محمد الحبيب البوشواري التنالتي

أضيف بتاريخ 11/28/2018
مركز الامام الجنيد - د. محمد الهاطي

«شيبة نور، ووقار العالم ، وتؤدة العاقل ، وتبث اللبيب ، واستحضار العالم، وألمعية الذكي، وتوضع الصوفي، وقلة كلام إلا فيما لابد منه» هكذا وصفه العلامة المختار السوسي. ولتقريب هذا العلم الشامخ من أعلام المغرب المعاصرين أكثر،  سنحاول النبش في بعض  المقومات الفكرية والتربوية والإصلاحية  لهذه الشخصية المرموقة. 

 هو محمد الحبيب بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد البوشواري الميلكي، ينتسب إلى" آل تاغربوت" من الأسرة "البوشوارية الوزانية"، التي ينتهي نسبها إلى  محمد بن إدريس بن عبد الله الكامل  بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 ازداد المترجم  بدوار" أيت الطالب إبراهيم" بقبيلة "أيت ميلك" الهشتوكية ، نحو عام (1285هـ) وتوفي والده - وهو أحد كبار رجالات التصوف بمنطقة سوس- فنشأ يتيما في كفالة والدته  التي ربته تربية حسنة، ودفعت به إلى تعلم العلم، فأتقن حفظ القرآن بثلاث رواية؛ ورش وقالون والمكي على يد ثلة من الأساتذة، منهم محمد بن عبد السلام الهشتوكي الصحروي، ومحمد بن العربي الأمزالي، وعلي التوفلعزتي، وسعيد المغروي .

 وفي سنة 1314هـ سيتصل التنالتي بأكابر علماء وقته من السوسيين، فيجلس إليهم ويشرب من مناهل علومهم وأخلاقهم الصافية، أمثال : العربي بن الأزكري  الصوبي

(تـ 1330هـ)، والعلامة الحاج عابد البوشوري ( تـ 1350 هـ)، ومحمد بن أزونيض المراكشي (تـ1317هـ)، وأحمد بن عبد الرحمن الجشتيمي ( تـ 1327هـ) .

 وأخذ بالمسجد النبوي عن المحدث الشيخ محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ الصوفي يوسف النبهاني (تـ 1350 هـ) .

 كــما تـــلـــقى التربية الصوفية أيضا عن أرباب هذا الفن بالجـنوب المـغربي، خاصة

 آل ماء العينين "بالزاوية المعينية" التي قال في حقها :« من هناك شربنا الماء البارد الزلال العذب الصافي » فتتلمذ في بداية على يد مؤسس الزاوية الشيخ المجاهد  ماء العينين، وبــعد وفـــاة الشيخ سنة (تـ 1328هـ) التــحق المـــترجـــم بــحركة أحمد الهيـبة (تـ 1337هـ ) الجهادية ضد المستعمر، فتعرض  لمضايقات وصلت إلى حد محاولة اغتياله من طرف شخص سقاه سما بإيعاز من سلطة المستعمر، كما تم قصف مدرسته  بمنطقة "تنالت" بواسطة الطائرات، مما اضطر معه إلى الخروج إلى منطقة أيت باعمران .

 ومن أبرز محطاته النضالية ؟ أيضا محاربته للجهل والأمية، فقضى مدة طويلة من حياته يعلم ويربي  ويرشد ، فتخرج  على يده المئات من العلماء والمريدين ، ولم ينحصر إشعاعه العلمي  بالمغرب بل تعده إلى مناطق أخرى خارج المغرب، وقد أشار تلميذه إبراهيم الهركيتي إلى أن من بين الآخذين عنه، طلبة مشارقة، مؤكد أنه سمع شيخه  التنالتي غير ما مرة يقول : إنه أقرأ في الحرام المكي مقدمة ابن آجروم  في النحو لطلبة مشارقة .

 أما عن منهجه في  التربية والإرشاد فهو يسير على منوال  شيخه ماء العينين  فنجده يلقن أوراد الطرق الصوفية المشهورة في سوس من ناصرية والتيجانية ودرقاوية، لكل من طلب منه ذلك، ويعتبر كل هذه الطرق وغيرها موصلة إلى الله، وقد سأله أحد مريديه عن "المكاشفة" التي تحصل لبعض الصالحين ؟  فأجابه  الشيخ قائلا :

 «إن العبد إذا داوم على التوجه إلى الله، يحصل له نور كالذي تكتسبه المرآة المتوجهة إلى نور الشمس، لم تلبث ينعكس عليها ذلك  النور حتى ينكشف ما حولها، كذلك العبد المتوجه إلى الحق سبحانه تنكشف له الأمور كلها بفعل النور الذي انعكس على قلبه لمداومته على التوجه والاتصال بمولاه » . وكان من عادته أيضا تفقد أحوال الطلبة والمريدين، وقد شكا إليه أحد تلامذته كثرة ذنوبه وإصابته بداء الغفلة عن الله، فقدم له الشيخ وصفة  عجيبة  قائلا له : « خذ أوراق اليقين وعروق النية واجعلها في مهراز التوكل، ثم ادققها دقا جيدا واجعلها في قدور الرجاء وأوقد تحتها نار الخوف، وبعد طبخها أفرغها في مواعين الصدق وروحها برائحة الكتاب والسنة، ثم اشربها في كأس الصبر فإنك ستبرأ إن شاء الله ».

 مما اشتهر عنه رحمه الله نصحه للناس وإرشادهم وتوجيههم إلى الخير، وكان دائما يردد قولة الإمام الشافعي أمام طلبته : « احرص على ما ينفعك وافعله ودع كلام الناس فإنه لا سبيل لأحد إلى السلامة من ألسنتهم ».

 ومما يوثر عنه كذلك قوله :

                          اجعل همومك هما واحدة   ***    ِرضى المهيمن تحظ بالمنن

دخل –رحمه الله - في الستة أشهر الأخيرة من حياته في  شبه غيبوبة لكن لسانه لا يفتر عن ذكر كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وبقي على ذلك الحال إلى أخر نفس في حياته .

مصادر الترجمة :

• الرتائم الجميلة في ذكريات الحبيب الجليلة لتلميذه عبد الله الفارسي .

• الشيخ بين يديك للفقيه إبراهيم أيت بونصير .

• المعسول 4/ 83- 273 و17/ 282-288.

• سيدي الحاج الحبيب التنالتي، فكره وجهاده، أعمال ندوة نظمت في بيوكرى وتنالت أيام: 29-30 أبريل فاتح ماي 2005 ، من منشورات كلية الآداب  والعلوم الإنسانية بأكادير.

المصدر