اقسام اقطاب
           

عمر بن الفارض الرائض الصوفي


وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية



  دعوة الحق
129 العدد

  هو الشيخ أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي ابن المرشد ابن علي، ويكنى بأبي القاسم أيضا، كما يعرف بابن الفارض، وينعت بشرف الدين، ويلقب بسلطان العاشقين. أما غلبة "ابن الفارض" عليه فترجع إلى أن أباه كان فارضا، أي مقررا الفروض للنساء على الرجال أمام الحكام. 
  ولد هذا الشيخ بالقاهرة في الرابع من ذي القعدة عام 576هـ ، وبها توفي في اليوم الثاني من جمادى الأولى سنة 632هـ ، ولكن موطن الأسرة أصلا هو "حماه" في سوريا فهو "حموي الأصل، مصري المولد والدار والوفاة"، وربما انتهى نسب أبيه إلى قبيلة بني سعد، التي منها حليمة السعدية، مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، على حد تقرير بعض المؤرخين، فهو بهذا يكتسب عراقة الأصل وشرفه. نشأ وترعرع في كنف والده الذي أقراه القرآن، ولقنه مبادئ الدين وعلومه. 
  ولقد كان للبيئة التي عاصرها ابن الفارض أهمية تاريخية كبرى، ترجع إلى انتقال الحكم في مصر على أيامه من الفاطميين إلى الأيوبيين، وبتعبير أوضح، تحول من المذهب الشيعي إلى المذهب السني الشيء الذي حدا بشيخنا إلى الاشتغال بعلم الحديث، (معتنقا مذهب الإمام الشافعي)، ودراسته على أعلام العصر فيه، كالشيخ بهاء الدين، الملقب بابن عساكر، والشيخ الحافظ المنذري، وغيرهما. ولما أنس من نفسه ميلا إلى الزهد، وتجردا عن متاع الدنيا، اتجه إلى إمام التصوف يومئذ، الشيخ أبي الحسن علي البقال، ومن يومها وهو في ثياب الزهد والتجرد والروحانية، لاسيما وأن عصره قد زخر برجالات في هذا الميدان، وآخرين لهم مكانتهم العلمية، أمثال صفي الدين بن أبي المنصور، وشمس الدين الأيكي، وسعد الدين الحارثي الحنبلي المحدث، والقاضي أمين الدين بن الرقاوي، وجمال الدين الأسيوطي، وعمر السهروردي، والقاضي شمس الدين بن خلكان، وشهاب الدين بن الخيمي، وغيرهم.
  وابن الفارض قد أدرك- منذ مولده وحتى وفاته- بعض الشخصيات الإصلاحية، وخاصة في إحياء المذهب السني وهم من القادة: صلاح الدين الأيوبي، والعزيز، والعادل، والكامل. الذين لم يألوا جهدا في محو التعاليم الفاطمية، وإحلال التعاليم السنية محلها، ولقد كان لهذا الاتجاه أثره البالغ في روح العصر، واتسامه بالطابع السني في عهد الأيوبيين، فقد كان من أبرز خصائصهم.  
  هذا، وتصور لنا حياة ابن الفارض ونشأته الأولى سلوكه وعلمه، ففي جو من العفاف والصيانة والعبادة تربى في حجر والده كما أسلفنا، وقد أكسبه ذلك- إلى حد بعيد- ديانة وورعا وقناعة، فلما شب عن الطوق اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر، والحافظ المنذري، وغيرهما، ثم مال إلى الخلاء، وانتهاج طرق الصوفية، فقد كان يستأذن أباه في السياحة، ويخرج إلى الجبل الثاني من "المقطم"، حيث يأوي إلى بعض المساجد المهجورة في خرابات المدافن المجاورة للجبل، ثم يعود إلى والده، فيقيم لديه   مدة، ثم يرجع، وهكذا.. ومع ذلك فلم يفتح عليه بشيء كما يروى، حتى أخبره الشيخ البقال: أنه إنما يفتح عليه بمكة، فبادر فورا إليها في غير أشهر الحج، حيث فتح عليه بها، وطال مقامه في هذه البقاع المقدسة طيلة خمسة عشر عاما، كانت عامرة بالإيمان القلبي، والتقوى الإلهية، والاتصال الروحي، بعدها رجع إلى مصر، حيث توفي بعد أربع سنوات من رجوعه. 
  ولا جدال في أن هذه النشأة العلمية الأولى من حياته، وما تلاها من سلوك روحي، قد كان لهما فضل التمهيد لسلوك طريق التصوف. بيد أن السيوطي يخالف هذا، إذ يرى أن ما حمل ابن الفارض على الزهد، ودفعه إلى التجرد، هو أن الرجل كان من الفقهاء الأعلام، وقاضيا ولي الأحكام، وأنه دخل الجامع لصلاة الجمعة والخطيب يخطب، فوجد شخصا يغني، فنوى تأديبه سرا، فلما انقضت الصلاة، وانتشر الناس، خرج ابن الفارض، فناداه الشخص المغني: أن أقبل، فلما أقبل أنشده:

                           قسم الإله الأمر بين عباده
                                           فالصب ينشد، والخلي يسبح
                           ولعمري التسبيح خير عبادة
                                           للناسكين، وذا لقــوم يصلــح
فكان هذا سبب زهده(1).

وهي رواية قد لا تتوافر لها أسباب الوجاهة، ومن ثم الاعتماد عليها، وبالتالي اتخاذها أساسا لتحول صاحبنا إلى التصوف، كما أنها رواية في حاجة ماسة إلى ما يوثقها، لاسيما وأنه ليست لدينا حتى اليوم مصادر تثبت أن ابن الفارض شغل كلا من القضاء والفتيا في وقت من الأوقات، وإذن فرواية الشيخ السيوطي- مع التقدير العلمي والتجلة- تحتاج إلى مناقشة وإنها محل نظر، ولعل ما يؤيد اتجاهنا الفرضي هذا، هو ما لاحظناه أثناء سيرة المترجم له من نزوعه منذ صباه منزع الصوفية. 
  ولندع المجال الآن لابن الفارض نفسه في هذه المناسبة، ليحدثنا عن رحلته إلى مكة، والفتوح بها عليه، يقول بأنه حضر سياحة إلى القاهرة، ودخل المدرسة السيوفية، فوجد شيخا بقالا على بابها يتوضأ وضوءا غير مرتب، فاعترض عليه ابن الفارض بأنه وضوء مخالف للشرع، وهنا نظر إليه البقال: وقال له: يا عمر، أنت ما يفتح عليك في مصر، وإنما يفتح عليك بالحجاز في مكة - شرفها الله- فاقصدها، فقد آن لك وقت الفتح. قال: فطلبت مكة في غير أشهر الحج، ودخلتها، وجاءني الفتح حين وصلت مكة. ولقد مكث بها خمسة عشر عاما، نظم خلالها من الشعر الصوفي ما نظم، ثم استدعاه شيخه البقال، فعاد إلى القاهرة، ولكن الموت لم يمهل شيخه كثيرا بعد وصوله، ومن هنا كانت حياة ابن الفارض في الطور الأخير حياة حسرة وأسى، بوفاة الشيخ البقال ولي النعمة الصوفية والمرشد إليها، وبقي طيلة الأربع سنوات منذ عودته إلى القاهرة والحنين يعاوده إلى بلاد الحجاز، حتى توفي فدفن بالقرافة بسفح المقطم، وبنى السلطان برقوق الناصر عليه قبة ومسجدا، رحمه الله. 
  ولقد شغل ابن الفارض بقرض الشعر نحوا من أربعين سنة، ويتميز شعره في فترة الصبا عنه في فترة الكهولة. وبالجملة نرى هذا الشعر يتراوح بين الفطرة والتكلف، ويميل- إلى حد الافتتان- نحو الزخرف البديعي من تورية وطباق وجناس، كما كان ينحو في هذا الشعر إلى التصغير، حتى لقد عد في مقدمة شعراء العربية اهتماما بالتصغير. ويقول ابن إياس في صدد الحديث عن معاصري ابن الفارض من الأدباء والشعراء: "إن أحدا من هؤلاء لم ينكر على ابن الفارض شيئا من حاله ولا من نظمه، وأنهم كانوا معه في غاية الأدب"، كما يصفه الإمام شهاب الدين محمد بن عبد المنعم الأنصاري بأنه "قدوة في الطريقة، وأسوة في علم الحقيقة، إلا أن صناعة الأدب عليه أغلب، وعلم الشعر فيه أرجح"(2). وله ديوان شعر صور فيه أشواقه وأذواقه في حب الذات الإلهية، ومعرفة الحقيقة العلمية، وتكاد تكون قصيدته "التائية الكبرى" من أهم قصائده، وتبلغ ستمائة بيت، يصور فيها ويجسم أطوار حياته الروحية، وما عاناه خلالها من رياضات ومجاهدات، ثم ما انتهى إليه من فتوحات ومكاشفات(3)، ومن قصائده البارزة في هذا المجال قصيدته الميمية أو الخمرية، "وقد تغنى فيها بالحب الإلهي، وانتهى منها إلى مذهب وحدة الشهود"، أما قصيدته الهمزية والفائية فإنهما كذلك يدوران في هذا المعنى، فالأولى مطلعها:
                               إن النسيم سرى من الــزوراء
                                                   سحــرا فأحيــا ميـــت الأحيــــاء 
والثانية مطلعها:
                                 قلبي يحدثنــي بأنــك متلفــي
                                                   روحي فداك، عرفت أم لم تعرف

  وقد بذل الشراح عناية فائقة في ديوان ابن الفارض، فبعضهم تصدى له لغويا، كشرح البوريني، والبعض اهتم به من الناحية الصوفية، كشرح النابلسي، ولشعره ترجمات لاتينية وفرنسية وإنجليزية وألمانية وإيطالية، يعكف عليه الدارسون والمستشرقون من الأوربيين، الذين عنوا بحياته ومذهبه، وقاموا حولهما بدراسات عديدة.  
  ونعود إلى قصيدته الميمية التي ألمحنا إليها، والتي يقص علينا فيها قصة رضاه بعد العزة بالذلة، وحلا له خلع العذار بعد النسك والتقوى، يقول فيها:

                                   أصلي فأشدو حين أتلو بذكرهــا
                                                   وأطرب في المحراب وهي أمامي
                                    وبالحج إن أحرمت لبيت باسمها
                                                   وعنها أرى الإمساك فطر صيامي

   كما نلاحظ طابع الرمزية في عموم قصائده وخاصة القصيدة الخمرية (شربنا على ذكر الحبيب) حيث يعبر عن الذات الإلهية بالخمرة العالية، التي تقول للشيء: كن فيكون. 
  وأخيرا فإذا كان ابن الفارض لم ينل اهتماما بالغا من أقلام المؤرخين السابقين، فإن في ذكره على ألسنة الجماهير حياة قوية، فما تزال قصائده متعة لرواد هذا الفن، ومنتجعي هذا المرعى، وإن اهتمام المؤلفين المشهورين بدرس ديوانه وشرحه لحياة ابن الفارض، وأي حياة!!

المصدر



أخبار | مقالات | بودكاست | فيديو | دليل الإمام