فكانت الزاوية الصديقية ممثلة في شيخها الإمام سيدي محمد بن الصديق رضي الله عنه، ممن أعلى راية الجهاد والكفاح ضد الاستعمار الأجنبي في الشمال المغربي، والنضال من أجل دحْض مخططاته الصليبية التي ترمي لكسر وحدة الصف المغربي ومسخ هويته الإسلامية المتغلغلة في نفوس أبنائه،
فكان رضي الله عنه يؤدي واجبه الشرعي في الجهاد على واجهتين، وذلك أنه كان يعمل على تعبئة الصفوف للقيام في وجه العدو المحتل، وتوعية الناس في الخطب والدروس بالخطر الذي يشكله الاستعمار على دينهم وهويتهم العربية. ومن واجهة أخرى كان يقوم بتحميس المقاتلين من أهل الجهاد في مناطق القتال لأجل شد عضدهم، وتوحيد كلمتهم حتى لا يضعفوا وتخور عزائمهم، ثم بـِمَـدِّ المجاهدين في القرى والجبال بالأموال التي يجمعها لهم من القبائل والمدن لشراء ما يلزمهم من سلاح وعتاد.. إلخ.
فقد أجمع كـلُّ من تـَرجم له من معاصريه إلى أنَّ خطبه ودروسه ــ بعد فرض الحماية على المغرب ــ أخذت طابعا جهاديا، لتحميس المسلمين على القيام بفريضة الجهاد، والذود عن الحرمات والعورات، وحماية الأخلاق الإسلامية والهوية الدينية من دنس الاحتلال وما يجلبه معه من تغريب، وهدم للأخلاق، ومحو للهوية الأصيلة لأبناء الوطن.
وقد كانت الإدارة الاستعمارية وقتئذ أعلنت منـْعَ كثير من دروس العلم والوعظ في المساجد، وحظرت على العلماء قراءة صحيح الإمام البخاري في مجالسهم، ولكن الشيخ سيدي محمد بن الصديق رضي الله عنه أبَى الرضوخ لأمر المستعمر وأذنابه، فشرع في قراءة كتاب الجهاد من صحيح الإمام البخاري في المسجد الأعظم بطنجة.. فأقبل على دروسه جمهور غفير يضُمُّ عامة الناس وطلبة العلم، و حتى العلماء والفقهاء.. فبَيَّـن للناس ما فرض الله عليهم من أحكام الجهاد، و أنَّ هذا أوانََ القيام به، حماية للعقيدة، ورداً لكيد العدو عن بلد الإسلام.. فكان درسه العلمي بالمسجد الأعظم درسا مشهودا، يجد فيه كل حاضر بغيته.
وقد كانت الإدارة الاستعمارية تتحين الفرصة تلو الفرصة لمنع الشيخ رضي الله عنه عن درسه.. لكنها وجدت منه الحرص والاستماتة القوية على إتمام قصده الذي شرع فيه.
ثم إن الإدارة الاستعمارية قامت قبل احتلالها للمغرب على يد بعض أذنابها بتأسيس أول مدرسة في مدينة طنجة، طبعاً على النظام الأجنبي الذي يرضي مقاصد الاستعمار، فقام كثير من المغترين بإدخال أبنائهم إليها.. فما كان منه رضي الله عنه إلا أن أعلن في خطبة جمعة مشهودة حكم الدين الإسلامي من هذا العمل الذي يؤدي إلى زعزعة العقيدة لدى أبناء الوطن، ومسخ هويتهم الدينية والخلقية، وجَعـْل أبناء البلد المسلم يقعون تحت تأطير المؤطرين الفرنسييين، مما يترتب على ذلك مفاسد عظيمة تعرض مصالح البلاد للخطر، فأطنب في ذلك وأطال.
فأثرت خطبته في الناس، وسارع جل مَن كان أدخل ولده إلى هذه المدرسة بإخراجه منها اتباعا لحكم الشريعة الذي بَـيَّنه الشيخ رضي الله عنه لهم.. فقامت بعد هذا العمل ثائرة السفير الفرنسي، ومعه بعض أذنابه من أهل البلد، لأن عمل الشيخ هذا أفسد عليهم أول بذرة بذروها في المغرب لحصد ما كانوا يطمحون إليه، فأفسدها عليهم الشيخ رضي الله عنه، وأرادوا إلحاق الإذاية به، ولكن الله سبحانه وتعالى سلــَّم.
ومن أراد الوقوف على هذه الأحداث وغيرها بإسهاب، فليـُراجع:
ــ " التصور والتصديق بأخبار الشيخ سيدي محمد بن الصديق " ــ وهو مطبوع ــ ، وأصله الكبير المُسَمى: " سُبـْحة العـَقيق بذكر مناقب الشيخ سيدي محمد بن الصديق "، وهو في مجلد ضخم بالخزانة العامة بالرباط. وكلاهما لنجله الحافظ الشيخ أحمد بن الصديق.
ــ " نسمات وادي العَـقيق في أخبار الشيخ سيدي محمد بن الصديق "، للعلامة العَربي بوعَيَّاد وهو في مجلد ضخم، مخطوط.
ــ " نبذة التحقيق من أخبار الشيخ سيدي محمد بن الصديق " للفقيه المؤرخ أبي عبد الله محمد بن العياشي سكيرج الفاسي.
ــ " حادي الرفيق " للأديب الصوفي أبي عبد الله محمد بن الأزرق الفاسي ثم الزياتي.
ــ " تعريف المؤتسي بأحوال نفسي " لنجله العلامة المحدث الناقد البارع سيدي عبد العزيز بن الصديق.. رحمهم الله تعالى جميعا.
ــ " نبذة تاريخية عن حياة الشيخ سيدي محمد بن الصديق وجهاده ضد الاستعمار" للفقيه الأستاذ الباحث عبد السلام بن العربي بوعياد الطنجي. ـ بارك الله تعالى في عمره ونفع به ــ. والكتاب طبع بالمغرب.
وأما من الواجهة الثانية، فقد شارك الشيخ سيدي محمد بن الصديق رضي الله تعالى عنه في الجهاد العملي والميداني، وساهم في مد المجاهدين بالمال والعتاد، بل أشرف بنفسه رضي الله تعالى عنه مع بعض الأفراد من قرابته من أهل مَدشـَر تجكان بتأسيس حركة دار ابن قـَرِّيش بقبيلة بني حُـزْمَـر لمقاومة الزحف الإسباني على أحواز تطوان، فكان رضي الله عنه يمدها بكل ما تحتاج إليه من سلاح، ومؤن، ورجال. واصطدمت هذه الحركة بالفعل مع العدو الإسباني في وقائع مشهورة.. ولولا الخيانة لدامت الحركة طويلا، وكانت حركة الشيخ هذه قبل قيام حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
ثم قام الشيخ من بعدها بمحاولة تأسيس حركة جهادية أخرى بقبيلة أنجرة، إلا أن الظروف لم تساعده بعد أن ظل بهذه القبيلة عدة شهور.
وكذلك لازال كثير من أهالي قبيلة أنجرة ممن تلقوا شهادات من آبائهم وشيوخهم، يذكرون من خلالها مواقف الشيخ رضي الله عنه في التحريض على الجهاد، وما بذل في ذلك من جهد، وكيف تعرَّض إلى محاولة اغتيال وهو بمدشر الزِّمـِّيج ــ مدفن الشيخ الإمام المفسر سيدي أحمد بن عجيبة رضي الله عنه ــ من طرف بعض الخونة الذين أرسلهم بعض المتعاونين مع فرنسا لاغتيال الشيخ، كما اعترفوا بذلك حينما قـًَبـَض عليهم بعض أـباع الشيخ وفي حوزتهم الأسلحة. ثم تعرض إلى محاولة اغتيال أخرى بمدشر بْني مْجمَّـل، وهذه المرة كانت مدبرة من طرف بعض القواد الخونة.
وكل هذه الوقائع مشهورة بين أتباعه ومريديه، تناقلها عنهم أجيال كثيرة، ومنها ما هو مسطر في الكتب المذكورة سابقا.
ومع أن الشيخ رضي الله عنه لزم بيته أخيرا، إلا أنه كان دائم التطلع إلى الجهاد، ومحاربة الاستعمار، فكانت دروسه ومجالسه كلها في التنفير من العدو، والرثاء لما آلت إليه حالة المسلمين.
وبخصوص حركة دار ابن قَـرِّيش تجب الإشارة إلى كتاب الدكتور الشريف محمد بن الحبيب التجكاني ــ أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان ــ ، فقد كتب عن هذه الحركة الجهادية كتابا خاصا طبع بتطوان، شرح فيه أحداثها والبواعث التي دعت لقيامها ونشأتها.