القراءة بالعشر الكبير والصغير بالمغرب

أضيف بتاريخ ١٢/٢٥/٢٠٢٠
albahboha.com - عبد الله ابن الفقير المصباحي الحمري


من مقال رد فيه الشيخ المقرئ المسند سيدي عبد الهادي حميتو على فتوى اللجنة العلمية لمراجعة المصاحف بالمدينة المنورة، في ادعائها أن بعض الأوجه التي يقرأ بها المغاربة من كتاب " التعريف في اختلاف الرواة عن نافع" شاذة لا يجوز القراءة بها، وحرضوا ولاة الأمور على منع من يقرأ بها، بدعوى حفظ القرآن من التحريف...
أقول: إن هذه الدعوى من جنس ما قبلها من قولهم:"لا يقرأ بها اليوم" ، مع أنهم في سجال مع أحد من أعلامها قرأ بها في مدرسة سيدي الزوين التي اختصت فيها عقودا من السنين في حياة الشيخ علال بن إسماعيل الكادي القاسمي العبدي دفين مراكش الذي عُمِّر فوق المائة بكثير حتى توفي حوالي سنة 1420 هـ ، وكان الشيخ محمد بن الشريف السحابي قد قرأ عليه بالطرق العشر النافعية (العشر الصغير) كما قرأ عليه بها جماعة ، منهم : المقرئ الشيخ الحافظ الطاهر حريري العشراوي العبدي المتوفى سنة 1430 هـ، ومنهم المقرئ الشيخ السالك الدكالي المتوفى سنة 1425 هـ بمدينة خنيفرة، ومنهم السيد محمد الصالحي، وهو ما يزال حيا بمدينة سطات يقرئ القراءات، ومنهم السيد مبارك الكركوري الشيظمي، وهو حي يقيم بمدينة تمارة بضواحي الرباط سابقا، وهو الآن بمدينة الدار البيضاء، ومعدود من حفاظ الطرق النافعية، أقرأ بها بمراكش زمنا، ومنهم السيد عبد الحميد الدمسيري نزيل آسفي وصاحب معهد الإمام نافع للتعليم العتيق بها وعضو المجلس العلمي المحلي لآسفي، ومنهم المامون بن أحمد الغنيمي القاضي بمدينة آسفي، وتوفي بها حوالي سنة 1422 هـ، وقد وقفت على رمزية في "العشَرَيْن" التي قرأ بها في مجلدين جمع فيهما بين العشر الكبير عند المغاربة ــ الشاطبية ودرة ابن الجزري في الثلاث ــ والعشر الصغير من طرق التعريف لأبي عمرو الداني وتفصيل عقد الدرر لأبي عبد الله محمد ابن غازي وغيره من كتب الأئمة ، وكان من رفاقه في القراءة بالعشَرَيْن على علال القاسمي الشيخ سعيد الشرشمي من منطقة سبت جزولة بقبيلة عبدة ، وتوفي قبل الغنيمي. وكان الشيخ علال القاسمي المذكور معروفا بالعشراوي، ولم يكن يضاهيه أحد في عصره ، وقد زرته في مسجده في مراكش ، ورأيته مرات، ولم تقدر لي القراءة عليه، وكان قد قرأ القراءات العشر على السيد سعيد الجرموني العبدي المتوفى حول عام 1382 هـ ، وقد قرأ عليه والدي بورش، ورأيته بمدرسة سيدي الزوين بحوز مراكش قبل موته بنحو السنتين.

وقرأ الشيخ الجرموني وتلميذه علال القاسمي معه على المقرئ الشيخ إبراهيم ابن القاضي الماسي بمدرسة الباشا الجلاوي التي بناها للماسي خاصة لإقراء القراءات، وخصَّها بمن تجاوزوا القراءات السبع في الغالب، وبلغ طلبته في منتصف القرن الهجري الماضي ما يقارب 400 طالب، وقرأ كثير منهم عليه العشَرَين، وبه أحيا الله تعالى هذا العلم قريبا من مائة عام إلى أن توفي عن سن عالية سنة 1359 هـ ، ومن الطريف أن أحد طلبته ما زال على قيد الحياة بقبيلة أولاد برحيل بجهة سوس من الجنوب المغربي قرب مدينة تارودانت، ويعرف باسم الحاج الحسين البرحيلي ، وسبب تخصيص الماسي ببناء هذه المدرسة له هو ما سمعته من المقرئ السيد الطاهر حريري عن شيخه علال القاسمي أن العلامة الشهير أبا شعيب الدكالي كان بمراكش يلقي درسه في التفسير ويحضره فقهاء المدينة وكبراؤها برعاية باشا مدينة مراكش الحاج التهامي الجلاوي، فكان يفسر في سورة الأنفال قوله تعالى :"تُرْهبون به عدو الله وعدوكم" فقال الشيخ أبو شعيب : قرأ الجماعة "تُرْهبون" بسكون الراء وتخفيف الهاء ، وقرئ خارج السبع "تُرَهِّبون" بفتح الراء وتشديد الهاء، ولا أدري أو لا يحضرني اسم من قرأ بها، فهل منكم من يعرف من قرأ بتشديد الهاء؟ والتفت يمينا ويسارا فلم يجبه أحد، وإذا بشيخ ضئيل الخِلقة بفَرْد عين يجلس في آخر المجلس يرفع يده ويقول للشيخ : نعم قرأ بهار ويس عن يعقوب الحضرمي . فالتفت الشيخ أبو شعيب إلى الباش وقال له : عليك بهذا الرجل ، فقال : وما أصنع به؟ قال : تبني له مدرسة يقرئ فيها، وتجمع له حفاظ القراءات السبع ليقرأوا عليه القراءات الباقية، فإنه إذا ذهب هذا لم يبق عندك من يعرف ما سمعت، وقد رأيت كم يحضر المجلس من الطلبة. قال : فأمر الباشا الجلاوي حالا ببناء مدرسة بضاحية مراكش بآيت أورير كانت تسمى مدرسة "أَخْليج" وشارط فيها الشيخ إبراهيم الماسي المعروف من أسرة ابن القاضي الماسيين بجهة سوس، وبعث إلى قواد الجهات أن يبعثوا إلى المدرسة بأصحاب القراءات، وكان منهم القائد الكبير الفقيه السيد عبد الكبير نجل الحاج المختار العبدي العامري البوكدراوي المعروف بالقايد ولد الحاج المختار ، وهو الذي تولى توجيه السيد علال بن إسماعيل الكادي القاسمي العبدي للقراءة على الماسي في مدرسته ، وكان قد شارط في عبدة بـ 50 ريال سنة ، فأعطاه القائد ألف ريال ، نصفها حالا ، ونصفها الآخر إذا أتم القراءة، فلازم القاسميُّ الماسيَّ إلى وفاته، وقرأ عليه "العشَرَين" وأقرأ بهما حياته، رحم الله الجميع برحمته.

وممن قرأ على الماسي بالعشَرَين مع القاسمي المقرئ المسمى صالح بن حمان المراحي المكانسي العبدي من جماعة المكانسة قرب سوق أربعاء المكانسة، وكانت له مدرسة للإقراء بآل غياث بعبدة، وهو الذي أخذ عنه العشَرَين المقرئ السيد المامون الغنيمي العبدي القاضي الآنف الذكر نزيل مدينة آسفي ، ولعل قراءته عليه بها بموضع سيدي غانم بقبيلة دكالة كما وجدته في آخر رمزية العشرين التي ذكر فيها قراءته عليه بقراءته للعشرين على الشيخ الماسي بخط يد المقرئ المامون بن أحمد الغنيمي، فرغ منها عام 1342هـ.
ومن امتدادات مدرسة الماسي ممن قرأ بالطرق النافعية وهو يقرئ بها حاليا بعض طلبته المقرئ للعشَرَين ، وهو من الحفاظ الأثبات بشهادة شيخه له كما سمعتها منه، وبمعرفة قراء القراءات عندنا الأستاذ بمدرسة القراءات بالمعاشات بضواحي مدينة الصويرة بجنوب مراكش ، السيد عبد الله عايش الدروي، وهو في نحو الخمسين من العمر، قرأ بالعشر الكبير والصغير على السيد الطاهر حريري العبدي ـ ـ وأجازه قبل موته بقليل بالطرق النافعية، وأخبرني ـ ـ عن السيد عايش المذكور أنه يقرأ العشَرَين بالجمع والإفراد دفعة واحدة دون أن يحتاج إلى الاستعانة بالرمزية .
وممن قرأ على السيد الطاهر بالطرق النافعية بعد أن ختم عليه العشر الكبير الأستاذ الحاج حسن غرّور من مدينة الشماعية بأحواز مراكش، وقد رأيت إجازته له بما قرأ عليه بقراءته على السيد علال العشراوي القاسمي العبدي الآنف الذكر، وعلى الحاج عابد السوسي أستاذ القراءات وشيخ الجماعة فيها بمدرسة سيدي الزوين ـ ـ وكان قد قرأ مع السيد علال على الشيخ إبراهيم الماسي بمدرسته بآيت أورير قرب مراكش،ـ وهي المدرسة الآنفة الذكر التي بناها له الباشا التهامي الجلاوي ، وأقرأ بها عقودا من الزمان. وقد بقي على السيد حسن غرور بقية من روايات العشر الصغير لم يستوفها على السيد الطاهر حريري في حياته ـ فيما بلغني ـ فأتمها أو هو ما يزال بصدد ذلك على السيد عبد الله عايش بالمعاشات بضاحية الصويرة ، وهو ـ أعني السيد حسن غرور ـ عضو في المجلس العلمي المحلي لمدينة اليوسفية بأحواز مراكش، وشارك في السنة الماضية في لجنة التحكيم ممثلا للمغرب بمسابقة تجود القرآن الكريم بالمملكة الأردنية.
ومن تلامذة الشيخ علال القاسمي المقرئ الحاج سلام الغرباوي ، وكان يقرئ بمدرسة سيدي الزوين السبع، ويقرأ هو على السيد علال العشَرين مدة طويلة، وعنه أخذ الطرق الناقعية مقرئ مكناس الكبير الشيخ إبراهيم بن مبارك بن علي الهلالي المكناسي ــ ــ والد الدكتور محمد الهلالي وزير التربية والتعليم السابق، وهو مؤلف كتاب "التبيان لمعركة ماء أبي فكران مع وجوب اتباع رسم الإمام" وهو مطبوع .

عبد الله ابن الفقير المصباحي الحمري / طالب باحث

المصدر