تقديممن المعلوم أن سياسة الدين والدنيا قد ارتبطت في تاريخ الأمة الإسلامية برعاية مصالح العباد والبلاد وما يصلح شأنهم في الحال والمآل، و لذلك جرى بين العلماء والأمراء وأهل الرأي في أزمنة كثيرة نوع توافق على ما يحفظ الأمن الروحي والسياسي للأمة، ويصون وحدتها من التمزق والخلاف، ويجنبها إثارة الفتن الداخلية والخارجية، التي لم يجن منها المسلمون سوى محن ضيعت الطالب وأفسدت المطلوب
وقديما قال الأفوه الأودي:
تنقاد الأمور بأهل الرأي ما صلحت فإن فسدت فبالأشرار تنقاد لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا فجمع الأمة على تصور وخطة دينية لصيانة وحدتها من الخلاف والتمزق لم تكن الأمة فيه بدعا في الناس، وقد حث القرآن الكريم على التآلف والتقارب وترك ما يوجب التدابر والتنازع، كما قال تعالى : (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ونذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) ( الأنفال : 46 ) وهذا الذي دفع أبا جعفر المنصور إلى أن يفكر في جمع الناس على موطأ مالك حيث قال لمالك: «ضع للناس كتابا أحملهم عليه ، فكلمه مالك في ذلك ، فقال : ضعه فما أحد اليوم أعلم منك . فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر . وفي رواية أن المنصور قال له : يا أبا عبد الله ! ضع هذا العلم ودون كتابا وجنب فيه شدائد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ورخص عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما وشواذ ابن مسعود رضى الله عنه واقصد أواسط الامور وما أجمع عليه الصحابة والأئمة . فقال مالك : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رأى ، فلأهل المدينة قول ، ولأهل العراق قول تعدوا فيه طورهم ، فقال : أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفا ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، فضع للناس العلم» [1] ولئن كان مالك أبى جمع الناس في زمانه على ذلك لما ر أ ى من استقرار مذاهب أخرى في بعض الأمصار سدا لذريعة الاعتراض والخلاف، فإن هذا المنحى في توحيد المذهب وتأصيل التدين لدى عامة الناس وتحصينه وحمايته برسم المذهب سدا لذريعة الخلاف قد ظل سياسة ماضية في المغرب والأندلس، منذ دخول الإسلام واستقرار الحكم بهذه البلاد، فسار الناس على ذلك إلى يوم الناس هذا . وهذه الوحدة المذهبية السنية التي ظلت تحكم المغاربة في التشبث بالمذهب المالكي ، وعقيدة أبي الحسن الأشعري والتصوف السني طيلة هذه العصور ، كانت من أهم عوامل الاستقرار السياسي والديني بالمغرب، حيث ظلت البلاد في منأى عن النزاعات الدينية والفتن المذهبية ، وتكسرت على صخرة وحدتها العقدية والمذهبية كل التيارات الهدامة التي رامت فتنة القلوب والعقول، ومن ذلك صولة مذهب الخوارج بسجلماسة أيام بني مدرار وبني رستم، وكذا محاولات الفاطميين العبيديين في القرن الرابع، وغيرها من التيارات التي رامت تفتيت الوحدة المذهبية للمغرب ، كلها محاولات باءت بالفشل. ومن ثم فإن التأصيل للنظرية الاندماجية في الشأن الديني أصبح ضرورة ملحة في إصلاح الشأن الديني، لأنها تجري في نفس المضمار، هدفها تقوية عرى الوحدة المذهبية وتجديدها؛ صيانة لدين الأمة من أن يصبح مجالا للفوضى والنزاع اللذين يؤديان إلى الفشل والانحطاط. وقد قال تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) (آل عمران: 103 ) فهي نعمة الوحدة والتآلف لا بد أن يحفظها كل مسلم مواطن غيور برعاية ثوابتها التي هي من أسبغ الآلاء والنعم التي تصون الأمن الروحي والسياسي لهذه البلاد. وهو بذلك على ثغر عظيم من ثغور الإسلام، فلا يؤتين الإسلام من قبله. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من كفران النعم حين قال : «لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ، والمراد هنا كفر النعمة، وجحودها، ونسيان فضل الله في ذلك، بالتفريط في اجتماع الشمل والكلمة، ومفارقة الجماعة والانحياش لأهل الشذوذ والفرقة. وهذه فيما يلي اثنا عشر معلما، ضمن « دليل الإمام والخطيب والواعظ » تدل السائرين على ما ينبغي حفظه ورعايته، لإصلاح الشأن الديني وتحسين أدائنا في مجالات التوجيه والإرشاد وتحصينه من نوازع الخلاف والخروج عن الجادة بوابة أقطاب
إقرأ المزيـــد
التصوف الإسلامي | نشر | أعلام | المكتبة المرئية | دليل الإمام | راصد أقطاب | المقارن | فقه الحوار | مقالات | أدوات |
راصد أقطاب - سيرة صحابي - 30/04/2012
أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر
|
||||
|
.
|
|||||















