إسلاميات… تقرير الحالة الدينية في المغرب (2018 ــ 2020): الحركات الإسلامية (3/3)

أضيف بتاريخ ٠٥/٠٨/٢٠٢١
الدار - منتصر حمادة


توقفنا في حلقة أول أمس عند أهم الخلاصات الأولية من وحي المحاور التي اشتغل عليها تقرير الحالة الدينية الذي سيصدر عما قريب بحول الله، عن مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، والخاص بحقبة 2018 ــ 2020، وهو حصيلة عمل جماعي، بمشاركة 11 باحثة وباحث، حيث تمّ اشتغل على أهم المحطات التي صدرت عن الفاعلين في الحقل الديني المغربي، سواء تعلق بالأمر بمؤسسة إمارة المؤمنين، أو المؤسسات الدينية أو الطرق الصوفية، أو باقي الفاعلين.

تمت الإشارة أيضاً إلى أن هذا التقرير لا علاقة له قط بتقرير حول الحالة الدينية في المغرب، يصدر عن المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، وهو مركز بحثي تابع لحركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية”، أي التابع لمَجَرة إسلامية حركية، نواتها حركة وحزب، حتى إن المشاركين في إصدار العمل، ينتمي أغلبهم إلى هذه المَجَرة، بمعنى، لن نجد ضمن هؤلاء  من يشتغل خارج المرجعية الإسلاموية، أو كان محسوباً عليها، ومعلوم أنه يحق لأي مرجعية إيديولوجية الخوض في هذه القضايا، سواء كانت إيديولوجية دينية (إخوان، سلفية وهابية، داعشية، شيعية.. إلخ)، أو إيديولوجية مادية (قومية، اشتراكية، ليبرالية.. إلخ)، لولا أن هذا المحدد الإيديولوجي يبقى مرتبطاً بطبيعة ومرجعية تلك التقارير، وهذا ما نحاول تفاديه في تقرير الحالة الدينية المغربية الصادر عن مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث.

خصصت حلقة أول أمس لأداء المؤسسات الدينية، وخصصت حلقة أمس لأداء الطرق الصوفية، بينما تخصص هذه الحلقة الثالثة والأخيرة لأداء الحركات الإسلامية.

الإسلاميون المغاربة: انتظارية ومخاضات “ما بعد الإسلاموية”

لن نتوقف هنا في محور الخلاصات عند الأداء السياسي والمؤسساتي للحركات الإسلامية [حيث تطرق إليه الباحث نعوم عبد الفتاح في محور “الأداء السياسي والمؤسساتي للإسلاميين في المغرب]، وإنما يهمنا تسليط الضوء على بعض التحديات التي تمر منها الحركات والأحزاب الإسلامية المغربية، والمجسدة في تيارين اثنين، أو في مَجَرتين [Galaxies]، وهما المَجَرة الإسلامية الحركية التي نواتها حركة “التوحيد والإصلاح”، والمَجَرة الإسلامية الحركية الثانية التي نواتها جماعة “العدل والإحسان”، والمقصود بالمَجَرة هنا، مشروع مجتمعي ينهل من مرجعية إسلامية حركية، يتفرع على عدة حقول، دعوية وسياسية ونقابية وطلابية ونسائية وإعلامية ورقمية وغيرها.

هناك قاسم مشترك في أداء الحركات الإسلامية المغربية خلال السنوات الأخيرة، وعنوانه المرور من حالة تشبه المخاض النظري والتنظيمي بخصوص التعامل مع وقائع ميدانية، كانت غائبة عن الأدبيات المؤسسة لهذه الحركات والجماعات، وإن كان هذا أمر متوقع، لاعتبارات عدة، نذكر منها اثنان على الأقل:

ــ الأول أننا نتحدث عن تيارات إيديولوجية، انتصرت لخطابها الإيديولوجي، ميزته أنه ينهل من المقدس، أو ما تصطلح عليه أدبياتها بـ”المرجعية الإسلامية”، واعتقدت، في حقبة التأسيس الطوباوي المشروع، أن خطابها الإيديولوجي كفيل بإقامة حُلم “الدولة الإسلامية”، قبل أن تكشف تلك الحركات أن عقل منظومة مجتمعية إيديولوجية، مختلف بالضرورة عن “عقل الدولة”، أو قل مختلف عن مقتضى “الدولة الوطنية المعاصرة”، والمغايرة، لمعالم ما يُسمى “الدولة الإسلامية”، غير القائمة أساساً في الساحة الإسلامية، وهذه إحدى خلاصات “الإسلام وأصول الحكم” [1925] للإصلاحي المصري علي عبد الرازق، “مفهوم الدولة” [1981] للمفكر المغربي عبد الله العروي، و”الدولة المستحيلة” [2012] للمستشرق الكندي وائل حلاق.

من الصعب انتظار إضافة نوعية للعمل السياسي في نسخته الإسلامية الحركية مع جماعة “العدل والإحسان”، ليس لأن الجماعة غير معترف بها رسمياً، لأنه حتى حركة “التوحيد والإصلاح” كانت كذلك، ولكنها حصدت الاعتراف، وإنما لأن الجماعة تربي الأتباع على أفول الهم الوطني لحساب هم الجماعة والمنطقة.

ــ والثاني أننا في الساحة المغربية، عاينا مخاضات أخرى صادرة عن مرجعيات مغايرة للمرجعية الإسلامية الحركية، كما جرى مع المخاض الذي مرّ منه حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” بعد مشاركته في حكومة “التناوب التوافقي” [1998 ــ 2002]، وهي المشاركة التي كانت أحد عوامل تراجع شعبية، ومعاينة أتباع الحزب على التباين بين شعارات مرحلة المعارضة وخطاب مرحلة المساهمة في تدبير الحكم، أي التباين بين عقل الإيديولوجية وعقل الدولة، وهذا أمر متوقع، وجاري به العمل في العالم بأسره، لولا أنه مع الحالة الإسلامية الحركية هنا، اتضح أن ذلك النهل مما يُسمى “المرجعية الإسلامية” يُضفي الكثير من القداسة على الخطاب، فتكون النتائج مخيبة في الآمال عند معاينة نتائج الاشتغال تحت سقف ومقتضى “الدولة الوطنية”. [من غير المستبعد أن يكون الوعي بهذا المعطى، أحد أسباب ابتعاد قيادات إسلامية حركية عن العمل التنظيمي تحت سقف التنظيم، واتخاذ قرار العمل في مؤسسات دينية، كما هو الحال، على سبيل المثال لا الحصر، مع فريد الأنصاري ومصطفى بنحمزة وأحمد عبادي]



تتضح معالم هذا المخاض عند جماعة “العدل والإحسان” في عدة قضايا ومحطات، منها الخلاف حول التعامل مع قضايا الداخل مقارنة مع قضايا الخارج، أو الخلاف حول التعامل مع إرث مؤسس الجماعة، بين تيار يدافع عن الإرث التربوي والدعوي، مقابل تيار ينهل من ذلك الإرث، ولكنه منهمك أكثر في الإرث السياسي، أو الخلاف حول الانتصار للمرجعية الصوفية على حساب المرجعية السلفية، والخلاف الهام القائم بين الجيل المؤسس للجماعة والأجيال اللاحقة.

ــ وتتضح معالم المخاض سالف الذكر أكثر مع التباين في مواقف حركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية”، خاصة أنها مشاركة في التدبير الحكومي ومشاركة أيضاً في تدبير المجالس البلدية، بل إنها تتحكم في تدبير أغلب المدن الكبرى في المغرب (الدار البيضاء، الرباط، فاس، طنجة، مراكش، تطوان.. إلخ).

ولكن لا بد من التذكير بمعطى بَدَهي عند طبيعة هذا المكون الإسلامي الحركي، حتى تتضح معالم المخاض، وبيان ذلك أن الأمر محسوم مع طبيعة حركة “التوحيد والإصلاح”، أي إننا إزاء حركة إسلامية، نهلت في بدايات التأسيس من أدبيات مشرقية، بما في ذلك النهل من “العقيدة الطحاوية” السلفية الوهابية، بينما الأمر مختلف مع حزب “العدالة والتنمية”، لأنه حزب إسلامي حركي خالص إن صح التعبير، أي إننا لسنا إزاء كتلة إيديولوجية واحدة ومنسجمة، وإنما تجمع مجموعة من الكتل، يمكن اختزالها في تيارين اثنين:

ــ هناك تيار نواته حركة إسلاموية دعوية، وأصبحت حركة من حركة “الإسلام السياسي” لأنها انخرطت في العمل السياسي.

ــ وهناك تيار لا علاقة له بتلك “المرجعية الإسلامية”، أي لا علاقة لها بخطاب ومشروع تلك الحركة. ويتكون من أعضاء، آمنوا واعتقدوا أن الحزب هو الأقرب إلى النقاء والأبعد عن الفساد، مقارنة مع باقي الأحزاب السياسية.

ساهمت أحداث 20 فبراير في تغذية مشروع الحركة والحزب، مع مزيد تغلغل في مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، وجاءت تشريعيات 2016، بسياقاتها الإقليمية، في تكريس تلك التغذية وذل التغلغل، لولا أن هذا التضخم التنظيمي، ستكون له تبعات على المشروع، نذكر منها ثلاثة على الأقل:

ــ هيمنة نواة إسلامية حركية على حزب ليس إسلامياً كلياً، بما يُفسر استحواذ أعضاء الحركة على أهم المناصب في الحزب، وبالتالي تهميش أطر الحزب القادمين من خارج الحركة؛

ــ التكالب على المناصب والامتيازات على حساب أدبيات الحركة، وصاحب ذلك ظهور مآزق أخلاقية سلطت عليها بعض الأضواء الإعلامية، وحظيت بتأييد أعضاء المشروع، من باب “نُصرة التنظيم”، وهو دفاع مشروع أخذاً بعين الاعتبار أنه سائد مع باقي الإيديولوجيات السياسية، إلا أنه مع إيديولوجية إسلامية حركية، كان على حساب أدبياتها.

ــ تكريس ازدواجية نظرية وعملية مناقضة للخطاب الإسلامي الحركي في التفاعل مع عدة قضايا، من قبيل الدفاع عن ممارسة إسلامية حركية في التعامل مع قضية، والدفاع عن ممارسة سياسية علمانية في الدفاع عن قضية أخرى، بلا أدنى حرج في تبني هذه الازدواجية: المَجَرة [الحركة ــ الحزب] “ربانية” [من منظورها الإيديولوجي] في قضايا، ودنيوية براغماتية في قضايا أخرى، على غرار ما عاينا مع تجارب إخوانية أخرى في المنطقة.

هذه بعض المحددات التي تخول للمتتبع الحديث عن حالات مخاض تمر منها الحركة الإسلامية المغربية، قد تفضي إلى ظهور حالة “ما بعد الإسلاموية” في نسختها المغربية، أو شروع نسبة من الأعضاء أو الأتباع في أخذ مسافة من المشروع، أو سيناريوهات أخرى.

المصدر