ابن عطاء الله السكندري : عصره من الناحية الدينية ودوره في مدرسة الإسكندرية المالكية

أضيف بتاريخ 03/28/2018
أقطاب


تقع حياة " ابن عطاء الله السكندري ، في النصف الأخير من القرن السابع الهجري ، وفي العقد الأول من القرن الثامن الهجري ، فما هي خصائص هذه الحقبة في مصر من ناحية المذاهب الدينية ؟. يحدثنا التاريخ بأن مذهب الشيعة كان قد اختفى بمصر منذ أواخر القرن السادس الهجري حين قضي عليه السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 564 ه وسادت بمصر منذ ذلك الوقت مذاهب أهل السنة . .

وحين نشأ « ابن عطاء الله ، في النصف الثاني من القرن السابع الهجري - وجد المذهب المالكي الذي ينتمي إليه قد أصبح على قدم المساواة مع جميع مذاهب أهل السنة الأخرى ، كما وجد السيادة العقيدة أبي الحسن الأشعري .

وكان للمذاهب الدينية السائدة في هذا العصر أثر كبير في اتجاه ’’ابن عطا الله ،، الديني ، فقد كان مالكي المذهب من ناحية ، ومصطنعا عقيدة أبي الحسن الأشعري الكلامية من ناحية أخرى . و كان بمدينة الاسكندرية على عصره مدرسة فقهية مالكية معروفة أسسها الشيخ أبو الحسن الإبياري من أكبر علماء المالكية في عصره ، والمتوفي سنة ۶۱۸ ه.

وكان " ابن عطا الله ، من حيث هو فقيه مالکی منتسبا إلى هذه المدرسة . ثم كان في طور اکتاله كفقيه امتداد لهذه المدرسة السكندرية ، إذ كان يدرس في الأزهر العلوم الظاهرة من فقه وحديث وغيرها، إلى جانب تدريسه للتصوف ، ووعظه للعامة من الناس .
وقد صنف " ابن عطاء الله ،، في فقه المالكية ، وذكر له السيوطي مصنفا فيه عنوانه " مختصر تهذیب المدونة للبرادعی ‘‘.

عصره من الناحيتين السياسية والاجتماعية
تقع حياة صوفينا السكندرى كلها إبان حكم دولة المماليك البحرية التي كان أول ملوكها المعز أيبك التركماني المتوفي سنة 656 ه.
وكانت الحياة السياسية في مصر في النصف الأخير من القرن السابع الهجري - غير مستقرة من الناحية السياسية ؛ لأن التتار حاربوا سلاطين المماليك ، وهددوا مصر تهديدا مستمرا إبان الفترة الواقعة بين سنتی ۱۷۰ ه و ۷۰۲ ه.

وكذلك كان نظام الحكم استبدادية ، ينفرد فيه السلاطين بجميع السلطات ، وكثيرا ما كانت تحدث الفتن والمؤامرات بين المماليك والسلاطين ، طمعا في الوصول إلى الحكم فلم يكن ثمة استقرار داخلى أيضا .

وكان سكان مصر ينقسمون إلى طبقتين متمایزتين تماما : إحداها : طبقة المماليك ، وهي الفئة القليلة من الحكام العسكريين الذين يمثلون الأرستقراطية الحربية ، والأخرى هي العامة من المصريين ، ولم يكن لهم أي صوت في حكم البلاد .

وإلى جانب هاتين الطبقتين طبقة ثالثة ، وهي وإن كانت من الشعب إلا أن. أفرادها كانوا يتمتعون باحترام السلاطين ، وكانت هذه الطبقة هي الحائل الوحيد بين استبداد السلاطين والشعب ، وهي طبقة العلماء من الفقهاء والصوفية .

وكان " ابن عطاء الله ، من حيث هو فقيه وصوفي بارز في عصره - من هذه الطبقة الثالثة ، فكان لا يخشى بأس هؤلاء السلاطين ، ويرى أن من أهم واجبات الصوفي - أمر الملوك بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر إذا كانوا على غير الجادة القويمة ، والرحمة بجميع العباد ، والشفقة بالفقراء، والانتصار لهم ، وتقديمهم على الأغنياء ، وأبناء الدنيا من الملوك والأمراء .

و «لابن عطاء الله ، في هذا موقف مشهود ، يقول عن نفسه في " لطائف المنن ... ولما اجتمعت بالسلطان الملك المنصور لا جين رحمه الله قلت له : " يجب عليكم الشكر لله ، فإن الله قرن دولتكم بالرخاء ، وانشرحت قلوب الرعايا بكم ، والرخاء أمر لا يستطيع الملوك تكسبه . ولا استجلابه ، كما يتكسبون العدل والجود والعطاء .

قال : وما هو الشكر ، قلت : الشكر على ثلاثة أقسام : شكر اللسان ، وشكر الأركان ، وشكر الجنان ، فشكر اللسان التحدث بالنعمة ، قال تعالى : " وأما بنعمة ربك فحدث ،، وشكر الأركان العمل بطاعة الله ، قال سبحانه وتعالى : « اعملوا آل داود شكرا » ، وشكر الجنان الاعتراف بأن كل نعمة بك ، أو بأحد من العباد هي من الله ، قال تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ، فقال : وما الذي يصير به الشاكر شاكرا ، قلت له : إذا كان ذا علم فبالتبيين والإرشاد ، وإذا كان ذا غنی فبالبذل والإيثار للعباد ، وإذا كان ذا جاه فبإظهار العدل فيهم ، ودفع الأضرار والأنكاد (۱).

فهذا موقف مشرف وقفه ’’ ابن عطاء الله ، من أحد سلاطين عصره ، ينطوي على علو همته ، وشدة زهده في الدنيا ، وثقته بالله وبنفسه ، وهو صفحة مشرقة في تاريخ التصوف المصرى ، تبين أن الشعب لم يكن يستكين دائما لسلاطينه المستبدين ، وإنما كان من أبنائه صوفي - كابن عطاء الله ‘‘ يقف في وجه السلطان منهم ، يعظه حين يراه محتاجا إلى الوعظ، ويحثه في عبارة بليغة على أن شكر نعمة الملك والجاه والسلطان - لا يكون إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس ، ودفع الأضرار والأنكاد عن الرعية .

عن كتاب 
الحكم العطائية 
إعداد ودراسة محمد عبد المقصود هيكل
إشراف ومراجعة الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين