زاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير ببني عياط:

أضيف بتاريخ 10/16/2018
عبد المغيث بصير

تنسب هذه الزاوية للشيخ المربي العارف بالله سيدي إبراهيم البصير رحمه الله المتوفى سنة 1364هـ/1945م ،وهو الذي أسسها ببني عياط، وهي تتبع إداريا لعمالة أزيلال التي تبعد عنها بحوالي 83 كيلو متر، وهي أقرب ما يكون من مدينة بني ملال بحوالي 33 كيلو متر، يقصدها الزوار عبر الطريق الرئيسي الرابط بين بني ملال ومراكش، تقع على قدم جبال الأطلس المتوسط .

والشيخ سيدي إبراهيم البصير رحمه الله ينتمي لأسرة عريقة اشتهرت بالصلاح والولاية في منطقة الساقية الحمراء وموريتانيا والسودان وسوس ،وبنت العديد من الزوايا بهذه الأصقاع، وهو ينتمي لأسرة آل البصير المنحدرة من قبائل الرقيبات وبالظبط من فخذة المؤذنين المنتسبة إلى علي بن أحمد الركائبي، وبقيت تنتقل هذه العشيرة الشريفة تحت ظروف الجفاف والاستعمار بين الصحراء وسوس إلى أن التقى الشيخ سيدي إبراهيم بشيخه الشيخ سيدي الحاج علي الإلغي السوسي الذي أخذ عنه الطريق الدرقاوية وأذن له في أمر الدعوة إلى الله والخروج إلى السياحة الصوفية .
وهكذا عرفت زواياهم بمراكش والرحامنة والدار البيضاء وبني مسكين وقصبة الزيدانية إلى أن استقر بهم الأمر أخيرا بمنطقة بني عياط ،التي بنيت بها زاويتهم المعروفة اليوم باسم :" زاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير ". 
عُرف الشيخ سيدي إبراهيم البصير رحمه الله أول ما عرف بمنطقة الساقية الحمراء وموريتانيا والسودان طالبا للعلم حينا وممارسا للتجارة حينا آخر ومترددا على أهل الصلاح والولاية في أغلب الأحيان، وكان هذا حوالي سنة 1296هـ/ 1878م .

وكان هَمُّ الشيخ سيدي إبراهيم البصير الأكبر أثناء سن التمييز القيام بكلفة الأسرة التي كان قوامها ما يفتح الله به عليه من هبات يجود بها الأحباب ، حيث لا حرث ولا كسب لها ... فكان هذا سببا في ميلاد فكرة التجارة لديه ... فأول ما فتتح به هذا الباب كتانا وأقمشة متنوعة بالدين من " هشتوكة" فتوجه بالكل إلى شنقيط ،لكنه لم يفلح في مسعاه، وذلك أن الجود والكرم أتى على كل ما بحوزته ،وكان هذا سنة 1308هـ / 1890م. 
وحين ذهب غالب ما بيده من التجارة بلا فائدة خرج قاصدا السودان ، فلقي هناك شيخا يدعى سيدي محمد المجتبى ، وقد حظي الشيخ سيدي إبراهيم البصير في سياحته هذه ببعض قبسات من العلوم في شنقيط ، فقد كثر فيها العلماء وأكبرهم آنذاك الشيخ ولد حماني الغلالي ومنهم سيدي ولد سويدات المقعد ، كان يحمله الخدم في قفة ليلقي تسعة دروس يومية بين الصباح والمساء .
كان هذا الشيخ يدني الشيخ سيدي إبراهيم من مجلسه ويحضره مجالسه الخاصة والعامة،وواظب لديه ما يزيد على السنتين ،فعزفت نفسه على التجارة وذهب ذلك المال كله في سبيل الله وانتفع بصحبة العلماء انتفاعا كبيرا  .
وبعد هذا الوقت سرعان ما عرف الشيخ سيدي إبراهيم البصير بسوس حيث أخذ الورد الدرقاوي عن الشيخ سيدي الحاج علي بن أحمد الإلغي بإيعاز من أبيه الشيخ سيدي امبارك وأخيه الشيخ سيدي محمد البصير، وهذا الشيخ هو الذي أجازه وندبه للدعوة إلى الله منذ الوهلة  الأولى لما وجده في منتهى الاستعداد الحسي والمعنوي .
وكانت أول وجهة توجه إليها في سياحته الصوفية هذه هي منطقة اصبويا التي نجح فيها نجاحا منقطع النظير وكون فيها أتباعا كثيرين على رأسهم القائد البشير الصوابي .
وبعد هذه الفترة ظهر الشيخ سيدي إبراهيم البصير بمراكش حيث بنى زاوية بمنطقة الرميلة وسلمها لشيخه الشيخ سيدي الحاج علي الإلغي ،ثم قصد منطقة الرحامنة قرب ابن كرير فبنى هناك زاوية لا تزال عامرة إلى الآن ، ولقي القبول والإقبال فاستجاب لدعوته الفقراء والأغنياء والعلماء والعوام والقواد كالقائد العيادي والقائد عبد السلام البربوشي.
وفي سنة 1325هـ / 1906م دخل الشيخ سيدي إبراهيم البصير ومن معه من الأتباع منطقة بني مسكين وأسس زاويته بالبروج، ومكث سنوات يدعو إلى الله و يبصر الناس بشؤون دينهم.
هذا وإن الظروف العامة لم تسمح للشيخ سيدي إبراهيم البصير أن يستقر في مكان معين ،لأن الاستعمار الفرنسي كان يلاحقه طول الوقت، فخرج تحت هذه الظروف إلى قصبة الزيدانية ، ومنها خرج قاصدا الجبل سنة 1331هـ / 1912م حيث قبيلة تزكي ، وقبل أن يحتل المستعمر "دار ولد زيدوح " و "بني ملال " نزح الشيخ سيدي إبراهيم البصير إلى أدغال الأطلس المتوسط وبالتحديد إلى "إيرزان " من آيت بوزيد ،وانتقل أيضا إلى "آيت وايو" الجبلية من بني عياط بعدما أهدوه آيت بوجمعة مكانا ليبني فيه الزاوية سنة 1332هـ /1913م ،ومكث هناك سبع سنوات ، ثم استقر أخيرا في بني اعياط السهلية،لأن المريدين الذين كانوا يزورونه في الجبل يتكبدون مشاقا في الوصول إليه ، وهذا هو السبب الذي دعاه إلى النزول إلى السهل وبناء الزاوية التي لا زالت معروفة باسمه " زاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير "
قال عنه مريده المؤرخ العلامة سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله :"  سيدي إبراهيم البصير الشيخ الكبير القدر الذي ظهر ظهورا كبيرا بين مشايخ الصوفية في هذا العصر وله بينهم مكانة لا تخفى ...فعرفنا أنه في الحقيقة رجل خلق صوفيا روحانيا يزهد في الدنيا بطبيعته ولا أرب له إلا أداء حق ربه ... وقد نجح تمام النجاح في كل ما زاوله مما خلق له في هذا الميدان ولا ريب أنه من خلق لشيء ثم تيسرت له المدارك التي يتطلبها ثم لاحظته عيون السعادة في عمله، هو رجل فذ في أي ميدان من الميادين الحيوية كان ".
ومنذ هذا الوقت وزاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير ببني عياط في تقدم وازدهار مستمر سواء على مستوى مرافق الزاوية العمرانية أو على المستوى العلمي والنشاط الصوفي ،فإلى جانب تربية المريدين والأخذ بأيديهم بسلوك طريق التصوف، فقد أسس الشيخ سيدي إبراهيم البصير مدرسة قرآنية علمية يحفظ فيها القرآن الكريم لأبناء المسلمين ويتلقون فيها أحكام الدين على مذهب الإمام مالك .
وإن جميع المناطق التي مر منها الشيخ سيدي إبراهيم البصير رحمه الله وخلف فيها أتباعا وزوايا، لا زالت على علاقة وطيدة بالزاوية التي أسسها أخيرا واستقر بها ببني اعياط ،فهم إلى الآن يعدون من مريديها وأتباعها يزورونها بين الحين والآخر وخاصة في مواسمها الدينية من كل عام،هذه المواسم التي يُحيَى أولها في يوم السابع عشر والثامن عشر من ربيع الأول احتفالا بالمولد النبوي الشريف، والثاني في ليلة القدر من رمضان.
وأتباع هذه الزاوية اليوم موجودين بالصحراء المغربية وقبائل آيت باعمران بسوس وأكادير ونواحي تزنيت ومراكش والرحامنة ودكالة والدارالبضاء والشاوية وورديغة وتادلة وآيت اعتاب وقبائل زيان ، وهكذا فأهل الصحراء لا يعرفون هذه الزاوية إلا باسم "زاوية أهل البصير "، وأهل سوس لا يعرفونها إلا باسم " زاوية تادلة "، وأهل المناطق الوسطى والشمال يعرفون هذه الزاوية باسمها :" زاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير ".
وبعد وفاة الشيخ سيدي إبراهيم البصير عام 1364هـ/1945م خلفه على تسيير شؤونها ابنه الشيخ سيدي الحاج عبد الله رحمه الله، ولد هذا الأخير سنة 1317هـ/ 1899م بالأخصاص من سوس، حفظ القرآن في صغره وتربى على يد عمه الولي الأشهر سيدي محمد البصير، وعنه أخذ ورد الطريقة أولا وجدده بعد ذلك على يد والده، ساعد والده كثيرا في تسيير شؤون الزاوية وكان يخلفه في غيبته،كان مثالا للرجل الصالح،استطاع بكده واجتهاده أن يحافظ على استمرارية الزاوية في أحلك الظروف، حيث قرب نهاية الاستعمار وبداية عهد الاستقلال ،كان لا يعرف الهزل أبدا جدي في عاداته وعباداته، معروف بجلاله وهيبته عند الخاص والعام وكان صاحب دعوة مستجابة،وصاحب كرامات وكشف صحيح .
ترأس وفد أعيان أهل الصحراء الذي زار الملك محمد الخامس رحمه الله، وجميع الرقيبات المنتمين لجمعية الشرفاء الرقيبات التي تأسست سنة 1370هـ/1951م جعلوا من الشيخ سيدي عبد الله نقيبا عليهم كي يرعاهم وينظر في جميع مصالحهم وأمورهم لما عرف عنه من صلاح وحسن خلق . 
ونظرا لاهتمامه البالغ بأمور وطنه وبلاده فإن سلطات الاستعمار حاولت اغتياله أكثر من مرة وحكمت عليه بالسجن مرات عديدات  ...وإن الظروف الزمانية التي كابدها الشيخ سيدي عبد الله رحمه الله جعلته يوجه اهتمامه الأكبر إلى توفير لقمة العيش للفقراء (المريدين) المتجردين بالزاوية ولطلبة القرآن بها ولأهله من إخوان وأخوات تركهم والدهم أطفالا صغارا ،كما أنه جدد بناء المحل المخصص للضيوف، وكل هذا لم يسمح بمزيد من النشاط على المستوى الصوفي حيث بقي الحال على ما هو عليه في عهد الشيخ المؤسس .   

وبعد وفاة الشيخ سيدي عبد الله بصير رحمه الله عام 1965م/1386هـ خلفه على تسيير شؤون الزاوية أخوه الشيخ سيدي محمد الحبيب بصير رحمه الله.
ولد الشيخ سيدي محمد الحبيب بالزاوية ببني اعياط سنة 1925م/1344هـ ،وتربى في أحضان والده وأخيه سيدي الحاج عبد الله رحمهم الله ،حفظ القرآن الكريم بمدرسة الزاوية ودرس قبسات من العلوم بمدرسة ابن كرير ،ورجع بعد ذلك إلى الزاوية يخدم الزاوية والفقراء الخدمة الصادقة بعد أن أخذ الورد الدرقاوي عن والده، تفرس فيه والده علامات الولاية والصلاح وهو طفل صغير، وكان يُرى طول الوقت بلباس الخدمة متواضعا يكنس أرجاء الزاوية ويخدم مصالح الزاوية والفقراء بيده .
اشتهر الشيخ سيدي محمد الحبيب بورعه وتقواه وصلاحه وحلمه وكرمه وسعيه الحثيث إلى لم شمل القبائل والعشائر المتنافرة ، يسعى في الصلح بين المتخاصمين وفض النزاعات ،وأوترت عنه كرامات كثيرة ، استطاع بجده المنقطع النظير أن ينهض بالزاوية لتظهر على المستوى اللائق فزاد في مساحة المسجد، وشارك في مجالس الصوفية بالمغرب ، ساح في جل المناطق التي ترك فيها والده المريدين، وعظ الناس داخل الزاوية وخارجها، وحثهم على المحافظة على الصلاة وملازمة جماعات أهل الذكر.توفي رحمة الله عليه سنة 1988م/1409هـ .
أخذ المشعل من بعده أخوه الشيخ سيدي محمد المصطفى بصير الذي عرفت الزاوية في عهده إشعاعا لم يسبق له مثيلا من ذي قبل .
ولد الشيخ سيدي محمد المصطفى بصير سنة 1940م/1360هـ وحفظ القرآن الكريم بمدرسة الزاوية، انتقل بعد ذلك إلى مدرسة علمية بابن كرير، ودرس أيضا بالمعهد الإسلامي بتارودانت ، ودخل جامع ابن يوسف بمراكش وحصل فيه على الشهادة الابتدائية والثانوية سنة 1962م ، وأصبح معلما للتعليم الابتدائي بمدينة الدار البيضاء .
ونظرا لأنه كانت تجمعه بأخيه وشيخه سيدي محمد الحبيب رحمه الله علاقة محبة متينة فإنه أبى إلا أن ينتقل إلى جنبه فأصبح معلما بمدرسة تنفردة ببني عياط قرب الزاوية إلى أن تعرض لحادثة اغتيال سنة 1978م أصيب على إثرها في رجله فأحيل على التقاعد.
وفي هذا الإبان تفرغ الشيخ سيدي محمد المصطفى بصير رحمه الله للتدريس والتعليم بالمدرسة القرآنية العلمية بزاوية والده ، و ألف كتبا تُعرف بزاوية والده وتاريخها ومناقب رجالاتها فألف كتاب" النزر اليسير من مناقب زاوية آل البصير في الصحراء وسوس وبني عياط بالمغرب " وألف كتاب " الاغتباط بزاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير ببني اعياط " وغيرها ،كما أنه كان ينوب عن شيخه داخل الزاوية وخارجها كلما انتدبه ، وبقي هكذا حاله إلى أن توفي أخاه وخلفه من بعده .
سارع الشيخ سيدي محمد المصطفى بصير رحمه الله إلى توسعة المسجد وإعادة بنائه وإعادة بناء بيوت الطلبة بالاسمنت ،كما وسع المنزل المخصص للضيوف سواء منها دار الرجال أو دار النساء، وأمر مريديه وأتباعه ببناء فروع للزاوية في المدن والبوادي.
وفي المجال العلمي شارط أساتذة لتدريس الطلبة وتعليمهم دون أن يغفل عنهم ، فقد كان بنفسه يدرس ويشرف على أمور المدرسة رغم أشغاله الكثيرة ، وبنى مكتبة كبيرة بالزاوية وملأها بنفائس الكتب والمخطوطات من المشرق والمغرب .
وفي الجانب الصوفي التربوي، كثر عدد المريدون والأتباع في شتى الأماكن والأصقاع وحثهم على الإكثار من الذكر وتعلم فقه الدين وإخلاص النيات لله رب العالمين والاجتهاد في العبادة والحرص على ألا تمر الأوقات في فراغ  والتنبه إلى آفات النفوس وأمراضها والشيطان الرجيم وحبائله.
وبفضل علمه الغزير وهمته العالية وجده المتواصل وكرمه الحاتمي ،فإن دعوته وصل مداها إلى الشرق والغرب فصار له أتباع بفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وكندا والسعودية وسوريا والأردن وجنوب إفريقيا وغيرها، بل إنه بنيت فروع للزاوية في بعضها. 
اشتهر بورعه وتقواه واجتهاده في العبادة وأداء الفرائض والنوافل، كما عرف بحبه الشديد للرسول  ، وهو ما دعاه إلى تأليف كتاب في الصلاة عليه ، كان جماليا،وكان لا يعرف المجاملة ولا يخشى في الله لومة لائم ، وكان يجيب دعوات المريدين ولا يفرق بين غنيهم وفقيرهم ،وزار عدة بلدان في الشرق والغرب والجنوب وشارك في عدة ملتقيات داخل المغرب وخارجه.

توفي الشيخ سيدي محمد المصطفى بصير سنة 2006م/1426هـ ، وخلفه ولده الشيخ إسماعيل بصير، هذا الأخير الذي ولد سنة 1973م ، دخل في أول الأمر للتعلم بالمدرسة العمومية وعرف بنجابته وذكائه واجتهاده، تفرس فيه عمه الشيخ سيدي محمد الحبيب رحمه الله علامات الخيرية وهو طفل صغير فأمر والده الشيخ سيدي محمد المصطفى رحمه الله بإخراجه من المدرسة العمومية للتعلم بمدرسة الزاوية ،وهكذا كان فقد حفظ القرآن الكريم ودرس بها بعض العلوم على يد والده، وظل طول الوقت يخدم عمه ووالده رحمهم الله ،خدمهم بصدق وتفان ،وكان هو الذي يقوم بجميع شؤون الزاوية في عهد والده، وكان يكتفي بإذنه واستشارته، ولازال حال هذه الزاوية على ما كانت عليه في حياة والده من الريادة والنشاط على جميع المستويات .
أخيرا إن زاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير الدرقاوية الشاذلية تعد من الزوايا التي لازالت نشيطة في العصر الحاضر، ويقل لها نظير في العالم الإسلامي كله، تجمع بين الأصالة والمعاصرة ، بابها مفتوح على مدار الساعة تستقبل الضيوف وتكرمهم، وتخرج الطلبة بعد تعليمهم، وترشد الناس وتعظهم بالحكمة والموعظة الحسنة لما فيه صلاح أحوالهم وأمورهم، وهي اليوم تمثل التصوف السني الحي البعيد عن البدع والخرافات، مجالس الذكر والصلاة على الرسول  لا تنقطع بها ، ومدرستها تهتز بقراءة القرآن الكريم صباحا ومساءا، جوها الداخلي مليء بالحيوية والنشاط.