اقسام اقطاب
           

الولي العابد: محمد بنبراهيم الأنصاري (1): البذرة السنوسية الطيبة


إلياس بلكا



بإذن الله أبدأ هذه السلسلة في التعريف ببعض رجالات المغرب خاصة، من أهل العلم أو الصلاح أو كليهما.

وقررتُ أن أبدأ بالتعريف بأستاذي العزيز وصديقي الكبير، والذي فقدناه في الصيف الماضي.. فقد كان رحمه الله من أكبر كنوز فاس، بل والمغرب، غير أن الناس لم ينتبهوا له إلاّ القليل.. فسبحان من أخفاه في خَـلقه مع علوّ درجته.. وتلك سُنة الله في أوليائه أنه يسترهم ببَشريتهم عن البشر، فهُم يرَونهم ناساً مثلهم، ولم ينفذ نظرهم إلى بواطنهم المملوءة من نور السماء والمتصلة بعالم الغيب.

إنه: محمد بن عبد القادر بنبراهيم. وأبوه هو السيد عبد القادر الأنصاري. وأمه هي السيدة أمينة بنت إدريس بن المأمون السنوسي الحسني الخطابي، المتوفاة يوم 23 شوال 1417، 3 مارس 1997. كانت رحمها الله من الخيّرات الصالحات الكريمات.

ونبدأ بالحديث عن أصول المرحوم من جهة الأم لشرف هذه النسبة ولتوافر معلومات أكثر عنها.

ورغم أنني أعرف المرحوم منذ سنين إلاّ أنه أبدا لم يذكر لي هذه النسبة الشريفة، فلم أعرفها إلاّ بعد موته. وهذه عادته رحمه الله في التواضع لله وللناس وترك الدعوى –ولو بحقّ- وهضم النفس.

أما اسم الخطابي في سلسلة آباء السيدة الوالدة، فنِسبة لجدّهم عبد الله بن خطاب والذي ينتهي نسبه إلى عمران أحد أولاد المولى إدريس الأزهر باني فاس ابن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السِّبط بن سيدنا علي.
عاش عبد الله بن الخطاب بالنصف الثاني من القرن العاشر الهجري، وكان من كبار أولياء الغرب الإسلامي، حتى وُصف بالقُطبانية... وهو الذي عمّر مستغانم المدينة الصوفية العريقة، والتي تقع الآن بغرب الجزائر. وقد اتخذها  الشيخ ثغرا للرباط والمجاهدة، إذ هي بلدة ساحلية، وبها دُفن، وضريحه إلى الآن بارز معروف يزوره الناس.

والجدير بالذكر أن مستغانم هي أيضا بلد ومدفن الشيخ الكبير أحمد بن مصطفى العلاوي الذي لعلّه أكبر صوفية القرن الماضي.
وقد ترك ابن خطاب خمسة أولاد كوّنوا العائلات الثلاثة: الطرش، والرزيقات، والطواهرية.
فجدُّ آل الطرش هو العربي الأطرش، وذريته تنقسم إلى: الهواشم والسنوسية وأبناء العربي.

والسنوسية هم أولاد السنوسي بن العربي الأطرش، فهو بمثابة الجدّ الأعلى.. والذي بدوره ترك: عليّـا، وعبد القادر، والعربي.
أما السيد علي فقد خلـّف صاحب الطريقة السنوسية الشهيرة الشيخ محمد بن على السنوسى. وأما عبد القادر فترك ذرية تكاثرت واتسعت إلى اليوم،  بخلاف العربي الذي يبدو أن ذريته كانت أقلّ، خاصة بالمغرب.

ثم يوجد سنوسيون كـُثر ينتمون لقبيلة بني سَنوس، وهم أساسا أمازيغ كوميون عاشوا ما بين تلمسان ووجدة، ثم نزح قسم منهم إلى منطقة "قرية بامحمد" منذ ثلاثة قرون.
أما الأسرة السنوسية التي نتحدث عنها هنا فخطابية إدريسية، وأعدادهم  هي الأقل بالمغرب مقارنة بليبيا والجزائر.
إذن يتفرع السنوسيون الأشراف إلى ثلاثة فروع: عائلة الشيخ محمد بن علي، وعائلة مختار بن عبد القادر، وعائلة العربي.

والمرحوم إدريس بن المأمون -جدّ الأستاذ محمد بنبراهيم من أمه- كان ينتمي –في ظني- إلى فرع مختار بن عبد القادر. ولابد أنه كان قريبا من الملك إدريس كابن عمّ مثلا، وهو ما يفسّر حرص ملك ليبيا إدريس رحمه الله على المبادرة بزيارته بمنزله بفاس.

المقصود أن جدّ بنبراهيم –من جهة أمه-  كان من العمومة المباشرة لأشهر السنوسيين، وهو محمد بن علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية عام 1837. وقد ولد بمستغانم ثم هاجر لطلب العلم بفاس، ومنها إلى الحجاز مُدرسا للعلوم  ثم قفل عائدا لموطنه، لكن ظروف الاستعمار اضطرته للاستقرار بالجبل الأخضر ببرقة حيث أسس الزاوية ونشر الطريقة، ثم نقل مقرّه للجنوب بمنطقة الجغبوب، ولاحقا إلى واحة الكَفرة.

لذلك يُعرف محمد بــ: السنوسي الكبير. وقد ترك ولدين:  خليفته المهدي..  رجل من طراز فريد، فهو صوفي وشيخ طريقة، وفي الوقت نفسه رجل "دولة" له قدرة هائلة على التنظيم والتخطيط. وفي عهده أَنجزت الزاوية نهضة شاملة -دينية وتعليمية واقتصادية واجتماعية- امتدت آثارها إلى شرق إفريقيا ووسطها. والولد الآخر هو محمد الشريف.

ثم إن المهدي خلّف ولدين: محمد إدريس (الملك، ويُعرف اختصارا بـ: إدريس، وهو الذي في الصورة)، ومحمد الرضا، فتولّى الأول شؤون الإمارة السنوسية.
وقد كان إدريس مفاوضا سياسيا بارعا، وله دراية بالسياسة الخارجية ودهاليزها، فتولّى مقاليد الطريقة السنوسية التي كانت بمثابة حكومة الأمر الواقع –برغم القوى الأوربية- ببلاد برقة واجدابيا والكَفرة وما جاورها، وعيّن أخاه خلفا له (وليّ عهده).
لكن الأوضاع تغيّرت بسبب عاملين: الأول رغبة الطرابلسيين في الدخول في إمارة إدريس، والثاني سيطرة الفاشيست على الحكومة، فألغى موسوليني جميع المعاهدات مع السنوسيين.. لذلك رأى إدريس أن يغترب إلى مصر، بينما يقود صاحبه عمر المختار المقاومة، ويسيّر محمد الرضا ما أمكنه شؤون الإمارة والزوايا.

وقد بالغ الإيطاليون بقيادة غراتسياني في القتل والتدمير والوحشية وعملوا على الإنهاء التام للسنوسية وحاضنتها الاجتماعية، لدرجة أن المؤرخين يقدّرون أن ربع الشعب الليبي استشهد في هذه الظروف، كثير منهم في معسكرات الاعتقال الجماعية.
أخيرا مع نهاية الحرب العالمية الثانية استطاع الملك إدريس انتزاع استقلال برقة وانضمام طرابلس إليها وتكوين المملكة الليبية.. سنة 1951.

لكن أسبابا متنوعة -بعضها سياسي وبعضها ديني وبعضها اجتماعي..- جعلت الملك إدريس في أعماقه عازفا عن تدبير الشأن العام، لدرجة أنه عزم مرارا على التنحّي عن الحكم.

حتى أخوه ووليّ عهده الرضا كان مثله في صفات التديّن والزهد. كلاهما لم يكن متحمسا للحكم ولا محبا للسلطة.
رغم ذلك ممّا يُحسب للملك إدريس أنه حاول إنشاء ملكية دستورية وقانونية كانت الأكثر تقدّما في زمنها بالوطن العربي.
وهذا الزهد في الحكم هو مما سهّل على العقيد القذافي وجماعته الانقلابَ على الملك إدريس سنة 1969، فاغترب الملك وتوفي سنة 1983 حيث دُفن بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة.

لذلك علـّق المرحوم الحسن الثاني – كما بكتابه «ذاكرة ملك»- على عملية الإطاحة بالنظام الملكي في ليبيا ، فقال ما مختصره: "لم يدهشني ولم يفاجئني، ويمكن القول بأنه كان أمرا لا مفر منه، ورغم أن الملك إدريس السنوسي كان مستقيما وشريفا، إلاّ أنه لم يكن يهتم بتاتا بالشؤون الدنيوية. لا أقول عنه بأنه قام بكل شيء للتخلي عن العرش، بل أقول إنه لم يقم بأي شيء من أجل الحفاظ عليه."

ثم كان للرضا ثلاثة أولاد: الصديق والحسن ومصطفى.. وأوصى بعهده لابنه الأمير الحسن الرضا والذي يعتبر أكثر من عانى من عسف الانقلابيين وظلمهم، فألزموه الإقامة الجبرية ثم هاجموه  ببيته حتى أصابه شللٌ أقعده عن الحركة... وقد ترك رحمه الله وصية تم فتحها فى يونيو 1992 فى مؤتمر صحفى، بموجبها يكون ابنه الأمير محمد الحسن الرضا (من مواليد 1962) الوريثَ الشرعى للعرش الليبى. واليوم يدافع بعض الليبيين عن عودته للعرش واستعادة الدولة لنظامها الملكي القديم، خاصة مع قوة الشرخ الحالي بين الشرق الليبي والغرب الليبي، وهو ما يمكن علاجه في إطار ملكية أثبتت في عهد السنوسيين أنها الجامعة للشعب.

نعود لموضوع صاحبنا –الأستاذ محمد بنبراهيم-، فقد قام الملك إدريس رحمه الله بزيارة خاصة إلى فاس، وهي زيارة شخصية لا علاقة لها ألبتة بأيّ شأن سياسي، وإن حاول الفرنسيون استغلالها،  وذلك في نوفمبر 1953م. فزار ضريح جدّه إدريس الأزهر رضي الله عنه، كما زار الزاوية التيجانية.

وعلى المستوى العائلي زار ابنَ عمّه إدريس بن المأمون، وهو جدّ أ.بنبراهيم  مِن أمه. وذلك بمنزلهم العامر بطريق إيموزار أوّل الخروج من مدينة فاس. ولابد أن أ.بنبراهيم الذي كان عمره آنذاك إحدى عشر سنة لقي الملك إدريس في زيارته هذه.
كذلك نشأ محمد بنبراهيم –كأخواله السنوسيين- طيبا متواضعا، زاهدا في الدنيا مُعرضا عنها... هي بذرة حَسنية أصيلة، إذ كذلك كان جدّهم الأكبر سيدنا الحسن حين زهد في الحكم فتنازل لمعاوية كي يجمع كلمة المسلمين.. رحم الله الجميع.

المصدر




تعليق جديد
Facebook Twitter

أخبار | مقالات | بودكاست | فيديو | دليل الإمام