المسجد المحمدي بحي الأحباس بالدار البيضاء .. رمزية الإسم وتفرد التاريخ

المسجد المحمدي بحي الأحباس بالدار البيضاء .. رمزية الإسم وتفرد التاريخ

أضيف بتاريخ ٠٥/٢٩/٢٠١٩
و م ع - عبد اللطيف الجعفري


الدار البيضاء - ينتصب شامخا وسط حي ينضح بالثقافة وعبق التاريخ بالعاصمة الاقتصادية ، بيد أن ما يميزه ، فضلا عن حمولته الروحية، هو معماره الفريد وهندسته الرفيعة وامتداده الزمني الذي يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي . 

إنه المسجد المحمدي بحي الأحباس بالدار البيضاء ، الذي يحمل إسم السلطان محمد بن يوسف الذي أمر بتشييده، وكان يزوره بانتظام أثناء فترة البناء ، وتم بناؤه بتاريخ 1355 هجرية / 1934 ميلادية .

وحسب معطيات تقنية وإحصائية، وفرتها المندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية لجهة الدار البيضاء سطات، لوكالة المغرب العربي للأنباء، فإن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، سبق له أن أدى صلاة الجمعة ، خمس مرات بهذا المسجد (01 أبريل 2005 / 21 أكتوبر 2005/ 07 دجنبر 2012 / 26 شتنبر 2014/ 02 يونيو 2017 ). 

وأشارت هذه المعطيات إلى أن المساحة الإجمالية للمسجد المحمدي تبلغ 3600 متر مربع ، منها 2707 كمساحة مفروشة، و200 متر مربع كمساحة خاصة بجناح النساء. 

ويتوفر هذا المسجد، الذي تبلغ الطاقة الاستيعابية للمصلين به 6 آلاف مصل ، على 25 من القيمين الدينيين ومرافق وتجهيزات جيدة، ومنبر للوعظ والإرشاد، وأفرشة وتجهيزات صوتية جيدة .

كما يتوفر المسجد، الذي يضم مجموعة من الثريات أهمها ثرية عتيقة ضخمة يفوق وزنها ثلاثة أطنان ، على سبعة أبواب، تنتشر على الواجهات الثلاث للمسجد، يأخذ منها الباب المشرف على ساحة المسجد مرتبة الباب الرئيسي.

وتشتمل قاعة الصلاة على أعمدة يصل عددها إلى ستين عمودا، تتوزع على أحد عشر بلاطا طوليا متعامدا مع جدار القبلة، على سبعة بلاطات عرضية.

ويغلب على الأعمدة الشكل الهندسي المربع أو المستطيل ، ولكن أهم ما يثير الانتباه في تصميم الأعمدة هي أعمدة جدار القبلة، وأعمدة البلاط المشرف على الصحن، وهي أعمدة متعددة الأضلاع تصل إلى إثني عشر ضلعا. 

وقد تعرض المسجد المحمدي لتآكل بعض جنباته، لذلك قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بترميم وإصلاح سقفه، وتم تجديد شبكة الماء والكهرباء سنة 2007.

ويذكر صحن المسجد المحمدي، بالمساجد الأندلسية، فمساحته شاسعة تصل إلى 900 متر مربع ، تتوسطها نافورة كبيرة من الرخام، وعلى جانبي الصحن هناك نافورتان، كل واحدة تظللها قبة بها زخارف رائعة على الجبص والخشب .

وتمنح النافورتان للمتوضئين فضاء روحيا خاصا، يكون صوت الماء فيه مهيمنا، فللماء مكانة خاصة عند المسلمين، فهو الطاهر المطهر.

ومن أجل أبراز مكانة المساجد العتيقة على أكثر من مستوى ، فقد اعتبر الكاتب والباحث في الثقافات المحلية السيد محمد البوزيدي في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء ، أن الأهمية المعمارية للمساجد العتيقة تتجلى في كونها تعكس الحضارة والفن الإسلاميين ، خاصة في الجوانب المتعلقة بهندسة المحراب والصومعة ، التي ترجع إلى عهد قديم جدا مرتبط بدولة الأمويين ، كما يتجلى ذلك في رونق الخط المغربي من خلال الكتابات التي تزين المساجد .

كما تكمن الأهمية الروحية للمساجد بشكل عام والمساجد العتيقة بشكل خاص ، يضيف السيد البوزيدي ، في كونها فضاء عاما وخاصا في نفس الوقت من أجل تزكية النفس البشرية وتحفيزها لتمثل القيم الروحية في الإسلام وتحويلها إلى معاملات ، وهو مكان ينقطع فيه الإنسان على المؤثرات والعوامل الخارجية ليتصل بالخالق عز وجل .

وحسب السيد البوزيدي، فإن الأهمية الثقافية للمساجد العتيقة، تتمثل في كونها عبر التاريخ معالم فكرية لها وظيفة تعليمية وتثقيفية في آن واحد ، بل كانت تعتبر مدارس وجامعات علمية قائمة بذاتها وما تزال تؤدي هذه الوظائف ، ويتضح ذلك من خلال عدد الطلبة الذين كانوا يدرسون بها، كما كانت تعتبر ملتقى للعلماء فيما بينهم للنقاش والتعلم والتعليم الفكري .

وفي سياق متصل ، وضمن جهود المحافظة على الموروث المعماري الديني الوطني وحمايته من كل تحريف أو تشويه، أنجزت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية جردا بالمساجد التي قد تكتسب صبغة تاريخية أو أهمية هندسية أو زخرفية ، والذي يعد المسجد المحمدي أحدها بامتياز.

وتتوزع هذه المساجد ، البالغ عددها 978 مسجدا، على مختلف جهات المملكة( تحتضن جهة الدار البيضاء سطات 25 مسجدا منها).

على أن الأهم في هذه المعلمة الفريدة (المسجد المحمدي)، التي تجر وراءها تاريخا مهما وغنيا بالدار البيضاء، هو تواجدها في قلب حي الأحباس، الذي له بدوره حمولة تاريخية ومعمارية وثقافية لاتخطئها العين. 

فهذا الحي يحيل مباشرة إلى فضاء مشهور تتعايش فيه الأجواء الروحانية والثقافية والمعمارية والسياحية والتجارية والاجتماعية .

وبالعودة إلى التاريخ، فإن هذا الحي، الذي يعد أحد أحياء مدينة الدار البيضاء القديمة والجميلة، يجتمع فيه فعلا ما تفرق في غيره من الأحياء .

ويتميز حي الأحباس، الذي يعود بناؤه إلى سنة 1917، بكثرة الأقواس، والدروب الملتوية الضيقة والقناطر والمساحات الخضراء والأزقة المرصوفة وعدة فنادق 

ويشكل حي الأحباس قبلة للباحثين والمثقفين بالنظر لاحتضانه لأكبر المكتبات التابعة لأشهر دور النشر المغربية والعربية ، كما أن معماره التقليدي جعله محجا للسياح من كل الجنسيات .

وفي الشق الاقتصادي التجاري، يعج هذا الحي بالمحلات التجارية التي تعرض منتجات الصناعة التقليدية كالزرابي المغربية وأواني الخزف القديمة ، والملابس التقليدية (الجلباب وقفطان..) وحلي ومصنوعات خشبية وفضية ونحاسية، علاوة على محلات الخياطين والحرفيين، والمقاهي والمطاعم.