حياة ابن عطاء الله التصوفية : كيف بدأت حياته التصوفية ؟

أضيف بتاريخ ٠٣/٣٠/٢٠١٨
أقطاب


نشأ " ابن عطاء الله ، منكرا على الصوفية ، وعلى ما يعبرون عنه من علوم وأذواق بحكم بيئته وثقافته الفقهية المتقيدة بظاهر النصوص الشرعية ، والتي لا تسيغ التصوف من حيث هو علم لأحكام الباطن ، فقد كان جده لوالده أحد فقهاء عصره المنكرين على الصوفية أشد الإنكار .

ومن كان ينكر عليهم " ابن عطاء الله ، من الصوفية الشيخ " أبو العباس المرسي ‘‘ أشهر صوفية الإسكندرية في عصره . .

لكن هذه الخصومة وهذا الإنكار أثار في نفسه عدة خواطر ، جعلته يحاسب نفسه ، وإذا بهذه المحاسبة تشتد وتعنف ، وإذا به يحس من نفسه أزمة شديدة ، خشی معها أن يكون منكرا على الشيخ بغير حق، ولذا اندفع بشدة إلى مجلس " أبي العباس ‘‘ ، ليتبين ما إذا كان محقا في إنكاره و خصومته أم ليس الأمر كذلك ، وبعد هذا اللقاء اقتنع " ابن عطاء الله ‘‘ بأبي ” العباس المرسي ‘‘ وأقر بعلمه وفضله ، وذهب ما كان عنده من إنكار ، وانبهر عقله بما سمعه من علوم الحقيقة ، ثم طرأت على " ابن عطاء الله ،، حالة من حالات الوجد أن الخاصة ، وهي حالة من حالات القلق ، لا يدر كنه ، ولا يعرف سببه ، وهكذا لم يجد ’’ ابن عطاء الله ،، بدا من أن يلتجيء إلى الله لعجزه وقصوره فهو لم يتوصل بعلمه وفكره إلى ما فيه غناء قلبه .

ومن ثم فكر في أن يعود إلى الشيخ " إلى العباس ‘‘ مرة أخرى ، فهو رجل عارف بالله ، وبطرق السماء ، ويمكن أن يتخذه مثلا أعلى ، وهو الوحيد الذي يبدو أنه قادر على إزاله همومه وهواجسه ، وبعد هذا اللقاء بشيخه تحولت حالة القلق النفسي المبهم إلى حالة من الاستقرار النفسي ...

وهكذا كان " أبو العباس ، طبيبا روحانیا عالما بكمالات القلوب وأمراضها وأدوائها ؛ ولذلك اتخذه " ابن عطاء الله ،، في حياته الصوفية مثلا أعلى في العلم والأخلاق ، وقد صحب ’’ ابن عطاء الله ‘‘ شيخه « المرسي » اثني عشر عاما وتلقی عنه الطريقة الشاذلية .

حياته سالکا

كان " ابن عطاء الله ‘‘ ملازما لشيخه ملازمة تامة على غير ما كان عليه بعض تلاميذ ’’ المرسي، ولذلك كان شيخه يحبه كل الحب . وقد أثر التوجيه السلوکی من الشيخ " أبي العباس ، في " ابن عطاء الله ،، تأثيرا كبيرا ، فقد شكل مذهبه الصوفي في قواعد السلوك بأسره ، وهكذا كانت حياته الصوفية العملية ذات أثر بعيد في تشكيل مذهبه النظري .

وقد شكل هذا التوجيه في الطريق مذهب " ابن عطاء الله ، في إسقاط التدبير في السلوك ، وكان " ابن عطا الله ، في طور سلوکه يتمثل الشيخ " أبا العباس المرسي ، أمام ناظريه كلما حزبه أمر ، أو وقع في ضيق ، وليس هذا بغريب ما دام ينظر إلى شيخه باعتباره المثل الأعلى في السلوك والأخلاق . ’’ فابن عطاء الله ،، كان خاضعا في حياته الصوفية لما يخضع له السالكون من إشراف شیخ مرشد بصير عارف بالطريق إلى الله ، ولما يصنعونه من مجاهدة النفس ، ومحاربة الخواطر المذمومة ، بغية التوصل إلى الكمال الأخلاقي . ومازال شيخه يتدرج به في منداح الطريق حتى غرس في قلبه المعرفة ، فأينعت ثمراتها ، وفاحت زهراتها ، وليس من شك في أن الوصول إلى المعرفة بالله كان أسمى ما وصل اليه ’’ ابن عطاء الله ،، بل وكل صوفي سالك للطريق إلى الله .

حياته صوفيا كاملا

وهكذا أصبح " ابن عطاء الله ، على يدي شيخه " المرسى ‘‘ صوفيا كاملا ، واصلا إلى الله تعالی عارفا به . وبعد هذا قام " ابن عطا الله ،، بدوره كصوفي مرشد ، وكرس حياته للدعوة إلى طريق الله وتهذیب المريدين على طريقة الشاذلية ، وكان له فيها شأن أي شأن .

دوره في الطريقة الشاذلية

تتلخص تعاليم الطريقة الشاذلية التي ينتمي إليها صوفينا ’’ ابن عطاء الله ،، في أصول خمسة هي : تقوى الله في السر والعلانية ، واتباع السنة في الأقوال والأفعال ، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار ، والرضا عن الله في القليل والكثير ، والرجوع إلى الله في السراء والضراء .

وأبرز تعاليمها كذلك مبدأ القول بإسقاط التدبير والاختيار ، وهو الأصل الذي يبني عليه الطريق كله ، وهو المبدأ الذي عمقه ’’ ابن عطا الله ، وجعله مذهبا كاملا في التصوف.

ولم يترك ” الشاذلي ،، مصنفات في التصوف ، ولا تلميذه " أبو العباس المرسى ، وكل ما خلفاه جملة أقوال في التصوف ، وبعض الأدعية والأحزاب ، وكان

" ابن عطاء الله ،، هو أول من جمع أقوالهما ، ووصاياهما وأدعيتهما ، وترجم لهما ، فحفظ بذلك تراث الطريقة الشاذلية الروحي ، ولولاه لضاع هذا التراث ، ثم كان إلى جانب هذا أول من صنف مصنفات كاملة في بيان آداب الطريقة الشاذلية النظرية والعملية ، ومن هنا جاءت أهميته البالغة في الطريقة والتعريف بها ، وبقواعدها لكل من جاء بعده .

واذا كان " لابن عطاء الله ،، هذه الأهمية الكبرى في حفظ تراث الطريقة من الناحيتين النظرية والعملية ، فإن له أهمية أخرى من ناحية نشر الطريقة بمصر ، وبغيرها من الأقطار الإسلامية ، وبعبارة أخرى له أهمية في سند الطريقة من حيث تلقين العهود حتى إنه يمكن القول بأن جميع طرق الشاذلية ترجع بالسند إلى شيخنا السكندري .

عن كتاب 

الحكم العطائية 

إعداد ودراسة محمد عبد المقصود هيكل

إشراف ومراجعة الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين