نص العرض الذي ألقاه أحمد التوفيق وزيرالأوقاف والشؤون الإسلامية في اليوم الثاني من ملتقى سيدي شيكر 12 يوليوز 2009

الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين
حبيبنا وشفيع أمتنا سيدنا محمد النبي الأمين
عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم


نص العرض الذي ألقاه أحمد التوفيق وزيرالأوقاف والشؤون الإسلامية
أيها السادة
أيتها السيدات

عندما يتدبر الصوفية طريقتهم فإنهم يجدون أنفسهم أمام مفاهيم لا محيد عنها ولا بديل لها، وهي محدودة العدد لأنها أصل، ألا وهي القيم والأخلاق والاستقامة، وقد دارت حولها العروض المقدمة في هذا اللقاء وترددت على ألسنة الشيوخ الذين تدخلوا في الجلسات. ولما كانت القيم والأخلاق وتحقيقها بالاستقامة مفصلة في تقوى الله وخشيته وطالب رضاه فهي مرتبطة بالباطن الذي يتطلب التمرين والتزكية والتطهير ولذلك صار لها البعد العمودي المتميز عن البعد الأفقي الذي تنتظم فيه أنواع التخليق التي سيستمدها عامة الناس من مختلف الأفكار والمبادئ المدنية،

وهنا يتبدَّى لنا أن الصوفية اليوم قادرون على حسم الإشكال المطروح لهم وللقيمين الدينيين في الوقت نفسه، وأقصد العلماء والأئمة المساجد، هذا الإشكال يتعلق بالعلاقة مع الفعل والنشاط السياسيين، فقد صدرت عن بعض الشيوخ دعوة بالأمس إلى ضرورة انخراط الصوفية في القضايا المطروحة على بلدان المسلمين، وطرحت دعوة أخرى تدعوهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومثل هذه الدعوات تقابلها اتهامات موجهة إلى الصوفية يلقى ترحيبا من لدن جهات أجنبية لأنه ليس جهاديا بالمعنى السياسي.

إن تاريخ التصوف يكذب هذه الافتراءات، ولكن السؤال المطروح هو الآتي: هل المنتسبون إلى التصوف جسم اجتماعي لا سياسي ينبغي تحويله في نظر البعض إلى جسم اجتماعي سياسي؟ في الجواب عن هذا السؤال يكمن حل الإشكال، ذلك لأن المنتسب إلى التصوف لا يمكن أن يكون لا سياسيا لأنهم في المجتمع إذ كل ما هو اجتماعي هو سياسي بالضرورة، غير أن السياسة اقتراحات جزئية والتصوف اقتراحات من منطلقات قيمية كلية تتحقق بالظهور على الصعيد سلوك الفرد ثم الجماعة، وبمعنى آخر فالطرق الصوفية يفترض فيها أن تكون بمثابة لبنات هي الأفراد صالحة للبناء، فبناء مختلف الصروح الاجتماعية من الأسرة إلى الحزب السياسي إلى الأمة، وقد اقتبسنا مصطلح اللبنة من قوله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن هرم الأنبياء عليهم السلام "أنا لبنة التمام".

فإذا كانت الطرق الصوفية معامل ومدارس لتخريج الأفراد الذين لا يظلمون أنفسهم ولا يظلمون الناس، الذين يتخلون ويتحلون فإن كل الهيئات الخادمة للناس بأشكالها المجتمعية والسياسية الحالية والتي لا غنى عنها ولا بديل لها تحتاج إلى بضاعة هذه المعامل وثمرة تربية تلك المدارس،

وهكذا فإن الصوفية لا يمكن أن يظلوا في الزوايا بالمعنى السياسي، أي في هوامش المجتمع، لأنهم مواطنون وشهود ناصحون، فإذا دخلوا في أي بناء كان صحيحا سليما بسلامة اللبنات التي يمثلونهم فيتعرف عليهم الناس بالتميز بالصدق والإخلاص ويتعرفون على أسباب تميزهم بالتخرج من مدرسة التصوف، ويمكن أن يصدق ذلك على صغار الفاعلين المندرجين في كل الخدمات كما يمكن أن يصدق على أصحاب المسؤوليات الكبرى في المجتمع. بدون هذه النظرة الاندماجية سيظل التصوف عملة بين عملات رائجة في حين أن المطلوب أن يكون قيمة تضفي سعرها على العملات الرائجة في جميع مستويات التنظيم البشري.

أيها السادة
أيتها السيدات

مثل هذه الإشكالية لا تثار ولا تحسم بهذه العجالة وإنما أردت بالإشارة إليها إعطاء نموذج للقضايا الفكرية التوجيهية التي يتوجب على مجمع للتصوف أن ينكب عليها، وفي ذلك أخذ للكتاب بقوة وسبيل إلى الخروج من الحيرة والحماسة والرضا عن النفس في حين أننا مهددون بأن نعيش مع الزمن في مفارقة، والواجب يفرض علينا انخراطا تاما في هموم جماعاتنا المحلية والوطنية والدولية وبالأسلوب المنسجم مع قيم التصوف التي نحرم منها الإنسانية ما لم نجد جسورا مثلى للتواصل معها.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم

{0} تعليقات | none