الحمد لله الذي شرح صدورنا للإسلام، ومَنَّ علينا بمعرفة الحلال والحرام، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أما بعد:
فإن شريعتنا الغراء تتميز بخصائص فريدة، لا تتوافر في غيرها من الشرائع والأنظمة الأخرى. ومن أبرز تلك الخصائص: جمعها بين الثبات والمرونة، فهي ثابتة في أصولها، لا تتغير ما دامت السماوات والأرض، ومرنة في الوقت ذاته قادرة على استيعاب كل نازلة من النوازل.
لقد سايرت الشريعة الإسلامية بذلك كل تغير وتطور أحدثته البشرية عبر القرون المختلفة، والأماكن المتباينة، والظروف المتنوعة، والأعراف المتجددة.
وظل الفقه الإسلامي يحمل راية هذا التجديد والاجتهاد، وفق ضوابط وشروط حددها أهل العلم. واستطاع - بفضل المولى جل وعلا - أن يلامس أحوال المكلفين، ويجد لها الحلول الناجعة، ولم يتأخر عن حل مشكلاتهم، مهما دقت النوازل أو جلت.
وهذا التطور والتجدد هو الذي حكاه لنا القرآن في نصوص عدة، منها: قوله تعالى: { | } ژ ! « # :9!!، وقوله - جل وعلا -: د ذ ر ز س ش.
وقد قيض الله لهذا الدين رجالاً أكفاء، وفقهاء أجلاء، حملوا ميراث النبوة، وقبسات التنزيل، فأناروا للناس غياهب الظلم، وبددوا غيوم الجهل، وأضحى آخر الأمة ينهل من معين أولها عذباً زلالاً؛ مما أدى إلى كثرة الفتاوى الفقهية التي نتجت عن النوازل المختلفة سواء أكانت تتعلق بالعبادة أم بالمعاملة.
وقد برع فقهاء المالكية المغاربة في مجال تدوين هذه النوازل؛ مما ولَّد تراثًا فقهيًا زاخراً يحمل بين طياته مختلف الفوائد العلمية المتعلقة بأصول الأحكام، وطريقة التطبيق.
وهذه البراعة التي اتسمت بها مؤلفاتهم لم تكن مصادفة، بل هي نتاج عقول شغوفة بالتحصيل العلمي، والاستنباط الفقهي الذي تربوا عليه منذ نعومة أظفارهم على مذهب عالم المدينة الإمام مالك - رحمه الله -. فإذا كانت كتب المذهب الضخام كالمدونة، والعتبية، والموازية، وغيرها يستحضرها صغار السن منهم، فما بالك بقرائح مجتهديهم التي ضربت أطناب العلم في كل واد!
وكانت حصيلة هذه الفتاوى مئات المؤلفات النوازلية التي تحكي ظروفًا سياسية، واجتماعية، وتاريخية متناثرة بين الأندلس والمغرب. ومن المؤسف: أن كثيراً منها حبيس أدراج المكتبات الغربية والعربية، يشكو إلى الله طول غربته.
ومع أن المسلمين - في واقعهم المعاصر - في أمس الحاجة إلى مثل هذه الكنوز الحبيسة التي تمثل حلولاً لكثير من المعضلات المتشابهة على تباعد الفترات الزمنية إلا أنهم بعيدون - كل البعد - عنها!
وما سبق بيانه كان الدافع الأول نحو كتابة هذا البحث المتواضع.
وفي هذه الإسهامة المتواضعة حاولت جاهداً دراسة نماذج من هذه الجهود الفقهية لفقهاء المالكية المغاربة؛ لعلي أصل إلى ربط الشرق الإسلامي بغربه، لاسيما في زمنٍ أصبحت الحاجة فيه ماسة إلى استلهام الحلول التي قامت عليها جماعات من فقهاء المالكية المغاربة.
وقد سلكت في كتابة هذا البحث المنهج الاستقرائي؛ لأنه المناسب لمثل هذه الدراسة الموسوعية التي تتناول كماًّ هائلاً من مصادر النوازل عند فقهاء المالكية المغاربة.
خطة البحث:
المقدمة.
المبحث الأول: تعريف النوازل والألفاظ ذات الصلة.
المبحث الثاني: انتشار المذهب المالكي في المغرب.
المبحث الثالث: المراد بالمالكية المغاربة.
المبحث الرابع: تدوين النوازل الفقهية عند فقهاء المالكية المغاربة.
المبحث الخامس: خصائص مؤلفات النوازل الفقهية عند فقهاء المالكية المغاربة.
المبحث السادس: منهج فقهاء المالكية المغاربة في تلقي (تحمل) الأسئلة عن النوازل والإجابة عنها.
المبحث السابع: مناهج كتب النوازل عند فقهاء المالكية المغاربة.
المبحث الثامن: كتب النوازل مصدر للدراسات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.
المبحث التاسع: أسماء بعض المؤلفات النوازلية لفقهاء المالكية المغاربة.
المبحث العاشر: كيفية الاستفادة من كتب النوازل عند فقهاء المالكية المغاربة.
الخاتمة، وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل...