خصائص التصوف


التصوف ركن من أركان الدين وجزء متممٌ لمقامات اليقين، خلاصته: تسليم الأمور كلها لله، والالتجاء في كل الشؤون إليه. مع الرضا بالمقدور، من غير إهمال في واجب أو مقاربة محظور


خصائص التصوف
كثرت أقوال العلماء في تعريفه، واختلفت أنظارهم في تحديده وتوصيفه، وذلك دليل على شرف اسمه ومسماه، يُنبئ عن سمو غايته ومرماه، فقيل: التصوف: الجِدُّ في السلوك، إلى ملك الملوك، وقيل: التصوف: الموافقة للحق، والمفارقة للخَلق. وقيل: التصوف ابتغاء الوسيلة، إلى منتهى الفضيلة... إلى غير هذا من الأقوال التي تبلغ نحو ألفٍ حكاها الحافظ الصوفيّ أبو نعيم الأصفهاني في كتابه " حِليةُ الأولياء".

ثم إن التصوف مبني على الكتاب والسنة، لا يخرج عنهما قيد أنملة، قال الإمام الجُنيد: (علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة) وقال أيضا: (الطريق إلى الله تعالى مسدود إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وقال سهل التستري –أحد أئمة القوم-: (أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب المعاصي، والتوبة، وأداء الحقوق).

لقد تشعبت الأقوال في الصوفية تشعباً ناشئاًَ عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها، والصحيح أنهم المُعرِضون عن الدنيا، المُشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة. ومن ثم قال الجُنيد: التصوّف استعمال كل خُلُقٍ سني، وترك كلُ خُلُقٍ دني. وقال أبو بكر الشبلى-تلميذ الجُنيد- : التصوّف ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك. وقال ذو النون المصرى: الصوفي من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإذا سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق. وقال علي بن بندار -تلميذ الجُنيد- : التصوف إسقاط رؤية الخلق ظاهراً وباطناً، وهذه عبارات متقاربة.

وقد بين القرآن العظيم من أحوال التصوف والطريقة ما فيه الكفاية، فتكلم على المراقبة والمحاسبة والتوبة والإنابة والذكر والفكر والمحبة والتوكل والرضا والتسليم والزهد والصبر والإيثار والصدق والمجاهدة ومخالفة الهوى والنفس، وتكلم عن النفس اللوامة والأمارة والمطمئنة، وعن الأولياء والصالحين والصديقين والمؤيدين، وغير هذا مما يتكلم فيه أهل التصوف والطريقة.

وقد سار على هذا النهج (من مراقبة ومحاسبة وإنابة...) كل من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، إلى أن ظهرت البدع، وتأخرت الأعمال، وتنافس الناس في الدنيا، وكادت الحقائق تنقلب، وكان ابتداء ذلك في أواخر المائة الأولى من الهجرة، ولم يزل ذلك يزيد سنة بعد سنة إلى أن وصل ذلك إلى حالة تخوف منها السلف الصالح على الدين. فانتُدب عند ذلك العلماء لحفظ هذا الدين الشريف، فقامت طائفة منهم لحفظ مقام الإسلام وضبط فروعه وقواعده، وقامت أخرى بحفظ مقام الإيمان وضبط أصوله وقواعده على ما كان عند سلفهم الصالح، وقامت أخرى بحفظ مقام الإحسان وضبط أعماله وأحواله.

فكان من الطائفة الأولى الأئمة الأربعة وأتباعهم -رضي الله عنهم- وكان من الطائفة الثانية الأشعري وأشياخه وأصحابه، وكان من الطائفة الثالثة الجُنيد وأشياخه وأصحابه. فعلى هذا ليس الجُنيد هو المؤسس للطريقة، لما ذكرناه من أنها بوحي إلهي وإنما نسبت إليه لتصديه لحفظ قواعدها وأصولها، ودعائه للعمل بذلك عندما ظهر التأخر. ولهذا السبب نُسبت العقائد للأشعري، والفقه للأئمة الأربعة، مع أن الجميع بوحي من الله تعالى

لم يكن اختيار المغاربة علماء وأمراء للمذهب الأشعري العقدي عبثا ولا لسبب من أسباب السياسة والتطورات التاريخية كما يدعيه بعضُ الناس، بل كان لأسباب عدة معقولة، ومجملها أنه مذهب وسطي في أصوله، معتمدٌ من علماء سُنِّيين وسطيين في اعتقاداتهم واختياراتهم، فهذه بعضُ ما لأجله اختار المغاربة العقيدة الأشعرية:

1- كان العلماء المغاربة يتصلون في رحلاتهم إلى الشرق (الرحلات الحجازية) بعلماء المذهب المالكي يسمعون منهم الموطأ والأمهات في المذهب، وقد كان أغلبهم أشاعرة محققين، فأخذوا عنهم مع الفقه المالكي العقيدة الأشعرية، التي جاؤوا بها ونشروها بين الناس ودعوا إليها.

2- ساعدت الدولة الموحدية وأسهمت بشكل كبير في نشر المذهب الأشعري والذب عنه، وإلزام الأمة به كان سببا هاما لنشر هذا المذهب.

3- الوسطية التي تميز بها المذهب الأشعري بين تيارَيْن منحرفين، تيار المشبهة المجسمة وتيار المعطلة النفاة، حتى غدا في أذهان الناس أن الفرقة الناجية الوارد بها الحديث المشهور هي الأشاعرة والماتريدية لا غير.

4- الوحدة السياسية في المغرب وخاصة بعد سنة 172 هـ - سنة انفصال المغرب عن الحكم العباسي- كانت سببا من أسباب التوحد على المذهبية والعقيدة والسلوك، وخاصة وأن المنطقة بعيدةٌ عن التوترات والقلاقل التي كانت تحول دون تحقق هذه الوحدة الفكرية والعقدية والمذهبية، والتي كثرت في المشرق الإسلامي.

5- اعتماد المغاربة المذهب المالكي مذهبا متَّبعا، وهذا سبب وجيهٌ لاعتناقهم وإيمانهم بالعقيدة الأشعرية، ولذلك آزر المالكية المذهب الأشعري وانتموا إليه، فكان هو مذهبَهم العقدي إلى جانب فقه مالك وتصوف الجنيد، وهكذا ارتبط العقدي بالفقهي والصوفي في تفكير المغاربة.
6- لقد كان جامع القرويين، الذي هو أهم مؤسسة علمية في المغرب منذ قرون، الداعمَ الأساس لنشر العقيدة الأشعرية، فإن العلماء توارثوا مبادئها وصنفوا في أصولها وعقدوا مجالس في أحكامها، ونشَّؤوا الطلبة على حبها والدفاع عنها.

ككل المذاهب الفرعية والأصولية التي يحصلُ في جزئياتها خلافٌ في النظر بين أهل العلم بناءً على ما يستوجبه الاجتهاد المعرفي، فقد كان الفقه المالكي في المغرب متميزا بميزات تخصه، حتى أضحت المدرسة المالكية المغربية الأندلسية ذاتَ طابع خاص في طرق الاستنباط واختيارات الأقوال، خالفت المدرسة المدنية والعراقية وغيرَها...وكذلك تميزت العقيدة الأشعريةُ في المغرب ببعض الميزات، حيث اختار علماؤه من المذهب اختيارات خاصة، أهمها:

إيجاب النظر واعتباره من فروض الأعيان، ونبذ التقليد في العقائد نبذا صارما، واعتبار المقلدين كفارا، وما ذلك إلا لأن الصراعات النظرية والسياسية التي دارت بين مفكري الأشاعرة ومفكري أهل التسليم والتفويض كانت قد عرفت اصطدامات دموية عنيفة. فقد وجد المذهب الأشعري في مواجهته فكرا عقديا منظما يصادر النقل، وعلى ما كان عليه السلف الصالح، وفي نفس الوقت متحكما ومتمكنا من الساحة لاسيما في أوساط عوام الناس.

وترتب على هذا إلزام أشاعرة المغرب العوامَّ بعلم الكلام وإيجاب النظر عليهم، وهو قولٌ من الأقوال في المذهب الأشعري لم يلتزمه أغلبُ أشاعرة المشرق.

لم يجعل الأشاعرة في المغرب موضوعَ النبوات موضوعا مستقلا عن المباحث العقدية المتضمنة في بابها الأصلي، كما فعل أشاعرة المشرق، حيث عقدوا فصولا خاصة وتأليفات مستقلة للحديث عن موضوع النبوات والاستدلال لها والمعجزات والاحتجاج لصحتها، حيث ظهر عندهم منكرو النبوة كثيرا عبر تاريخ القرون الستة الأولى، فاقتضى ذلك مواجهة علماء المشرق لهذه النظريات الكفرية وجاهدوا ضدها، وهو ما كان المغرب طاهرا منه، فلم يعره الأشاعرة فيه أهمية بل ضموه في كتب العقيدة كغيرها من أمور التوحيدu[

التصوف المغربي

التصوف الإسلامي | نشر | أعلام | المكتبة المرئية | دليل الإمام | راصد أقطاب | المقارن | فقه الحوار | مقالات | أدوات