عبد الرحمان بدوي : باحث ومفكر وفيلسوف كبير صاحب دور بارز في الوعي العربي«دراسات عربية حول عبدالرحمن بدوي» كتاب صدر حديثاً عن دار المدار في بيروت يحتوي على دراسات وأبحاث تتصل بهذا الباحث والمفكر والفيلسوف الكبير الذي يحتل مكاناً بارزاً في الوعي الثقافي والمسار الحضاري للأمة العربية، والذي ساهم مساهمة فعالة في تكويننا الفكري والثقافي، وذلك بانتاجه الفكري الغزير والممتد بين التأليف والترجمة والتحقيق، والذي كان من التنوع والثراء بحيث احتوى جميع فروع الفلسفة وتاريخها. هذا بالاضافة إلى انتاجه الابداعي في الشعر والأدب
كتب هذه الدراسات مجموعة من الباحثين منهم الدكاترة والاساتذة حسن حنفي وأنور عبدالملك ومحمود أمين العالم ويوسف زيدان وعبدالمنعم تليمة وعلي زيعور وماهر شفيق فريد ومطفى النشار الذين توزعت أبحاثهم على جوانب مختلفة في شخصية بدوي. طبعاً لا تتضمن الأبحاث كلها ثناءً عاطراً على بدوي وما أنجزه، ولكنها تحيط إحاطة وافية بما أنجزه وتعرض له في زوايا مختلفة. وفي كل هذا ما يقدم للقارىء العربي صورة جلية عن الراحل الكبير الذي اختلفت الآراء فيه حياً كما اختلفت فيه بعد رحيله.
ولكن بدوي يبدو على ضوء هذه الدراسات كبحر لا ساحل له. توزعت أبحاثه بين ميادين يصعب الاحاطة بها في عصرنا الراهن ولا يكاد أحد غيره يجمع بين خيوطها. وبحور بدوي، أي كتاباته، كلها هادرة فياضة، وعلى ساحلها اليوناني القديم تمتد أعماله الباكرة حول أفلاطون وأرسطو، حول الفلسفة والمنطق، حول ربيع الفكر اليوناني ومدارسه المتأخرة. ولكن سرعان ما يلتحم في أعمال بدوي ساحل آخر، هو فلسفة الإسكندرية وأفلوطين، ثم فلسفة العصور الوسطى. وثمة ساحل آخر مقابل ممتد في التاريخ تقف على شواطئه أعمال بدوي الرائدة في ذلك المحيط الواسع: الإسلاميات. وله في الإسلاميات وحدها أكثر من عشرين كتاباً. أما إذا أردنا الإحاطة بجهود عبدالرحمن بدوي، وهو ضرب أشبه بالمستحيل، فعلينا الغوص وراء بواكير أعماله في الفكر المعاصر، حيث نجد الفلسفة الحديثة والمعاصرة في كتاب مثل «نيتشه»، ونجد الشعر الألماني في دراسة متعمقة حول ريلكة. وما بين الكتاب والدراسة ما يقرب من خمسة وخمسين عاماً من عمر عبدالرحمن بدوي، وما يزيد على مائة كتاب من جهوده المضنية. ومن وراء ذلك كله تحتشد في عالم عبدالرحمن بدوي أعمال إبداعية، وترجمات وتراجم، وموسوعات. ومن هنا وصفه بالبحر الذي لا ساحل له. أثرت أعمال بدوي تأثيراً عظيماً في فكرنا المعاصر، سواء على صعيد الدراسات الفلسفية والأدبية المتخصصة، أو على صعيد الواقع الثقافي العام. ولعل من الصعوبة بمكان العثور على مثقف عربي لم يقرأ بدوي. كما لا يوجد متخصص واحد، فيما كتب عن فيلسوفنا، لم يستفد منه بشكل مباشر أو غير مباشر، تابعة أو خالفه فيما بعد. تتحدث بعض دراسات هذا الكتاب عن قلق بدوي الروحي وظمئه الدائم إلى المعرفة. تلك سمة لازمته منذ مطلع حياته الفكرية. وقلقه يفسر لنا مزاجه النفسي وتوجهه الروحي وبحثه الدائم عن الاطمئنان والاستقرار النفسي، وهو ما يعد استمراراً لاتجاه روحي بارز في الفلسفة الإسلامية، وهو اتجاه فلاسفة الصوفية من أمثال الحلاج والسهروردي المقتول وابن سبعين وابن عربي، من أنصار الأفكار والنظريات المركبة والمصطلحات الغامضة، الذين سعوا إلى الكشف عن قدرات الإنسان وملكاته الروحية وأشواقه في التجرد والتشبه بالإله، ولم تسعفهم اللغة في الكثير من الأحيان ليعبروا عن أشواقهم الروحية وما يجيش بداخلهم، فصدرت عنهم- في لحظات الشطح- عبارات أدين بعضهم بسببها. ويمثل نموذج الإنسان الكامل الذي عبر عنه كل واحد منهم بطريقته الخاصة الهدف الذي حاول قدماء الصوفية تمثله، وهو اتجاه عني به بدوي وسعى إلى الكشف عنه سواء بالتأليف أو التحقيق أو الترجمة. أما عن الارتباط بين الوجودية كمذهب فلسفي وبين التصوف الإسلامي فقد عرض له بدوي في كتابه «الإنسانية والوجودية في الفكر العربي». ولعله أول من تعرض لتلك العلاقة من الباحثين العرب حين عرض له في فصل خاص من كتابه المذكور أكد فيه على أن بين النزعتين الصوفية والوجودية صلات عميقة في المبدأ والمنهج والغاية. ويعتبر كتابه «من تاريخ الإلحاد في الإسلام» وهو من الكتب المبكرة في رحلته العلمية «فقد نُشر أول مرة عام 1945» تزكية لقلق بدوي الروحي وبحثه عن جذور وبذور هذا القلق في التراث الإسلامي. والكتاب يعكس أزمة بدوي الروحية في تلك الفترة التي تتبدى بوضوح في عبارته القاطعة التي لم تخل من مبالغة وتهويل. هذه الأزمة الروحية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ربما كانت رد فعل وصورة لأزمة وطنه وأمته في ذلك الحين، كما تعكس القلق الروحي والصراعات والحروب التي شملت العالم كله في ذلك الحين بعد الحرب العالمية الثانية التي أزهقت الأرواح ودمرت شعوباً وأمماً بأكملها لمجرد إشباع جشع الإنسان وطموحاته المادية في السيطرة والتملك. ثمة سؤال يطرح حول بدوي هو: كيف استطاع عمر واحد أن ينجز أكثر من مائة كتاب بمعدل كتاب واحد كل أربعة أشهر، وفي موضوعات متفرقة تضم أكثر من حضارة، وفي ثقافات متعددة داخل كل حضارة, العربية والفارسية والتركية والهندية داخل الحضارة الإسلامية، والألمانية والفرنسية والأسبانية والإيطالية داخل الحضارة الأوروبية؟. - 1959م» منذ التأميم حتى الوحدة. وهو منصب لا يتقلده إلا مفكر وقد استعمله في البحث والاطلاع على المكتبات، أكثر من استعماله في جمع الأموال واستثمارها في الأعمال الحرة. كالمتنبي، ملأ عبدالرحمن بدوي الدنيا وشغل الناس. وكالمتنبي انقسم الناس في شأنه فريقين أحدهما يرفعه إلى أعلى الذرى، والآخر لا يقر له بفضل، من الفريق الأول الدكتور طه حسين الذي اعتبره أول فيلسوف مصري. وعن الفريق الثاني جلال العشري الذي عده مترجماً لا فيلسوفا»، والدكتور علي جلال الطاهر الذي أخذ عليه أخطاءه في تحرير الكتاب التذكاري المهدى إلى طه حسين في عيد ميلاده بأقلام تلاميذه وأصدقائه «دار المعارف» والدكتور عبده عبود الذي كتب عن أخطائه في الترجمة من الألمانية. ولكن بدوي يظل كالمتنبي ينام ملء جفونه عن شواردها، تاركاً للخلق أن يسهروا جراها وأن يختصموا. وكالمتنبي كان مسرفاً في الاعتداد بذاته. حتى أنه في «موسوعته الفلسفية»، وهي من جزأين لم يورد أي فيلسوف عربي سوى نفسه واستاذه الشيخ مصطفى عبدالرازق. وأغلب الظن أن هذا كان وفاء منه لاستاذه من ناحية، وشعوراً من ناحية أخرى بأنه قد أصبح من عالمنا على مسافة مأمونة في رحاب الله بحيث لا تخشى منه منافسة. ويقول الدكتور حسن حنفي إن بدوي له أخطاء كثيرة. فهو لا يميل إلى أحد من أقرانه في مؤلفاته عن الفلسفة وتاريخها وكأنه أول من كتب في الميدان. ولا يحيل إلى الترجمات العربية للنصوص كما يحيل إلى ترجمته الخاصة لكتاب «الوجود والعدم» لجان بول سارتر. وهو لا يشير إلى أحد من أقرانه الذين ساهموا معه في نفس المشروع الجماعي مثل إبراهيم بيومي مدكور في محاولته إعادة دراسة الفلسفة الإسلامية، وعثمان أمين في محاولته تحديد بؤر للإصلاح سماها «الجوانية» في التصوف، خاصة الغزالي، والفلسفة خاصة الفارابي في التراث القديم، وفي المثالية الفرنسية عند ديكارت والألمانية عند كانط ، وفي يومياته في باريس، ورسالته في الجامعة، وهي نفس رسالة توفيق الطويل في دراسة التصوف، ونفس رسالة زكي نجيب محمود عن طريق فهم التحليل والوضعية المنطقية وتجديد الفكر العربي. بل لقد ساهم آخرون من جيله وربما من تلامذته، في تأسيس الوجودية مثل زكريا إبراهيم، أو الاعتماد على نيتشه مثل فؤاد زكريا اضافة عليه. ولكن الأدب لا يعترف بأحد، حتى ولو كانوا من أبنائه الشرعيين. بل إنه لا يذكر أحداً من العرب سواء في المغرب العربي مثل محمد عزيز الحبابي أو في الجزائر مثل شيخ بوعمران، أو في تونس مثل محجوب بن ميلاد وفي الشام مثل جميل صليبا وسليمان دنيا. فمصر وحدها في العالم العربي. وهو وحده في مصر، مع أن الأتراب العرب كثيرو الذكر له، والإشادة بفضله، والاعتراف بدوره، والسؤال عنه بعد أن غاب عن الوطن. بل هو لا يذكر مشروع النهضة العربية منذ بدايته في نهاية القرن التاسع عشر. إنه يريد اقامة مشروعه المتعدد الجوانب وحده. وهو يهاجم أبو العلا عفيفي لأنه تجرأ ونشر بعضاً من الترجمات العربية القديمة، ويعتمد على مشروعات الآخرين دون ذكرهم. وقد كتب «الفيلسوف الشامل» أي بدوي سيرته الذاتية بنفسه دون أن ينتظر أن يخلد أحد ذكره. فهذا مشرف لا يستطيع أحد من أقرانه وتلامذته وأصدقائه ومحبيه الوصول إليه. فهو الذي يحيا، وهو الذي يحيي نفسه، وهو الذي يموت، وهو الذي يعزي نفسه. لا يحتاج الممثل إلى جمهور. ففي فنه يتحقق الفنان والناقد، والمبدع والمتلقي. ولا حتى شكر المنعم واجب عليه. فالعبقري يولد ويحيا ويموت كقدر تاريخي وكجزء منه في إحدى مراحله. ويضيف الدكتور حسن حنفي أن لبدوي أخطاء علمية كثيرة. مرة يعلن عن كتاب في الدراسات، وهو مترجم دون اسم المؤلف مثل روح الحضارة العربية لتارل هنرش شيدر، ومرة مع ذلك المؤلف مثل فلهوزن «الخوارج والشيعة»، والتراث اليوناني في الحضارة الإسلامية»، و«شخصيات قلقة في الإسلام، و«شطحات الصوفية»، و«الإنسان الكامل وكلها مترجمات دون الإعلان عن مؤلفيها، وكأن لا فرق بين التأليف والترجمة. فالتأليف ترجمة حرة، والترجمة تأليف غير مباشر، والتعبير عن النفس عن طريق أفكار الآخرين! وقد يكون مشروعه -والكلام لحنفي- التمهيد لأجيال قادمة من دراسي الفلسفة. أما بدوي استاذ جامعي يدرس كل شيء: تاريخ الفلسفة اليونانية والوسطى والحديثة، والإسلامية بكل أنواعها، الفلسفة والكلام والتصوف، والعلوم الفلسفية، المنطق ومناهج البحث، والأخلاق، والسياسة، وفلسفة التاريخ. وكان هو مؤسس القسم الأول، والاستاذ الأول، والمؤلف الأول، فكتب في كل المقررات لإفادة الطالب. فكان صاحب صنعة، ورائد حرفة: التأليف الجامعي، والكتاب المقرر، والتوزيع على الطلاب. وربما دخل العالم الاقتصادي في ذلك مع الفيلسوف الشامل في بحبوحة من العيش، ومن أسرة ميسورة صاحبة أمراض في الريف، وكما يتندر الأدباء ببخل توفيق الحكيم، يتندر أساتذة الفلسفة أيضاً ببخل الفيلسوف الشامل في حياته الخاصة والعامة، دون تغيير للهندام، ودون عربة لتسهيل الانتقال، ودون تمتع بما أُعطيه من سعة في العيش. ولا فرق هنا بين التقتير والزهد إلا في الباعث، والنتيجة واحدة. إلى هذا الحد يصل ناقدو الدكتور عبدالرحمن بدوي، إلى حد الحديث عن بخله وتقتيره وهو الطالع من أسرة ميسورة في الريف المصري. التبجيل عندهم لا يكون بالتبجيل بل بالنقد. وقد أوسعوه نقداً، ولكنه عبدالرحمن بدوي أحد العلماء الأجلاء الكبار في الفكر العربي المعاصر. ولعل الشاعر العربي القديم كان يعني أمثال هؤلاء عندما قال: إقرأ المزيـــد
التصوف الإسلامي | النشر الصوفي | أعلام | المكتبة المرئية | الطرق المغربية | دليل الإمام | أذكار | راصد أقطاب |
|||||
|
.
|
|||||
















