الفنون الصوفية المغربية ذخيرة حية يتعين التعامل معها بشكل حسن والإفادة منها في أفق تجديدها (باحث)

الفنون الصوفية المغربية ذخيرة حية يتعين التعامل معها بشكل حسن والإفادة منها في أفق تجديدها (باحث)

أضيف بتاريخ ٠٦/٢٦/٢٠١٩
و م ع - إدريس اكديرة


الرباط - قال محمد التهامي الحراق، الفنان والباحث المغربي في مجال التراث والتصوف والسماع الصوفي، إن الفنون الصوفية المغربية ذخيرة حية يتعين التعامل معها بشكل حسن والإفادة منها، من حيث هي فنون قمينة بالعناية في أفق تجديدها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اجتثاثها والقطع الصارم معها.

وأضاف الحراق، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى (21 يونيو من كل سنة)، أن هذه الفنون، علاوة عن كونها ذاكرة للوجدان الجماعي، وعن أهمية وظائفها النفسية والاجتماعية والثقافية، ودورها في تشكيل روح الانتماء إلى هوية معينة، فإنها تعد، بفضل تعدد مكوناتها، وانفتاحها على الإثراء والتطوير، منجما غنيا بالمعلومات الحضارية.

وقال محمد التهامي الحراق، وهو كذلك المسؤول الثقافي والفني ل "مؤسسة الذاكرين للأبحاث الصوفية وموسيقى السماع بالرباط"، إن هذه الفنون تصبح، من خلال النظر إليها من هذا الأفق، منبعا ثريا لإلهام أهل الفن من أجل تطويرها، مع المحافظة على روح أصالتها الفنية.

وحول اهتمام الشباب بالتراث الإنشادي الصوفي، يرى الحراق أن هذا الاهتمام يندرج اليوم بكل أشكال الغناء الديني ضمن نسق انتعاش الإقبال على مختلف الأوجه الجمالية للتدين، مبرزا أن إقبال الشباب على الإنشاد الصوفي الديني اليوم جاء تلبية لاحتياجات أملتها تحولات إيديولوجية ومعرفية وحضارية بنيوية في الفضاء العام للمجتمع، فضلا عما تمتاز به هذه الموسيقى من ثراء جمالي وفني كان شبه منسي.

وعن الشروط الإبداعية للعناية بالفنون الصوفية، قال إن هذه الفنون "عمل فني" يجب أن تتوافر فيه شروط الجودة الإبداعية والفنية؛ من جودة شعر ولحن وأداء، أكان مجردا من الآلات أم مصحوبا بها؛ وهو في ذات الوقت "فن ديني" ما يحتم تلقيه باعتباره فنا رساليا، أي حمالا لقيم أخلاقية ومعرفية وجمالية تستمد روحها من أصول الدين ونصوصه التأسيسية في الكتاب والسنة.

وأضاف أنه يمكن اعتبار الإنشاد بما هو "سماع"، أي بما هو أسلوب مخصوص في الإنشاد تبنته المدارس الروحية الصوفية، واعتنت به واستعملته للتربية الروحية والتزكية القلبية؛ بهذه المثابة وجها من أوجه الذكر، فهو يأتي عند الصوفية ملحقا بالأوراد والأذكار المرتبة، لذلك وضع القوم له شروطا متعلقة بالزمان والمكان والإخوان، وأسندوا له وظائف روحية مخصوصة، واشترطوا في من يتعاطاه إنشادا واستماعا شرائط وضوابط حتى لا تحيد هذه الوسيلة الجمالية الرفيعة عن الغاية الروحية والتربوية المخصوصة التي تطلب من السماع بما هو ذكر داخل النسق التربوي الروحي الصوفي.

وبخصوص رهانات الفنون الصوفية حاليا، أكد الحراق أن هذه الفنون تسهم، بوجه عام، وبقوة، في ترشيد فهم الدين اليوم. علاوة على ذلك فإن الموسيقى، بوجه عام، أكانت بصوت بشري مجرد أم بصوت مصحوب بالآلات، هي لغة بشرية تلائم الفطرة وتؤثر فيها وتتجاوز حدود الأعراق والألوان والأجناس بل حتى الأديان، مسجلا أنه بهذا الاعتبار يصبح "الإنشاد الديني" لغة كونية تجسد رحمة الإسلام في انفتاحها على الفطرة البشرية، وفي مخاطبتها للبعد الإنساني الكامن في كل إنسان.

هذا الأفق الجمالي والكوني والإنسي، في رأي الحراق، هو الذي من شأنه أن يثمر قيم التعايش والتصافح والمحبة والقبول بالآخر؛ وهو أفق يستطيع "الإنشاد الديني" أن يسهم فيه متى ما تشبع به في الشعر واللحن والإيقاع والأداء؛ ومتى ما خرج من ضيق "الإيديولوجيا الدينية" إلى رحابة ووسع رحمة الدين كما جسدتها بعض المدارس العرفانية الإسلامية الكبرى.

وفي ما يتعلق بالفنون الصوفية والإعلام، وبعد أن أكد الباحث المغربي الأهمية القصوى للإعلام في المجتمع المعاصر؛ باعتباره "سلطة"، وله قدرة خارقة على توجيه الحساسيات وصناعة الأحلام والتأثير في الآراء والنفوس؛ أبرز أنه "من هذا المنطلق كان لزاما علينا أن ننقل رسالة الفنون التراثية الروحية، وتخصيصا السماع الصوفي، إلى الإعلام من أجل تثقيف تلقي الفنون الموسيقية الصوفية القادمة من خلوات الذاكرين وزوايا المتنسكين".

وأكد أنه "في غياب هذا البعد التثقيفي تصبح هذه الفنون معرضة لآفة الفلكلورية، أي جعلها مظاهر طقوسية وفولكلورية بلا روح ولا دلالة، فارغة من عمق معانيها وأبعادها الوظيفية"، معتبرا أن "هذه أكبر جناية يمكن أن ترتكب في حق هذه الفنون الحضارية والروحية الباذخة".

وأضاف أن "القيمة المضافة الثانية التي يمكن لهذه البرامج أن تضطلع بها هي تعريف الأجيال الجديدة بثراء ثقافتنا وغناها الحضاري والروحي والجمالي، ومن ثم الإسهام في تمنيعهم ضد كل أشكال التقليد الأعمى سواء للشرق أو الغرب؛ والعمل على تجديد علاقتهم بتراثهم وثقافتهم، وتحريرهم من النظرة الاستلابية التي قد تأسرهم في التعامل مع هذا التراث، والذي قد يعتبرونه مجرد أشكال موسيقية متحفية تصلح لتغذية تلك الصورة الغرائبية التي يحملها المتخيل الغربي السياحي عنا".

أما القيمة المضافة الثالثة، يقول الباحث، فهي قيمة توثيقية لكثير من الألوان الإنشادية والفنية الدينية والتي تعتبر من التراث الشفهي المنقول رواية والمتوارث بالتواتر والمعرض لمختف أشكال التلف والاندثار والنسيان.

وعن مدى مساهمة الفن المغربي في إثراء الفنون الصوفية، وخاصة فن السماع الصوفي، أوضح الحراق أن فن السماع الصوفي في المغرب مجلى جمالي روحي متميز شعرا ونغما وإيقاعا وأداء وتداولا، وقد أسهمت في رسم ملامحه المتفردة عوامل أدبية وطربية وتاريخية تعاضدت جميعها لمنح هوية جمالية وفنية للسماع في المغرب؛ ما جعل سماع أهل المغرب متميزا عن السماع الصوفي في الشرق الإسلامي.

وأضاف أن هذه الفنون ما كانت لتنتعش في المغرب، وتمتلك حضورا وملمحا متميزين لولا عدة عوامل تاريخية وثقافية واجتماعية؛ من قبيل انتعاش الاحتفال بالمولد النبوي الشريف منذ القرن السابع للهجرة بالغرب الإسلامي؛ وانتقال التصوف إلى طور المأسسة في الزوايا والرباطات، والتي أصبحت مدارس لتلقين هذا الفن وتطويره وانتعاشه وتكوين أربابه من المنشدين والمسمعين والقوالين؛ وكذا احتضان المجتمع لهذا الفن في مختلف المناسبات العامة والخاصة، ما جعل من "السماع" مظهرا ثقافيا روحيا يضطلع بدور هام في التعبير عن الوجدان الديني الجمعي للمغاربة، أكانوا صوفية أم غير صوفية.

وعموما فإن إنقاذ وتدارك الموروث الفني بمختلف عناصره، والحفاظ عليه واستدامته، ومن ضمنه الفنون الصوفية، بالتدوين الموسيقي والتسجيل الصوتي والمرئي أصبح أمرا ملحا، فالتوثيق لكل الفنون التراثية الصوفية، عن طريق الأبحاث والنصوص، والصوت والصورة، غدا راهنا أمرا ضروريا، من أجل الحفاظ على الذاكرة الفنية المغربية، وإلقاء أضواء كاشفة على أهم ملامح هذه الفنون، وأبرز روادها والمصطلحات المستعملة فيها، وبنياتها وأدوارها اللحنية.