاد شنقيط كانت معزولة عن العالم نتيجة وجودها في أقصى العالم العربي والإسلامي، فقد اعتمدت على المغرب في استجلاب المصادر العلمية والتفاعل مع الثقافة العربية والإسلامية".

وأضاف أن الحواضر العلمية في المغرب الأقصى كانت مركز جذب أساسي للشناقطة (شنقيط كانت تطلق على المجال الموريتاني بأكمله، وهي اليوم إحدى مقاطعات ولاية أدرار في شمال البلاد)، حيث كان لبعض الشيوخ المغاربة تأثير خاص اجتذب كثيرا من الشناقطة، و"لعله كان للبعد الصوفي أو الموقع الجغرافي، أو هما معا تأثير في ذلك".

وتابع أن الإقبال الشنقيطي على المصدر المغربي ازداد منذ القرن 11هـ، مشيرا إلى أنه وبالإضافة إلى حضور مدينتي فاس ومراكش في الأدبيات الشنقيطية، كان هناك أيضا حضور للمصدر الأدبي المغربي في المحاظر (جمع محظرة، وهي مؤسسة تعليمية أهلية تشبه نظام الكتاتيب، لكنها تختلف عنها في أساليب التدريس والمناهج الدراسية..) تلخيصا ونظما ودراسة.

وتابع أنه ولكي تستمر المحظرة في عطائها فإنها احتاجت للتواصل مع محيطها الثقافي وعمقها الحضاري، والذي كان متمثلا في المغرب وحواضره العلمية الذائعة آنذاك، وحيث "يبدو أن المؤسسات العلمية المغربية كانت تعتبر التواصل مع البلاد الشنقيطية واجبا دينيا وأخلاقيا لا يجب التفريط فيه".

وفي معرض حديثه عن التأثير العقدي/المذهبي، قال المحاضر إن المذهب المالكي وصل إلى البلاد الشنقيطية من المغرب، وسادت مصادره ومراجعه، ف"الناظر إلى المكتبة الشنقيطية يلاحظ انتماء أغلبها إلى الرافد المغربي الأندلسي".

وتطرق الباحث أيضا إلى العلاقات التي جمعت بين السلاطين والملوك والأمراء المغاربة وشعراء شنقيط، الذين سافر بعضهم إلى البلاطات ولقوا هناك حظوة وصيتا خلدتهما مصادر الأدب وكنانيش الرواة.

كما أكد أن الرافد المغربي للثقافة الموريتانية يحضر إلى اليوم في علوم النحو واللغة والأدب وشروح الشعر القديم، إضافة إلى علوم القرآن والتفسير والفقه، موضحا أنه "من الطبيعي أن تأتي المبادرة من حيث يوجد استقرار مديني ونظام حضاري ومؤسساتي، وهو ما كان حاصلا في المغرب مقارنة مع النظام البدوي الانتجاعي، الذي كان يحكم بلاد الصحراء وشنقيط في قرون ماضية.

وذكر بأنه حتى بعد دخول الاستعمار للمغرب وموريتانيا ظلت العلاقة العلمية والأدبية بين البلدين والشعبين مستمرة، وظل سلاطين المملكة وملوكها يفسحون في مجالسهم لأدباء موريتانيا وينزلونهم أعلى المراتب والمنازل، مستشهدا بالشاعر محمد البيضاوي الجكني الشنجيطي الذي شكل جسرا للتواصل الأدبي والروحي والاجتماعي بين البلدين.

وأشار في هذا الصدد إلى أن "اهتمام الدوائر الثقافية المغربية بعلماء وأدباء موريتانيا تجاوز ذلك إلى الاهتمام بحفظ وتخليد ثقافتهم ونتاجهم"، موضحا أنه "عندما أنشأ السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن المطبعة الملكية سنة 1282 هـ وبدأ يطبع فيها وخلفاؤه من بعده الكتب النفيسة والمؤلفات القيمة، كان من بين الكتب التي انتقوها للطبع واختاروها للنشر عددا من تلك التي ألفها علماء شنقيط في أنواع العلوم وضروب الفنون، بالإضافة إلى ترويج عدد من كتبهم والاهتداء بها في ما كانوا يعقدون في قصورهم للعلم والأدب من مجالس وندوات".

وتابع أن الأمر لم يقتصر على طبع الكتب وترويجها، بل إن النقاد المغاربة كانوا سباقين إلى إثبات ريادة الشناقطة للقصيدة العربية الحديثة، ولنهضة الشعر العربي، فضلا عن الدور الكبير الذي قامت به المؤسسات الثقافية المغربية من أجل نشر الشعر الموريتاني والتعريف به.

وخلص الشيخ ولد سيدي عبد الله إلى القول في ختام محاضرته "إننا مطالبون اليوم بتعزيز هذه الروابط التاريخية، وهي روابط لا تعترف بالحدود السياسية ولا بالمعاهدات الدولية، روابط جذرتها الثقافة فصدحت بها حناجر الشعراء وترنم بها المتصوفة وهلل بها الطلبة في حلقات الدروس".