اقسام اقطاب
           

الولي العابد: محمد بنبراهيم أنصاري (3): الأسرة قبل فاس وبعدها.


إلياس بلكا



إلياس بلكا
إلياس بلكا
نتحدث في حلقة اليوم عن أصول المرحوم من جهة الأب، فهذا  البحث مثال لعلم الأنساب والدراسة الجينيالوجية ممّا يدخل حاليا ضمن علوم التاريخ والاثنولوجيا.
لقب "بنبراهيم" اسم عائلي لأسرة مغربية قديمة، وهي عادةُ بعض الأسر التي تحتفظ بأسماء عائلاتها القديمة،  كالطاهري وميكو والعراقي والحبابي والصبيحي..الخ.
عموما تنقسم الأسماء المغربية إلى مجموعات عدّة، فمن أصنافها ألقابٌ تبدأ بـ"ابن"، وهي نسبة إلى الجدّ الأعلى مثل: ابن خضراء، وابن شقرون، وابن جلون.. ومنها: ابن إبراهيم.

وهذا يدل على أن "بنبراهيم" هو اسم حقيقي لجدّ أعلى للأسرة، وهو -كما سيأتي- الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الذي جاء إلى فاس منذ حوالي ستة قرون. وهذا مِما يفسّر أنه لم  يرِد ذكرٌ لآل بنبراهيم في كتاب "بيوتات فاس الكبرى"، الذي كتبه المؤرخ إسماعيل بن يوسف ابن الأحمر المتوفى سنة 807هـ، وأتمّه غيره. 

لذلك نجد الكلام عن آل بنبراهيم عند المتأخرين، ومنهم العالِم النسّابة  عبد الكبير بن هاشم الكتاني، المولود سنة 1263 هـ، والمتوفى سنة 1350هـ. فقد كتب في موسوعته "زهر الآس في بيوتات أهل فاس"، ج1/ ص59 فما بعدها، تحت عنوان" بيت ابن إبراهيم الدكالي" ما مختصرُه: 

"أصل هذه الفرقة من دكالة، القبيلة المشهورة قرب مدينة مراكش. ويسمون أيضا: المشَنْزَائيين نسبة إلى مشنزاءة، إحدى القبائل الست من قبائل عرب دكالة. كان لها صِيت عالي وذات شوكة. وكان سكناهم بمدينة يقال لها: مشنزائية، لكنها اندرستْ في المائة السابعة في أوائل دولة بني مرين، فتفرّق أهلها في الأرض.
وقد تقدّم فيهم جمعٌ من الأولياء المشاهير، من أبرزهم الفقيه العالم الوليّ الصالح أبو عمران موسى الدكالي.

ثم إن أحد أحفاده -وهو الشيخ العلاّمة أبو إسحاق إبراهيم- قدِم فاساً أوائل المائة التاسعة، وكان سبب قدومه لها إرادة الحج، فأقام بها لِما أراده الله من تفريع نسله بها والانتفاع بعلومه. وكان ملحوظ الجانب عند سلطان وقته أبي سعيد عثمان المريني. فاستقر بفاس وكوّن بها ذرية. لذلك فبيت هذه الفرقة كبير بفاس، شهير بالعلم بين الناس، وهم من أعيانها قديما وحديثا، تقدّم بها جماعة من العلماء الفحول والجهابذة الأعلام. ولازالت هذه القبيلة شهيرة بفاس إلى الآن. 

وكان لأبي إسحاق أربعة أبناء، كلهم فقهاء، توفي ثلاثة قيْد حياته من غير عقِب. والرابع توفي بعده، وفيه العقب، وهو الجامع لهذه الشعبة الإبراهيمية المشنزائية الموجودة التي صارت اليوم قبيلة شهيرة بفاس، ومَنشأ تفريعها ومُلتقى فصائلها كلِّها ومرجع جميعها. وهو الشيخ الفقيه العلامة خطيب القرويين السيد محمد، ويلقّب -هو وعقبه- بلفظ "غازي" لأن أمه بنت ابن غازي الإمام العلامة الشهير المتوفى سنة 856هـ.

 ولما توفي محمد رحمه الله خلف أربعة أبناء: أحمد، والسيد محمد المدعو البحر، وعبد الرحمن، وأبو القاسم.

فأحمد كان عالما، وتوفي من غير ذرية. ومحمد فقيه، ومن عقبه جماعةُ علماء وحفاظ وقضاة يُعرفون بـ"الخياط". منهم صاحب "سلسلة الذهب المنقود في ذكر الأعلام من الأسلاف والجدود"، مخطوط مهم لو وجدناه، لأنه يلقي الضوء جيدا على آل بنبراهيم المتقدمين. أما عبد الرحمن فقد جمع بين العلم والصلاح، وتَلمذ له أكابر من العلماء والصوفية. وفي ذريته صالحون كثيرون.
أما أبو القاسم فعالم كبير ومشارك في العلوم، خاصة علوم القرآن والتوثيق والعربية، وممّن أخذ عنه من الجِلّة: الشيخان رضوان الجنوي وأبو المحاسن الفاسي. توفي 976.

وأكثر هؤلاء وذرياتهم دفنوا بباب الحمراء داخل باب الفتوح، فهناك مقبرة الأسلاف.

ومن أحفاد أبي القاسم واحدٌ يسمى: قاسم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم المذكور، أي المتوفى سنة976.
ثم توفي هذا الحفيد عن ولدين: أحمد وعبد السلام. فانقرض عقب أحمد، بينما خلف عبد السلام: محمدا وقاسما. ومحمد لم يعقب، وقاسم ترك خمسة: عبد السلام ومحمد وعبد الواحد وعلي وأحمد.

ثم ينتهي الكتاني -صاحب الكتاب الذي أنقل عنه- بقوله: أحمد هذا له: محمد وعبد القادر، وكلهم بقيد الحياة. وسكنى هؤلاء بالسبع لويات، وقرب سيدي عبد الله المكي بالحفارين، داخل باب عجيسة ودرب الدرج، عدوة فاس الأندلس، وبالسبطريين." انتهى. 

والذي لم يدركه النسَّابة الكتاني -الذي كتب هذا الكلام منذ حوالي قرن من الزمان- أن أحمدَ ترك بعدهما ابنا آخر، هو الأصغر، اسمه عبد الرحمن، وكان اسما على مُسماه زاهدا عابدا، عُرف بتجارته بالمشاطين (ولد سنة 1910 وتوفي برمضان 1997). وأن الابن الآخر لعبد القادر (الذي في الصورة المرفقة) هو والد الشخصية التي نكتب عنها في هذه المقالات: الأستاذ محمد بنبراهيم. بينما الابن الأكب رمحمد توفي دون عقب من الذكور.
وأم الثلاثة هي الشريفة الفاضلة التقية  لالّة غيثة الودغيري، كانت لها موهبة إلهية بالشفاء بآيات من القرآن الكريم.

فصاحبنا إذن هو محمد بن عبد القادر بن أحمد بن قاسم بن عبد السلام بن قاسم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم العالم الصالح المتصوف، من أصحاب الولي الشهير عبد الله الخياط الزرهوني، والمتوفى كما قلنا سنة976. وقد ذكر الشيخ محمد الكتاني -معاصِر عبد الكبير الكتاني السابق صاحب بيوتات فاس- نبذةً طيبة عن أبي القاسم في كتابه "سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أُقبر من العلماء والصلحاء بفاس"، 2/ 145. كما أورد -في هذا الجزء خاصة- جماعةً آخرين من آل بنبراهيم.

وقد كان الأب عبد القادر رجل علم وفضل، من خِريجي القرويين، واشتغل عدلا مُوثقا، كما عمل بالتجارة بالسبرطيين، على عادة كثير من آل بنبراهيم القدامى، درسوا ثم تحوّلوا للتجارة.
ثم إنه مَال في كهولته إلى الزهد والخلوة والصمت حتى توفي رحمه الله بفاس، يوم الأحد 3 جمادى الأولى 1415هـ، 9 أكتوبر 1994.

أما الجدّ أحمد فقد كان رجلا صالحا زاهدا، حافظا ومقرئا للقرآن الكريم، تخرّج أيضا من القرويين، وكانت تجارته الجِلد ومنتوجاته. تقف وتستقبل بوجهك الباب الرئيس لخزينة القرويين بساحة النجارين، فعن يمينك توجد زنقة السمّاطين، فأول محلّ  بمجرد أن تدخل الزنقة عن يسارك هو محل تجارته. 

بقي تفسير لقب "أنصاري" في اسم العائلة. والظاهر -من التاريخ، ومن الرواية الشفوية كما حكاها لي بعض أبناء عمومة المرحوم- أنها نسبة للأنصار، القبيلة العربية التي نصرت رسول الله وآوت صحابته المهاجرين من مكة إلى المدينة المنورة... وبالضبط إلى سعد بن عبادة الصحابي الجليل، وكبير قبيلة الخزرج. 
وقد غادر الأنصار موطنهم الأصلي بالمدينة  لسببين: أحيانا للمشاركة في الجهاد والدعوة إلى الإسلام، وأحيانا فرارا من بطش بعض الأمويين بالمدينة وأهلها، خاصة إثر موقعة الحرّة.

لذلك تفرّق الأنصار في العالم الإسلامي، ولا تزال بعض الأسر والقبائل تحتفظ بنسبها الأنصاري، كعوائل النجار والشاط وابن الأحمر والسكيرج وعشائر بني أنصار بمزوجة الناظور والناصريين بدرعة..   

ويعتبر المغرب تاريخيا من أكثر البلدان التي استقبلت الأنصار، خاصة حين سقطت دولة بني الأحمر بغرناطة، آخر ممالك الأندلس، وهي عشيرة أنصارية (بنو نصر)، فهاجر معظمهم إلى المغرب، واستوطنوا بمدنه الرئيسة، وعلى رأسها فاس.    
ويبدو أن أسلاف بنبراهيم كانوا من الأنصار الأندلسيين، ثم هاجروا إلى جهة دكالة واستوطنوها لمدة حوالي تسعين سنة، ثم غادروها إلى مناطق مختلفة، كان من جملتها فاس حين قدم  عليها أبو إسحاق بن إبراهيم كما رأينا. 

والحديث عن الأنصار ذو شجون، فهم يمثلون أجمل قصص الفداء والعطاء في تاريخنا، حتى نزل فيهم قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، كما أحبّهم نبينا عليه السلام كثيرا، ورفض أن يغادر مدينتهم حتى دُفن بها.. صحيح أن القرشيين خدموا الإسلام وضحوا في سبيله، لكنهم أخذوا نصيبا من ثماره، بخلاف الأنصار قدّموا كل شيء ولم يأخذوا المقابل، فضحوا وعفُّوا وسكتوا وتواصوا بذلك عبر الأجيال.. لذلك عندي محبة خاصة وعميقة في الأنصار، وآليتُ على نفسي في كتابي عن التقريب بين السنة والشيعة، والذي فاز بجائزة دولية في حقل الدراسات الإسلامية في 2010.. آليتُ أن أكتب عن الأنصار وأخلّد صِدقهم وقصّتهم. إنه ديْن في عنقي أنتظر الوفاء به.. وربما كانت الكتابة عن الأستاذ بنبراهيم أنصاري جزءً من أداء هذا الديْن.. رحمهم الله جميعا ورضي عنهم. 

أخيرا لا أنسى أن أتوجّه بتشكراتي الحارّة لابن عمّ صاحبنا: الأستاذ بدر الدين بن محمد بن عبد الرحمن المذكور أعلاه ( شقيق عبد القادر والد صاحب الترجمة)، ذرية طيبة بعضها من بعض، إذ هو مصدر بعض معلومات هذا المقال.. وهذا ليس بغريب عليه، إذ الأستاذ بدر مُجاز في التاريخ من جامعة السانيا بمدينة وهران  سنة 1992، كما حصل على  شهادة الدراسات المعمقة في التاريخ من جامعة السوربون بباريس سنة 1994.. أعني أنه اشتغل بعلم التاريخ، فلعلّه يتحفنا في قابل الأيام بمزيد من المعلومات. 

المصدر



أخبار | مقالات | بودكاست | فيديو | دليل الإمام