كتاب دراسات في تاريخ التصوف بالمغرب - مؤسسة محمد بصير لأبحاث و الدراسات و الإعلام

أضيف بتاريخ 11/19/2018

تمتد جذور التصوف بالمغرب إلى البدايات الأولى للفتح الإسلامي، فالإسلام بطبيعته الإحسانية هو الذي حمل معه المبادئ الأساسية للممارسة الزهدية إلى البلاد المغربية، حيث كان التدين وتحسين الخُلُق الباعث الأساس لتلك الممارسة ولتلك السلوكات الدينية التي مارسها زهاد وعُبَّاد القرون الأولى، والتي شكلت مع مرور الوقت الإرهاصات الأولى للتصوف المغربي، ثم تطورت التجربة الصوفية مع توالي السنين بفعل تلاقح الثقافات وتراكم التجارب إلى أن أصبحت فلسفة اعتقادية أواخر الدولة المرابطية.
وخلال مسارها النشوئي والتطوري هذا، عرفت الظاهرة الصوفية مجموعة من التلوينات والتغييرات سواء على مستوى الممارسة والسلوك، أم على مستوى الفكر والتنظير، فالزهاد والعُبَّاد الأوائل تميزوا على مستوى الزهد بالإغراق في التقشف، وعلى مستوى العبادة بالتشدد والصرامة، كما يبدو أيضا أن زهد هؤلاء لم يتعد الممارسات الأحادية الفردية، أي أن كل زاهد كان يمارس زهده بشكل انفرادي دون الالتزام بطقوس أو قواعد محددة، ودون تنسيق مع غيره من الزهاد، مما يفيد غياب جهاز صوفي جماعي منظم له مقوماته ورجاله وأسسه الفكرية المميزة، ثم تطورت هذه السلوكات والممارسات التعبدية وشُذِّبَت في القرون الثلاثة الموالية بفعل التجذر الإسلامي في البلاد المغربية من جهة، وهبوب النفحات الصوفية المشرقية والأندلسية على عُبَّاد وزُهَّاد المغرب من جهة ثانية، فظهرت بوادر نضج التجربة الصوفية -ممارسة وتنظيرا- مع أواخر القرن الخامس الهجري ومطلع القرن السادس/ 12م، حيث أصبحت أكثر تنظيما وتأطيرا، وانتقلت الممارسة الزهدية من الفردية إلى المستوى الجماعي، أي أصبحت ممارسة صوفية ممنهجة.
وقد تم هذا التحول في شكلين متوازيين: الأول على مستوى التنظيم، والثاني على مستوى التنظير، فعلى المستوى التنظيمي ظهر ما يسمى بالمقامات، وهي عبارة عن قوالب ومدارج تؤطر الممارسة الصوفية، إذ لا يمكن الانتقال من مقام إلى آخر إلا بعد استيفاء أحكام المقام الأسبق، فصار الطريق واضحا يتأطر في شكل مسار نتيجة لهذا التنظيم، ومن ثَمَّ سمي هؤلاء بأهل الطريق، أما على مستوى التنظير، فقد ظهر عدد من الكتب المشرقية والمغربية التي تنظر للفكر الصوفي ولأهل الطريق.
لقد ساهم التنظير والتنظيم السلوكي في بروز أسماء لامعة في التصوف على الساحة المغربية لفتت إليها الأنظار من خلال تميزها الصوفي، فتحلق الزهاد والمتصوفة حول هؤلاء الأقطاب متخذين إياهم نماذج للاقتداء في السلوك الصوفي، وهكذا أصبح لهم مريدون وأتباع، وهو ما جعل الممارسة الصوفية في المغرب تتخذ شكلا جديدا، إذ أصبحت تتم في شكل جماعات عرفت بالطائفات أو الطايفات، وهو تحول ساهم في إذكاء روح العصبية للانتماء الصوفي أو القبلي، فكانت النتيجة هي ظهور صوفية غلاة سواء في الناحية النظرية والفكرية، أم في الناحية السلوكية والأخلاقية، مما أدى إلى انحدار الممارسة الصوفية من صفائها الروحي إلى مجموعة من الطقوس وشكليات وتظاهرات شاذة، الشيء الذي جعل الأصوات تتعالى داعية إلى نبذ كل التعصبات والإديولوجيات الفلسفية، مما مهد الطريق لمجموعة من الشخصيات الإصلاحية في محاولة لتوحيد الأمة الإسلامية متخذة في ذلك طرقا مختلفة كان أبرزها طريق التصوف، التي اشتهر فيها أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ/ 1258م)، صانع طفرة التوحد الصوفي بالمغرب.
لقد كان للجدة التي جاءت بها التجربة الشاذلية دور أساسي في انتشارها وتفوقها على باقي التجارب الصوفية التي عاصرتها، حيث أصبح جل الزُّهَّاد والمتصوفة ينشدون الانتساب إليها، مما أكسبها انتشارا واسعا في الأمصار الإسلامية على عهد شيخها، خاصة في المشرق والأندلس.
أما في المغرب، فقد تحققت لها السيادة المطلقة منذ أواخر القرن 8هـ/ 14م حتى قيل: “إن الطريقة الشاذلية نسخت سائر الطرق كما نسخت الملة المحمدية سائر الملل”، وهو نسخ رَدَّهُ المهتمون بتاريخ التصوف المغربي إلى انخراط الطايفات الصوفية المغربية في المنظومة الشاذلية التي أخضعت نفسها من جهتها للتقاليد الطائفية، ولنمط التربية الاصطلاحية المتبع عند أرباب تلك الطوائف، مما أدى إلى توحد المشهد الصوفي المغربي نحلة وأصولا.
لكن هذه الوحدة لم تستمر طويلا، ذلك أن التلاقح الذي حدث بين الطوائف الصوفية وبين الطريقة الشاذلية أثر على هذه الأخيرة، وساهم في تحريف الكثير من مضامينها، ذلك أنها فُهِمَت على غير حقيقتها عند الكثير من الصوفية الذين بالغوا في الاستفادة من رخصها منحرفين عن فلسفتها وهدفها العام، الشيء الذي حدا بعلماء الطريقة إلى التدخل لتنقيتها مما علق بها من إضافات وزوائد، وتقويم ما انحرف من مبادئها وأسسها، وأشهرهم الشيخ امَحمد ابن سليمان الجزولي (ت870هـ/ 1464م)، والشيخ أحمد زروق البرنسي الفاسي (ت 899هـ/ 1493م) اللذان حملا مشروع إصلاح التصوف المغربي بدعوتهما المتصوفة إلى التسلح بالعلم، والفهم الجيد للتصوف الشاذلي.
هذا التجديد الجزولي-الزروقي لم يستطع هو الآخر أن يضمن السيادة المطلقة للنحلة الشاذلية القائمة على ثنائية العلم والعمل أكثر من قرن من الزمن، حيث ظهرت طرق وطوائف جديدة زعزعت أشكال ونمطية الممارسة الصوفية بالمغرب، كما تغيرت وسائل وطرق المجاهدة، فانتقلت من السعي إلى تحسين التدين عن طريق الذكر والتعبد بكل أشكاله، إلى حلقات السماع والحضرة، واعتماد أسلوب التجريد ظاهرا وباطنا، الأمر الذي أحدث انشطارا كبيرا في التصوف المغربي كان من نتائجه ظهور طوائف وطرق أخرى أكثر إبداعا على مستوى الممارسة الصوفية، كان لها الفضل في رسم معالم مرحلة جديدة في التصوف المغربي أكثر غنى وثراء وتنوعا لازالت ملامحها بادية إلى عصرنا الحالي.
وهذا الكتاب يمتح من هذا الثراء والغنى والتنوع الذي عرفته الممارسة الصوفية بالمغرب منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم، حيث يقدم مجموعة من المقالات والدراسات التي اعتنت بدراسة الظاهرة الصوفية بالمغرب، وذلك من خلال بسط الحديث عن بعض القضايا الصوفية التي أسالت الكثير من المداد ما بين مؤيد ومعارض، كظاهرة “الحضرة” والسماع الصوفي، وقضية تفسير القرآن الكريم بالظاهر والباطن، وأيضا من خلال عرض واستقراء تاريخ بعض الطرق والشخصيات الصوفية التي كانت لها إسهامات معتبرة في رسم ملامح التجربة الصوفية داخل المشهد المغربي، كالطريقة الجزولية التي تعتبر من أكبر وأشهر الطرق الصوفية بالمغرب، والتي كان لشيخها امَحمد ابن سليمان الجزولي إسهام كبير في إصلاح التصوف بالمغرب، مرورا بالطريقة الدرقاوية التي أحدث تزلزلا قويا في نمطية التصوف المغربي بسبب الطقوس والجِدَّة والوسائل التربوية التي جاءت بها، وعطفا على القادرية التي تبناها الشيخ الحاج العربي العبدوني وأنشأ من أجلها زاويته النزاغية بالشاوية، ووصولا إلى الزاوية البصيرية كزاوية معاصرة مجددة لا زالت تحتفظ بجميع طقوس وشروط الممارسة الصوفية كما أرساها الأوائل من أرباب هذا الفن.
وفي الختام، أشير إلى أن هذه الدراسات، هي أبحاث شاركت بها في ملتقيات وندوات علمية مختلفة، وأغلبها نشر في بعض المجلات والدوريات الوطنية والدولية، جمعتها هنا تسهيلا لاطلاع القراء عليها، فأرجو أن تكون في مستوى تطلعات القارئ، وأن يجد فيها الفائدة والمتعة، والله الموفق.
د.الجيلالي كريم
أستاذ باحث، متخصص في تاريخ التصوف المغربي، ابن أحمد.


المصدر : http://fondation.albassiria.ma/276-2/...