الصويرة .. أرض شاهدة على عراقة التعددية الثقافية والعيش المشترك

أضيف بتاريخ 11/19/2020
و م ع - سمير لطفي


الصويرة - لطالما شكلت الصويرة، المدينة المطلة على الساحل الأطلسي بين مدينتي آسفي شمالا وأكادير جنوبا، على امتداد التاريخ، أرضا شاهدة على عراقة التعددية الثقافية والروحانية والعيش المشترك، مجسدة بذلك صورة المغرب الفخور بهويته الأصيلة والمتنوعة. ولا يعد هذا التوجه "الديني" و"الروحاني" للصويرة وليد اليوم، بل إلى قرون طويلة من التاريخ. فمنذ تأسيسها في 1760، أرست مدينة موكادور نموذجا خاصا بها مزج بين الثقافات والحضارات، وشهدت بناء عدد من دور العبادة، بشكل جعلها أرضا للسلام والحوار بين الثقافات والتعايش السلمي بين الأديان. ويرتبط تاريخ الصويرة بشكل وثيق بفضاءات قديمة لممارسة الشعائر الدينية تتضمن مساجد وزوايا (15 زاوية في المجموع)، وكذا كنائس من قبيل كنيسة "نوتردام" المشيدة سنة 1936. وبنيت أماكن العبادة، جنبا إلى جنب، وكأنها تنقل إلى العالم "صورة" ما ينبغي أن يكون عليه "العيش المشترك" الحقيقي.

وإلى جانب ذلك، تضم الصويرة دورا للعبادة خاصة باليهود (في البداية 37 كنيسا). ويوجد بالصويرة حاليا، كنيسين "صلاة الكحل" و"صلاة عطية" المشيدين في أواخر القرن 19، واللتين خضعتا للترميم في إطار مشروع "بيت الذاكرة" الذي أشرفت عليه جمعية الصويرة موكادور بتعاون مع وزارة الثقافة. ومكن هذا التوجه الديني للصويرة من الارتقاء بها كحاضنة لحوالي 15 زاوية، على غرار الزاوية الحمدوشية المشيدة في القرن 18، وزاوية سيدنا بلال المؤسسة من قبل الطريقة الكناوية، والزاوية الركراكية والزاوية القادرية (1777) والزاوية التيجانية والزاوية العيساوية. ويجسد هذا البعد الديني، الذي يشكل عماد قيام حاضرة موكادور، إلى يومنا هذا، مثالا استثنائيا، لتجمع مسلمين ويهود ومسيحيين، للتبادل والعيش بسلام بالصويرة، وذلك في احترام متبادل تام للخصوصيات والاختلاف. وتعزز هذا التوجه عندما قام أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم 15 يناير 2019، بزيارة تاريخية لـ"بيت الذاكرة"، وهو فضاء تاريخي ثقافي وروحي لحفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتثمينها، في مشهد يدل على العناية التي يوليها أمير المؤمنين للنهوض بالحقل الديني وتكريس قيم السلم والتعايش. وفي نفس المنحى، تعيش حاضرة الرياح على إيقاع أشغال البرنامج التكميلي لتأهيل وتثمين المدينة العتيقة للصويرة (2019-2023)، الذي كلف استثمارات بقيمة 300 مليون درهم. ويروم هذا الورش الملكي المحافظة على الطابع الهندسي لمدينة موكادور، وتعزيز إشعاعها الثقافي والسياحي وتحسين ظروف عيش وعمل ساكنتها.

وبالمناسبة، أبرز المندوب الإقليمي للأوقاف والشؤون الإسلامية، السيد كريم بن عباد، العناية التي ما فتئ يوليها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس للحقل الديني وأتباع الديانات، مشيرا في هذا الصدد، إلى الورش الملكي الرامي إلى تأهيل وتثمين المدينة العتيقة للصويرة. وأضاف السيد بن عباد، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الصويرة استفادة من اتفاقية أولى للتأهيل تضم وزارة الأوقاف (مديرية المساجد) عبر ستة مشاريع تضم تأهيل الزاوية "التيجانية" و"الدرقاوية" و"الناصرية" و"القادرية"، وكذا مسجدي "البواخر" و"علي بن داوود".

وتابع أن هناك اتفاقية تكميلية تهم 4 مشاريع، من ضمنها الزاوية "الركراكية" و"الكتانية"، ومسجدي "رحالة" و"حاحة"، بمساهمة تمويلية من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبلغ 5 ملايين درهم، مذكرا بأن حوالي 10 دور عبادة بالصويرة تخضع للترميم والتأهيل وبتواجد 1740 مسجدا و1540 إماما ومرشدا. من جانبه، أكد مقدم الزاوية القادرية بالصويرة، السيد هشام دينار، أن الزوايا الصوفية تضطلع بدور هام في المجتمع منذ قرون، لاسيما من خلال تكريس مبادئ التعايش والعيش المشترك بين الاديان. وذكر السيد دينار، الذي يعد أيضا، الأمين العام للرابطة الوطنية للزوايا القادرية بالمغرب، بأن بفضل العناية التي يوليها أمير المؤمنين للحقل الديني، نجحت الزوايا الصوفية في استعادة إشعاعها السابق، على غرار الزاوية القادرية التي تشهد حاليا أشغال الترميم، وتضطلع بدور هام في نشر الإسلام السمح والوسطي.

من جانبه، أبرز رئيس الجمعية الصوفية الحمدوشية، السيد هشام المادي، أهمية الزاوية على امتداد العصور، ودورها في التربية النفسية، ومحاربة العنف وكره الآخر، والنهوض بقيم السلم والتسامح والانفتاح، داعيا السلطات المختصة إلى إيلاء مزيد من الأهمية إلى هذه الزاوية. من جهته، شدد رئيس جمعية الأنوار المحمدية للثقافة والفن بالصويرة، السيد حمزة الجرتي، على المكانة التي تحتلها الزاوية التيجانية بالصويرة، على غرار باقي الزوايا الصوفية، لاسيما في النهوض بالتربية الدينية والروحية للأفراد ونشر قيم الإسلام السمح والوسطي. والأكيد أن هذا التوجه الديني والروحي لمدينة الصويرة، المقرون بالدينامية الثقافية والفنية المكثفة والمتواصلة، إضافة إلى الرسالة الإنسانية التي تسعى المدينة إلى نشرها، تجعل منها "بوصلة مغربية" يبدو العالم في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.