اقسام اقطاب
           

دور التصوف في تنظيم الحق الديني بالمغرب


موقع القدس العربي

توجه السلطة السياسية للطرق الصوفية كحليف استراتيجي في هذه المرحلة هو قرار ذو أهمية خاصة



دور التصوف في تنظيم الحق الديني بالمغرب
التصوف المغربي ابتعد عن التجريد الفقهي والكلامي والفلسفي ولم ينشغل بالسياسة
امحمد العلوي
لعبت مؤسسة الزوايا دورا هاما في تاريخ المغرب منذ بداية ظهور (الرباطات) في الفترة الوسيطية من تاريخه. وعلي الرغم من هذه الأهمية التاريخية التي حظيت بها الزوايا المغربية، غير أنها لم يتم وضعها في سياق تاريخي يمكن من فهم التطورات التي أصبح يعيشها التصوف في مغرب القرن الواحد والعشرين.

ان التحولات التي يعرفها الحقل الديني المغربي اليوم، تطرح مجموعة من التساؤلات الجادة حول طبيعة تمثل السلطة له، وأسباب التحولات العميقة التي أصبح يعرفها هذا الحقل حيث فسح المجال واسعاً أمام الفكر الصوفي بتعيين الوزير المسؤول عن القطاع الديني من أهل التصوف.

هذا الأخير قام بمجموعة من التدابير المهمة؛ وسواء كانت هذه التدابير بمبادرة منه أو كان فيها منفذا لسياسة السلطة العليا في البلاد، إلا أن هذه التدابير تنم عن توجه جديد في التفكير والتدبير الديني بمغرب العهد الجديد.
يمكن قراءة مظاهر هذا التوجه الجديد في تدبير الحقل الديني في المغرب علي مستوي الأشكال الثلاثة للممارسة الدينية في المغرب، العالمة والحركية والصوفية:
ففي مستوي المظهر العالم لهذه الممارسة، نجد محاولة إعادة هيكلة مؤسسة العلماء، وتوجها نحو إعادة الاعتبار لها باتخاذ مجموعة من التدابير الخاصة بتحديد الجهات المختصة بالفتوي، وتدابير أخري خاصة بتنظيم المساجد والاهتمام بتدبير شؤون العاملين عليها.

وفي مستوي المظهر الحركي، فأهم ما يميز العهد الجديد ، هو دخول الحركات الإسلامية إلي الساحة السياسية، ومحاولة إعادة ترتيب الأوراق معها، بتدعيم التيارات المؤمنة بخيار المشاركة وتحييد التيارات المتشددة (سياسيا)، وإقصاء التيارات الراديكالية الإقصائية.

أما في مستوي مظهرها الصوفي، فان هذه التدابير تبرز محاولات في تصويف المجتمع وإخراج الفكر الصوفي من قوقعته إلي التواصل المباشر مع المجتمع ومحاولة إدخاله في سيرورة تأطير المجتمع طالما أنه قام بذلك لمدة طويلة وبالتالي فهو الأكثر خبرة في هذا المضمار ويتوفر علي آليات وقنوات تلائم المجتمع وتركيبته وتنسجم مع هويته.

فإذا كانت التدابير الخاصة بالمظهر العالم أو بالمظهر الحركي للإسلام بالمغرب هي تدابير مهمة علي اعتبار أنها تقوم بإحداث قفزات نوعية في مستوي التصالح والتواصل مع فئات واسعة من المجتمع، إلا أن أهم التدابير التي قد يكون لها أثر في هذا المستوي هي التدابير الخاصة بالمظهر الصوفي السلوكي للممارسة الدينية للمجتمع المغربي.

فالتصوف في المغرب مثل أحد أهم مقومات تاريخ المغرب المجتمعي الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية وحتي الاقتصادية والسياسية. إذ يمكن اعتباره أحد أهم عناصر التراث المغربي الإسلامي التي كان لها تأثير عميق في مجري الحياة اليومية للمغاربة عبر تاريخهم منذ العصر الوسيط.

وإذا كانت بدايات التصوف في المغرب بسيطة، تمثلت في ممارسات زهدية قام بها بعض النساك والمتعبدين كما تخبر بذلك مختلف التراجم وكتب الأخبار فان التصوف في المغرب قد انتشر في المجتمع المغربي الحضري والقروي، شاملا بذلك أوساط المثقفين العامة والخاصة.

هذا الانتشار خول للزاوية إمكانيات هائلة، حيث أصبحت مؤسسة اجتماعية وسياسية قوية وفاعلة، وقد استطاع بعض المتصوفة أن يفرضوا وجودهم في المجتمع بشكل دفع الدولة المغربية، علي اختلاف السلط السياسية التي مرت بها (موحدية، مرينية، وطاسية...)، إلي التعامل معهم باستعمال استراتيجية مواجهة أو تحالف أو احتواء. غير أن الدولة لم تتمكن من تجاوز مؤسسة الزوايا علي مر تاريخ هذه الأخيرة، وذلك لأنها كانت مؤسسة تلقائية تعبر عن مجموعة من المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والروحية للمجتمع.

ان هذه القوة التي بلغتها مؤسسة الزوايا في المغرب، ومكانتها الاجتماعية والسياسية في الماضي، وتفعيل الفكر الصوفي في القرن الواحد والعشرين من طرف الدولة المغربية في مواجهة تحديات العولمة وقضايا التحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي...، هذه كلها قضايا تستوقف الباحث، وتستفزه ليحاول فهم هذه الظاهرة وفهم أسباب التحولات التي تمر بها اليوم. ويمكن القول ان الرجوع إلي تاريخ هذه المؤسسة ومنه استجلاء خصائصها سيكون مهما لفهم أسباب لجوء السلطة السياسية اليوم إليها لتفعيل دواليبها من أجل الوصول إلي تحقيق استراتيجيات رسمت منذ أواخر تسعينات القرن الماضي.

تاريخ التصوف والزوايا في المغرب
لقد ميز بعض الباحثين في التاريخ المغربي بين ثلاث مراحل أساسية مر بها التصوف في المغرب؛ فهناك من يقسمها إلي: المخاض، التصدر والانطلاق ثم مرحلة التنظيم والهيكلة، كما أن هناك من يقسمها بتسميات أخري دالة علي نفس المراحل وهي: مرحلة الزهد، مرحلة ظهور التصوف، مرحلة ظهور الطوائف الصوفية.
وحيث ان التحليل التاريخي يختلف شيئا ما عن التحليل السياسي فانه سيتم اعتماد التقسيم التاريخي الذي قدمه المؤرخون المغاربة لكن مع إبراز الأدوار السياسية والتأثير الاجتماعي السياسي في تاريخ التصوف المغربي. وهكذا سيتم تقسيم المراحل الثلاثة إلي: مرحلة المخاض وتأسيس الدولة، مرحلة ظهور التصوف ودخول اللعبة السياسية، ثم مرحلة التنظيم ودعم الشرفاوية.

مرحلة المخاض وتأسيس الدولة
لقد امتدت هذه المرحلة منذ أواخر عهد الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا واستمرت خلال مرحلة الحكم المرابطية، وهي المرحلة التي تميزت بغلبة الجانب الجهادي الزهدي عبر انتشار الرباطات الجهادية.
وقد كانت نتيجة ذلك المباشرة علي الذهنية السائدة، هو ظهور نوع من التمازج بين الفقه والأفكار الجنينية التي بدأت بالظهور في المغرب حول التصوف والناتجة عن حياة الرباط المعتمدة علي الزهد والانعزالية ومفاهيم الجهاد والتضحية من أجل نشر الدين.

لقد كان نشر الإسلام ومدافعة الكفار وتوحيد الدولة في هذه الفترة، هي الهواجس الغالبة علي الذهنية السياسية للمجتمع، فكان الانزواء في الرباط التعليمي لتعليم الدين ونشره وجهاد الكفار ، هو السبب الرئيسي الذي أدي إلي ظهور توجه لدي فقهاء المرحلة، وهم زهاد الرباطات وشيوخها، تمثل في ضرورة انشاء دولة قامت علي أكتاف تلاميذ الرباط، وهي دولة المرابطين التي دشنت ميلاد فكرة الدولة الموحدة في المغرب والتي ساهمت في الخروج من أزمة التشتت والضعف التي كان يعيشها الغرب الإسلامي بشكل عام.

وقد عرفت هذه المرحلة ظهور أفكار أبي حامد الغزالي خاصة فيما يتعلق بطبيعة أفكاره التي كان لها طابع خاص فيما يتعلق بطبيعة تمثل العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة المعرفية وقد كان لهذه الأفكار صدي واسع وتأثير كبير علي الحياة السياسية وطبيعة الممارسة الدينية للمجتمع. وكانت هذه المرحلة هي مرحلة البدايات في ما يمكن تسميته بتصوف أهل المغرب.
مرحلة ظهور التصوف ودخول اللعبةالسياسية

ان مجموعة من المؤشرات كعدد تراجم الصلحاء الذين عاشوا خاصة في فترة الموحدين التي فاقت في كتاب التشوف المئة والخمسين ترجمة تمكن من اعتبار هذه المرحلة مرحلة انفجار فعلي بالنسبة لظاهرة الولاية (بالمغرب) ، كرد فعل ساد المجتمع المغربي علي ارتباط الفقهاء وأهل العلم بالسلطة المرابطية التي بدأت تعيش أزمة وجود ومشروعية في الفترة السابقة علي سقوطها.

وقد جاءت هذه المرحلة مواكبة لقيام الدولة الموحدية، وعرفت بروز أهم مؤسسي التصوف بالمغرب. وقد تكاثرت خلال هذه المرحلة الربط التعبدية في مختلف مناطق المغرب، وخلال هذه المرحلة يلاحظ المؤرخون ظهور نوع من التنظيم التلقائي المعتمد علي التضامن والتكافل مما يسمح بالقول بأنها مرحلة ظهور التصوف بالمفهوم الاصطلاحي، وبداية الإرهاصات المتعلقة بالتأسيس لمرتكزات التصوف في المغرب.

وقد بدأت خلال هذه الفترة مرحلة من الاضطهاد للمتصوفة المغاربة والأندلسيين من طرف السلطة الموحدية، بسبب تخوفها من منافسة رمزية مؤسس الفكرة الموحدية أي المهدي، والذي يمكن اعتباره نموذجا للمزج الذي عرفه المتصوفة بين التصوف والعلم. وقد يمكن القول بأن نهاية هذه المرحلة يتمثل في المنافسة التي أصبح يقوم بها المتصوفة تجاه السلطة بسبب تنامي قوتهم الرمزية وتزايد قوتهم الاجتماعية بشكل هدد السلطة السياسية الموحدية والمرينية بعدها.

فقد أصبح التصوف خلال العصر الموحدي قوة جذب اجتماعية مؤثرة، وحصل أقطابه وشيوخه علي مصداقية روحية وأخلاقية وحضور اجتماعي فعال . وقد كان انخراط ممثليه من شيوخ وصلحاء في الحركية المجتمعية مثار قلق بالنسبة للسلطة السياسية، وذلك راجع لطبيعة تحركه في صلب المجتمع التي تميزت بعدم التسيس وبقوة الارتباطات الاجتماعية داخل وخارج المنظومة الجديدة، وكان هذان العاملان سببا في قدرة المتصوفة علي الاستقلال عن السلطة السياسية، وفي نفس الوقت القدرة علي مواجهتها انطلاقا من قدرتها علي تحريك المجتمع.

لقد كانت الزوايا باعتبارها مؤسسات دينية واجتماعية حاضرة بشكل قوي ومتميز في المجتمع المغربي خاصة في العهد المريني، وقد كانت قادرة علي استقطاب المغاربة وتعبئتهم خاصة في الظروف الصعبة، واستطاعت ملء الفراغ الذي كان يتركه عادة ضعف الدولة المركزية بالمغرب وهو الدور الذي استمرت الزاوية في الاضطلاع به لفترة طويلة بعد ذلك. وقد أدي هذا الوضع في العهد المريني إلي انتهاج السلطة المرينية لاستراتيجية الأشراف مقابل الصلحاء وهي الاستراتيجية التي ستنقلب عليها عند تحالف هذين القطبين الأساسيين في الحياة الدينية المغربية.

مرحلة التنظيم ودعم الشرفاوية
بدأت هذه المرحلة مع تصاعد نجم الشرفاء بتحالف القوة الروحية للشرفانية مع القوة الاجتماعية للزاوية. وقد شكلت هذه المرحلة فترة المرور من طور التنظيم الطوعي التلقائي إلي التنظيم الإرادي المحكم للأتباع ، حيث أنه في هذه المرحلة يمكن الحديث عن التنظيم الهيكلي للزاوية والطريقة بالشكل الذي سمح للزاوية باستثمار قوتها الروحية والاجتماعية في تحريك الساحة السياسية ويبرز ذلك جليا عند الرجوع إلي التقلبات السياسية التي عرفها المغرب في العصر الحديث مع السعديين والعلويين.

ومن أهم ما تجدر الإشارة إليه في ما يتعلق بهذه التنظيمات المستحدثة أنها اعتمدت علي المرجعية القبلية منذ البدايات مما أدي إلي نوع من التسرب التدريجي لمنطق الولاية داخل الحركة القبلية التقليدية، وما يمكن ملاحظته هو أن هذه التنظيمات الجديدة، قد أعادت إلي الواجهة فاعلية النمط القبلي، لكن بمنطق جديد مثلته مركزية الولي الشيخ (أو الصالح المحلي) تحت حماية مظلة الشريف (المتحكم في سلطة المخزن).

وهذا يخول لمن يراقب التطورات الخاصة بالزاوية أن يستنتج أن حركية العلاقة مع الدولة نفسها سوف تتغير سواء بالنسبة للولاية أو القبيلة . ومن هنا تكمن أهمية هذه المرحلة في تاريخ المغرب والتي عرفت نوعا من التأرجح بين المنافسة والتحالف بين هاتين القوتين (أي الدولة والزاوية) بسبب تعدد استراتيجيات كل واحدة منهما تجاه الأخري، حسب قوة الطرف الآخر وحسب الظروف التي تمر منها البلاد.

لقد عرف القرن العشرون دخول الاستعمار إلي بلاد المغرب، وتغلغل الأفكار السلفية الوهابية المناهضة لفكر التصوف والمعادية للطرقية، وانتشار الفكر الحركي كتعبير عن تطور الفكر التنظيمي في المجتمعات الإسلامية عامة والمجتمع المغربي بشكل خاص، وكمحاولة للمزج بين التفكير العملي الواقعي المعاصر وبين التشبث بالمبادئ الأصيلة للمجتمع المغربي الإسلامي وهو ما كان نتيجة للمفارقة الصارخة التي كانت تعيشها الذهنية المغربية الإسلامية (ولا تزال) بين المعطيات الناجمة عن الاحتكاك بالغرب وبين التشبث بأمجاد الماضي مع نبذ خرافاته و ضلالاته البدعية .

في حين أن القرن الواحد والعشرين في المغرب عرف تطورا مهما في ما يتعلق بتدبير السياسة الدينية بالمغرب وهو تنصيب أحد المتصوفة (من مريدي الزاوية البوتشيشية المغربية) علي رأس إحدي وزارات السيادة في المغرب وهي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لتدبير الشأن الديني في المغرب وتنفيذ السياسة الدينية المرسومة من طرف النظام المغربي في بداية الألفية الثالثة.

هذا القرار لم يكن اعتباطيا فالنظام السياسي المغربي الحالي تميز، عبر تاريخه، بتحركات مدروسة بشكل يضمن توازنا سياسيا بين فاعلي الساحة السياسية والدينية، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة خلفه هل هو عودة إلي التحالف من جديد مع الزاوية الشريك السابق؟ أم هو استباق للأحداث؟ أم هو صناعة لحقل ديني سياسي جديد مختلف عن ما عرفه المغرب في القرن السابق؟ هذه التساؤلات تدفعنا إلي البحث في خصائص وأدوار الزوايا المغربية بشكل عام والزاوية البوتشيشية بشكل خاص.

خصائص التصوف المغربي
ان تاريخ التصوف المغربي يبرز بأن متصوفة المغرب كانوا يتميزون بمنهج خاص في التربية والسلوك، يقوم علي أساس الزهد والورع والاجتهاد في العبادة علي منهج السلف، بعيدا عن لغة الأحوال والمقامات كما أنهم لم ينقطعوا عن ممارستهم للحياة الاجتماعية العادية، وكانوا يسلكون طريق التذوق والارتقاء في مقامات أهل الطريقة وعدم المبالاة بظهور الكرامات أو حصول الشهرة ويسعون إلي التستر علي كراماتهم وأحوالهم، معتمدين في طريقهم التربوي علي التفرغ الكلي للمجاهدة ولقاء الأولياء والسياحة في الأرض لكن دون انعزال عن المجتمع.

من خلال هذه الأسس التي يقوم عليها التصوف المغربي يمكن استجلاء مجموعة من الخصائص أولها شمولية هذا التصوف، والثاني ابتعاده عن التجريد الفقهي والكلامي والفلسفي، والثالث عدم اشتغاله بالسياسة، وارتباطه بالجماعة والمجتمع.

الشمولية في التصوف المغربي
منذ انطلاق التصوف في المغرب تحددت طريقه في اتجاه سني اعتمد علي تعاليم المدرسة الجنيدية في صيغتها الغزالية. وقد تدعم هذا التوجه في الفترات اللاحقة وعبر تطور الفكر الصوفي المحلي في سلوكه لاتجاه سني أخلاقي كان هو أهم معالم التصوف في المغرب الأقصي، ويمكن تفسير أهم خصائص هذا الاتجاه في كونه اتجاها زهديا عمليا بعيداً كل البعد عن المؤثرات الفلسفية، بحيث لا يهتم أصحابه كثيرا بالقضايا النظرية بل ينشغلون أساسا بأنواع المجاهدات وآداب السلوك.
وعلي هذا فقد جمع التصوف المغربي بين مجموعة من العناصر متميزا بجمعها عن التصوف المشرقي، وتمثلت هذه العناصر في ما يتعلق بالفاعلية داخل المجتمع في العلم والجهاد وفي ما يتعلق بالحياة اليومية للصوفي في التجرد والكسب.
العلم: لقد كان متصوفة المغرب الأقصي يهتمون بشكل كبير بالفقه والعلوم الشرعية، ويمكن استجلاء هذا المعطي من خلال ما توفره لنا التراجم الخاصة بأقطاب التصوف والتي تحدد أنهم كانوا من كبار العلماء. وهذا الارتباط بالعلم ولد لدي متصوفة المغرب ربطا قويا بين العلم الشرعي والتصوف المغربي أبعده عن التأثيرات الإشراقية التي اعترت التصوف في مناطق أخري من العالم الإسلامي.
ومما تجدر الإشارة إليه فان متصوفة المغرب قد اهتموا إلي جانب الممارسة الصوفية بنشر الإسلام وتعليم مبادئه خاصة في المناطق النائية التي يتعذر علي الفقهاء الوصول إليها، ويرجع سبب قدرتهم تلك إلي سياحتهم في الأرض وبلوغهم إلي تلك المناطق البعيدة التي تتميز بالانعزال عن الدنيا ، لكنهم في نفس الوقت حافظوا علي ارتباطهم بالمجتمع من خلال محاولة نشر الدين وتعليم مبادئه لسكان البوادي والمناطق البعيدة عن المراكز العلمية.
وقد اعتمد المتصوفة في هذا الصدد مجموعة من الوسائل اتسمت بطابع جماعي في العمل، كاعتمادهم علي انشاء الرباطات والعمل علي تعميرها بالتلاميذ والمريدين، والذكر الجماعي، وإحياء المناسبات الإسلامية، وعقد المواسم في أماكن ذات القداسة الخاصة وتشجيع الحج، وهذه كلها ممارسات ترنو إلي خلق نوع من التخليق الجماعي وإلي توحيد الهواجس الفكرية والروحية للمجتمع.
الجهاد: من أوجه العمل التي ميزت المتصوفة في المغرب هي المشاركة في الجهاد في الأندلس في فترة الجهاد الهجومي في العصر الوسيط، وأيضا محاولة الدفاع عن رقعة الدولة في فترة الجهاد الدفاعي ضد الأطماع الأوروبية في المغرب الأقصي.
وهذه المشاركة نابعة من طبيعة موقع المغرب الذي يعتبر ثغرا من ثغور المسلمين، أي منطقة حدودية تشرف علي دار الحرب، وهذا ما جعله في احتكاك دائم مع الكافر و المعاهد الذي شكل خطرا علي أرض الإسلام. والملاحظ من كل هذا، أن الزوايا هي مرحلة متقدمة، في هذا المجال، للربط الجهادية التي أنشأها الفاتحون والمجاهدون المحليون في المغرب علي مناطق التماس مع العدو ، بهدف دفعه أو بهدف آخر وهو نشر الإسلام.
وهكذا كان التصوف بالمغرب مرتبطا بشكل كبير بمفاهيم الجهاد ومناهضة الظلم، مما خوله الدخول في الحياة الاجتماعية علي أساس هذه المعاني، التي كانت تعطيهم صفة مقدسة لدي العامة، سمحت بجعلهم مرجعا للاحتماء في حال غياب أو ضعف الدولة المركزية.
التجرد والكسب: في مستوي المنهج الذي اعتمده صوفية المغرب في الحياة اليومية، ففي الوقت الذي ركزت فيه بعض التوجهات علي الزهد في الحياة والاعتماد علي الغير في كسب العيش تميز التوجه الغالب في متصوفة المغرب بكونهم انصرفوا للعمل والتكسب والاعتماد علي النفس في العيش. ولكن في نفس الوقت اعتمدت المدرسة المغربية في التصوف علي نهج التجرد بمعناه القائم علي الزهد في المادة والتخلي الطوعي عنها، وهدفهم في ذلك هو تحقيق التفرغ النفسي المطلوب من أجل سلوك الطريق.
وهذه الميزة جعلت مكانتهم تزداد في المجتمع من حيث كونهم زاهدين في الدنيا ومستغنين عن غيرهم في الانفاق علي أنفسهم، وهو الشيء الذي كان يخلق لهم نوعا من الاستقلالية التي حرم منها العديد من الفاعلين السياسيين في المجتمع كالقبائل التي كانت مرتبطة بالعطايا التي تأتيهم من المخزن ومن الزاوية في بعض الأحيان في أوقات الجدب والجفاف. وعلي هذا الأساس كانت العطايا المقدمة من الأطراف المختلفة للزوايا باسم الشيخ تعتبر محاولة في استجلاب البركة والخير والدعاء من الشيخ لتلافي الجفاف والقحط والضائقة.
blue]خصائص السلوك الفكري
والسياسي للتصوف المغربي
اعتمد التصوف المغربي علي سلوك فكري وسياسي منسجم مع تصورات التجرد والزهد اللذين طبعا معالمه ونهجه السلوكي، ويمكن القول أن التصوف المغربي عرف بعدا عن التجريد في المستوي الفكري وتجردا في المستوي السياسي، وهذا السلوك راجع لكونه بقي بعيداً كل البعد عن المؤثرات الفلسفية، ومكتفيا بمكانته الاجتماعية عن الطموحات السياسية.
وعلي هذا فقد تميز التصوف المغربي بخاصيتين أساسيتين هما البعد عن التجريد الفقهي والكلامي والفلسفي، علي الصعيد الفكري، والابتعاد عن الانشغال بالسياسة والارتباط بالمجتمع علي الصعيد السلوكي الاجتماعي.
البعد عن التجريد الفقهي والكلامي والفلسفي: ان الجمع بين العلم والعمل في التصوف المغربي كانت له نتيجة مهمة تمثلت في نفوره من النزعة الفروعية للفقه علي الرغم من كون عدد مهم من الصوفية كانوا من الفقهاء الأعلام. كما تميز المتصوفة المغاربة بالإعراض عن الجدل والتنظير الكلامي والمناقشات العقدية.
وقد كانت من بين أهداف الزاوية الحفاظ علي سنية الطريقة الصوفية بإبعادها عن الفلسفة وعلم الكلام، واقتصارها علي العلم المؤدي إلي العمل في إطار التوجه السني المعتمد علي تعاليم المدرسة الجنيدية في صيغتها الغزالية.
عدم الاشتغال بالسياسة والارتباط بالمجتمع: لم يبرز متصوفة المغرب طموحات جدية ومباشرة في الفعل السياسي من طرف كبار الصوفية المغاربة، وتتبع المحاولات التي تمت في فترات متفرقة من التاريخ الحديث للمغرب يبرز أنها ارتبطت أساسا بمحاولة الخروج من أزمة السلطة بمحاولة ملء الفراغ السياسي أو رد الظلم أو المساهمة في تنظيم المجتمع.
ويبدو أن سبب هذه السلوكات من طرف المتصوفة المغاربة راجع إلي اشتغالهم أساسا بالتجربة الروحية الأخلاقية الارتقائية، التي كانت ترتكز بالنسبة للمغرب علي الارتباط بمفهوم الجهاد، وهو المفهوم الذي يحيل علي مفاهيم أخري قد تؤدي إلي هذه النتائج، تمثلت هذه المفاهيم في جهاد النفس، وجهاد العدو، وجهاد الظلم، وهي كلها تقع علي مرتبة واحدة، بحيث تكون الظروف المحيطة هي التي تحدد الأولوية فيها.
هذا الارتباط بهموم المجتمع ناتج لدي صوفية المغرب من طبيعة نهجهم في الممارسات الدينية، فاعتمادهم علي التصوف الجماعي عبر الذكر الجماعي والتركيز علي الزيارات وإحياء المناسبات الدينية المختلفة خلق لديهم نوعا من الارتباط بالمجتمع، بحيث لم يسمح التصوف في المغرب بظهور مجموعات مستقلة ومنعزلة عن المجتمع، وهذا ما أدي إلي جعل كل الشيوخ قبلة لجميع أنواع المريدين دون تمييز. وهذا ركز قوة إضافية لدي متصوفة المغرب الأقصي تمثلت في كونهم ارتبطوا أساسا بالممارسات والقيم أكثر من ارتباطهم بالشيوخ، وبمعني آخر ساهم هذا السلوك في منع إشكالية التعصب للشيوخ والصراع بين الزوايا علي هذا الأساس.
خصائص الزاوية البوتشيشية
إذا كانت طبيعة التصوف المغربي علي هذه الشاكلة فان السؤال الذي يطرح الآن هو السبب في اختيار الزاوية البوتشيشية بالضبط دون غيرها من الزوايا المغربية لتحمل عبء المساهمة في تدبير الشأن الديني في المغرب.
لقد اعتبر أحد الباحثين الجزائريين الزاوية البوتشيشية من أحدث الطرق، وذلك بسبب اعتمادها منذ بداية القرن العشرين علي أساليب دعائية عصرية في التواصل، حيث اعتمدت هذه الزاوية أساليب النشر في الصحافة للخوض في الأمور الدينية والاجتماعية. ويبدو أن ذلك راجع إلي محاولتها في تلك الفترة استمالة فئة المتعلمين وذلك لمواجهة الاطماع الاستعمارية التي بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر. وقد عرف عن هذه الزاوية محاربة البدع والعمل علي إرشاد الناس للدين ونشر العلم.
لكن هذا النهج لم يستمر في هذه الزاوية بسبب الاستعمار وتوجه جل التنظيمات الاجتماعية إلي التركيز علي المقاومة ورفض الاحتلال، كما أنه وقع نفور شديد من طرف المجتمع من الزوايا بسبب قضية تعاون بعض شيوخ الزوايا مع الاستعمار؛ غير أنه بتولي الشيخ الحالي زالت كل العراقيل الموروثة عن عهد الحماية وهذا ما ساعده علي توسيع نفوذ الطريقة باعتماد الأساليب التي كان ينهجها مؤسس الطريقة الأول (الشيخ سيدي أحمد بن عليوة).
فقد ركز شيخ الزاوية سيدي حمزة بالخصوص علي توجيه دعوته إلي الشباب المتعلم قصد الانتساب إلي الطريقة البوتشيشية، ويبدو أن الشيخ بهذا النهج استهدف ضمان الاستمرارية والانتشار، في الوقت الذي بقيت فيه بقية الزوايا مقتصرة في استقطابها علي المريدين الأميين.
ان استراتيجية الزاوية المرتكزة علي التواصل مع نخبة المجتمع سمح لها بانتشار كبير في مستوي الفئة المتعلمة والمثقفة في المجتمع وهو انتشار لفت أنظار العديد من المراقبين الذين سجلوا وجود تحرك للفكر الصوفي ليس فقط في مستوي المغرب وانما في مستوي العالم، وهذا ما يبدو أنه أثار انتباه السلطة السياسية التي رأت في هذا الحليف القديم مشروع حليف جديد قد يحل مجموعة من الإشكاليات التي لا تزال عالقة علي مخـــتلف الأصعدة في المجتمع المغربي.

خاتمة
ان ترسخ الفكر والممارسة الصوفية وقدمها في المغرب، وتواصلها عبر قرون مع السلطة السياسية، وارتباطها بالمنظومة الشرفانية وتبجيلها لهذه المنظومة هي كلها عناصر تؤكد علي أن توجه السلطة السياسية إلي الطرق الصوفية كحليف استراتيجي في هذه المرحلة هو قرار ذو أهمية خاصة.

ويمكن القول أن هذا التوجه كان مدروسا بشكل محكم لأن أهداف الدولة في السنوات المقبلة تتلاءم بشكل كبير مع الخصائص التي تتميز بها الزاوية في المغرب. فالنظام السياسي يضع نصب عينيه تنمية سياسية واقتصادية واجتماعية للخروج من الأزمة التي يعيشها المغرب بشكل عام.

والزاوية في هذا تحقق له أهدافه فأمن البلاد مضمون بانتشار الفكر الصوفي الأخلاقي السني، لأنه ينبذ التطرف والعنف ويتميز بخاصية السلم والتسامح . وبتركيز الزاوية علي أخلاق التكافل والتضامن قد تؤدي إلي تمكين النظام من تحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية. أما الاستقرار فالتصوف علي طريقة حب آل البيت وطاعتهم، والتركيز علي أخلاق قبول الآخر لدي الزاوية هو الحل الأمثل لضمان استقرار قد يساهم في توحيد المجتمع ووحدة السلطة.

ويمكن رؤية معالم هذا التوجه في رسالة وجهها الملك محمد السادس إلي المشاركين في اللقاء الاول من لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلي التصوف الذي افتتحت أشغاله بمراكش يوم الجمعة 10/9/2004 يقول في بعض فقراته: لقد استوعب أبناء هذا البلد الطيب، منذ اعتناقهم للإسلام أن جوهر الدين هو تزكيــــة النفـــس وتطهيرها من الأنانية والحقد والتعصب، وتحلـــيها بمكارم الاخلاق، والتسامي عن الشهوات المذلة للقلب والروح والعقل، بضبط النفس ومراقبة سلوكها اليومي، ابتغاء للاكتمال الروحي المصطلح عليه بـ(التصوف).

والمتأمل في تاريخ صوفية المغرب ، يجد في سلوكهم وتعابيرهم، سواء لدي الصفوة أو علي مستوي عامة الناس، ما يجده عند غيرهم من صوفية البلاد الأخري، من رسوخ كبير في الأذواق والرقائق وفهم القرآن.. وإذا كانت مناحي تأثيرهم التربوي والاجتماعي تند عن الاحصاء فان ثلاثة أمور جليلة جديرة بالاشارة في هذا المقام، أولها مساندة الامامة الشرعية في القيام بأعبائها، مع الحفاظ علي الوحدة المذهبية المالكية والعقيدة الأشعرية والانفتاح ، وثانيها تحرير النفوس من حب الرئاسة المغرضة، وترويضها علي الشكر لله ، ونبذ أنواع الأنانية والطغيان وثالثها تخريج ثلة من الرواد الذين لم تتناقض في أذهانهم النوازع الكونية مع التحلي بالروح الوطنية الخالصة.



أخبار | مقالات | بودكاست | فيديو | دليل الإمام