أقطاب : صحيفة الأديان والمذاهب

           

الشُّعرُ والتَّصوفُ

بوابة أقطاب

العلاقة بين الشِّعر والتصوُّف: إن ظاهرة العلاقة بين الشعر والتصوف ملفتة للنظر، لا لأن القصيدة الصوفية التقليدية هي فرع أصيل من شجرة الشعر العربي فحسب، بل كذلك لأن أعلام الشعر العربي الحديث كالبياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور ينحون في بعض أشعارهم منحى صوفياً ، تجربة أو استلهاماً. ولا يقتصر الأمر على الشعر، وإنما يمتد أيضاً إلى الرواية، كما هو الحال لدى الروائي جمال الغيطاني في روايته " التجليات"، مثلاً



الشُّعرُ والتَّصوفُ
تحديد الشعر الصوفي:

تنقسم الدراسات النقدية التي تتناول هذه الظاهرة وترمي إلى تحديد الشعر الصوفي إلى قسمين:

الأول، يرمي إلى إبراز تجليات المفاهيم والإشارات الصوفية في العبارة الشعرية (1).
الثاني، التوسُّع في مفهوم التصوف ليغطي جميع التجارب الشعرية الوجدانية والرومانسية.(2)

ولا يسلم هذان التوجهان من بعض المزالق التي سنبينها في هذه الدراسة.

الإشارات الصوفية في العبارة الشعرية:

في القسم الأول، يبحث الناقد عن المصطلحات الصوفية في القصيدة ليعدّها قصيدة صوفية أو ذات حمولة ذوقية أو ذات ومضات عرفانية. والمصطلحاتُ الصوفيةُ مبثوثةٌ في كتب المتصوفة أو مجموعةٌ في معاجم التصوف مثل معاجم عبد الرزاق الكاشاني (3) أو معجم الشيخ محي الدين بن عربي (4) أو معاجم التصوف الحديثة (5). ومن المصطلحات الصوفية المشهورة من حرف الحاء مثلاً: الحال، الحجاب، الحدس، الحرية، الحق، الحلول، إلخ. فإذا وجد الناقد عدداً من هذه المصطلحات الصوفية في قصيدة ما، قد يستنتج وجود تجليات صوفية في تلك القصيدة.

يقول أحد الباحثين الجادين:

" في تاريخ الشعر العربي، ومنذ لحظاته الانبثاقية الأولى، تجلت بذور الحدس الصوفي عبر تجذّر أواصر الصوغ الشعري بذات قائله. يقول الحارث بن حلزة اليشكري:
فحبستُ فيها الركبَ أحدِسُ، في كلِّ الأمورِ، وكنتُ ذا حدْسِ " (6)

فالباحث هنا يحكم بصوفية الشاعر أو بوجود ومضات صوفية في قصيدته بدليل استخدامه المصطلح " الحدس "، وهو مصطلح صوفي مشهور.

ولكن دراسة متأنية لتاريخ هذا اللفظ تقودنا إلى استنتاج مخالف. فكلمة " الحَدْس " كانت شائعة في الشعر الجاهلي بمعنى " الظن والتخمين ". والشاعر هنا أراد أن يقول إنه يقف على أطلال الأحبة فيسترسل في التخمين في مصيرهم وما آلوا إليه. وقد وردت هذه الكلمة لدى شعراء آخرين بهذا المعنى وهم يقفون على الأطلال، كقول أحدهم:
تبدَّلَ أُدمانُ الظباءِ وحَيْرَماً وأصبحتُ في أطلالها اليومَ جالساً
بمعتركٍ شطَّ الحُبيّا ترى بهِ من القومِ، محدوساً وآخرَ حادساً

فالحدس هو التخمين أو الظنّ، والظنّ الصائب هو نوع من الذكاء، والتظنّي هو إعمال الظنّ. ويقول المتنبي وهو يصف ممدوحه بالذكاء:

ذكيٌّ تظنِّيهِ طليعةُ عينهِ يرى اليومَ ما ترى عينُه غدا

ولم يُستخدَم لفظ " الحدس " كمصطلح فلسفي في اللغة العربية إلا في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، عندما تحدّث الرئيس الحسين ابن سينا (370 ـ 428هـ/980 ـ 1037م) عن المعرفة الحدسية التي تحصل في الذهن دفعة واحدة دونما انتقال من مقدماتْ إلى نتائج، ودونما وعي للعمل الذي تقوم به الحواس. وفي القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، جاء الإمام أبو حامد الغزالي (450ـ505هـ/1058ـ1111م) و"أضاف إلى المعرفة الحدسية بُعداً صوفياً حين جعلها نوعاً من الإلهام الذي يمنّ به الله على الإنسان بعد ترقيّه في معارج التصوف، فهي بذلك كشف وعرفان يربط الإنسان بالحقيقة دفعة واحدة" (7).

فلفظ " الحدس " في العصر الجاهلي لم يُستعمل في مدلوله الصوفي الذي نعرفه اليوم. و " الحدس" الذي ورد في في بيت الحارث بن حلزة اليشكري يعني تفكير الشاعر في أحبابه وتذكرّهم بعد أن رأى أطلالهم، فالمكان المحسوس بالبصر أطلق البصيرة لرؤية أحداث الماضي وشخوصه، وهذه نتيجة طبيعية لترابط المكان والزمان في الوجود. وهذا المعنى كرره الشعراء، بل زادوا فيه وحسنوه، ومنه قول الشريف الرضي:

ولقد مـررتُ على ديارِهمُ وطلولُــها بيدِ البِلى نَهْبُ
فوقفتُ حتى ضجَّ من لَغَبٍ نضوي، ولجّ بعذلي الركبُ
وتلفتتْ عيني، فمُذ خفـيتْ عنها الطلولُ تلفتَ القلـبُ

إذن، حتى بعد أن غادر الشريف الرضي الطلولَ مع بقية الركب وابتعد عنها ولم يعُد يراها بعينيه، أخذ يراها بقلبه. فهل بإمكاننا أن نعدّ هذه المعرفة القلبية معرفةً صوفية عرفانية؟ على الرغم من أن الشريف الرضي أقرب إلى التصوف وعصره من الحارث بن حلّزة اليشكري؟

إن بيت اليشكري ليس وليد تجربة صوفية وإنما نتاج معاناة وجدانية صادقة. وما جعل الباحث يعدّ لفظ "الحدس" في قصيدة جاهلية مصطلحاً صوفياً هو عدم وجود معجم تاريخي للغة العربية يبيّن تطوّر دلالات الألفاظ عبر عصور اللغة.

التوسُّع في مفهوم التصوّف:

وإذا كان القسم الأول من رؤية النقد للعلاقة بين الشعر والتصوف لا يثير إشكالاً جوهرياً، لأن منهجه وصفي شكلي، فإن القسم الثاني يثير جدلاً حاداً بين مَن يميل إلى قبوله وبين من يصرّ على رفضه وتفنيده, لأنه يستند إلى مفهومي الشعر والتصوف وهما مفهومان زئبقيان.

في عام 1937، تقدّم الدكتور زكي مبارك إلى جامعة فؤاد الأول في القاهرة بأطروحةٍ لنيل دكتوراه ثانية في الآداب، موضوعها " التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق". وكان قد حاز من الجامعة ذاتها على دكتوراه في الفلسفة عن أطروحةٍ موضوعها " الأخلاق عند الغزالي". وكان أساتذته الذين اشتركوا في مناقشة أطروحته الثانية هم أعلام الفكر في جامعة فؤاد الأول وفي مقدمتهم الدكتور مصطفى عبد الرزاق، والدكتور منصور فهمي، والدكتور عبد الوهاب عزام، والأستاذ شفيق غربال.

كانت الجذوة التي أوقدت فكرة الأطروحة في روع الدكتور زكي مبارك هي دروس المستشرق الفرنسي البرفيسور ماسينيون التي كان يلقيها في الكوليج دي فرانس في باريس حول العلاقة بين التصوف والحب الرقيق. وكان الدكتور زكي مبارك قد حضر هذه الدروس بانتظام وشغف بها.

وإذا كان البرفسيور ماسينيون قد تحدث في دروسه عن وجود علاقة أو نقاط تشابه بين التصوف والحب الرقيق، فإن الدكتور زكي مبارك قد حمل هذه الفرضية إلى نهاية الشوط، أي إلى نهايتها القصوى، ليذهب في أطروحته الثانية إلى أن الحب الرقيق هو تصوف خالص.

وهكذا، فإن الدكتور زكي مبارك يعدّ جميل بثينة ومجنون ليلى وابن الدمينة من أقدم الصوفية وأطولهم باعاً في الزهد. فهو يأتي بقول جميل بثينة:

وإني لأرضى من بثينـةَ بالـذي لو أبصرهُ الواشي لقرّتْ بلابلُهْ
بِلا، وبأن لا أسـتطيع، وبالمنـى وبالأمل المرجوِّ، قد خاب آملُهْ
وبالنظرةِ العجلى وبالحول تنقضي أواخـره لا نلتـقى وأوائــلُهْ

فيعلّق الدكتور زكي مبارك على هذه الأبيات قائلاً:

" فهذا " الزهد" في الوصل تصوُّف، وإن لم يُذكَر صاحبُه بين أسماء الصوفية، وإنما كان الزهدُ تصوفاً، لأنه من دلائل الصدق وقوة العلاقة الروحية."

ثم يضيف الدكتور زكي مبارك قائلاً:
" وهل يمتري أحد في روح التصوف، حين يقراً هذا الشعر المنسوب إلى قيس بن الملوح:
وأحبسُ عنك النفسَ والنفسُ صبّةٌ بذكراكِ والمَمشى إليكِ قريبُ
مخافـةَ أن يسـعى الوشاةُ بظنّةٍ وأحرسُكم أن يستريبَ مريبُ..

فما رأيكم في هذا " التوحيد" في الحب؟ ألا ترونه من التصوف؟ فإن لم يكن هذا الترفُّق تصوفاً فما عساه أن يكون؟"

ثم يمضي الدكتور زكي مبارك في حشد الأمثلة لتعزيز رأيه، فيقول:

" وهل تذكرون ابن الدمينة؟ إن ذلك الشاعر لَمِنْ أقدم الصوفية في عالم الحبّ، ومع ذلك، لم أجد مَن تنبّه إلى ما في شعره من نفحات التصوف، وكيف يُنكَر صفاء الروح على مَن يقول:

وإني لأستحييكِ حتى كأنما عليّ بظهر الغيب منك رقيـبُ
ولو أن ما بي بالحصا، فلقَ الحصا، وبالريح لم يُسمع لهنّ هبوبُ
ولو أنني أستغفرُ الله كلّما ذكرتُكِ، لم تُكتب عليَّ ذنوبُ ..."(8)

إن الذي جعل الدكتور زكي مبارك يمضي في طريق فرضيته إلى آخر الشوط، هو عدم وجود تعريف محدَّد للتصوف، لأنه كما قال الإمام أبو حامد الغزالي: " أمر باطنٌ لا يُطَّلَعُ عليه، ولا يمكن ضبطُ الحكم بحقيقته...". ويرى الدكتور عبد المجيد الصغير أن الصوفية عرّفوا التصوّف بعبارات تتسم بالعمومية والغموض وأحياناً التناقض، لإثبات مرجعية سلطتهم العليا داخل الثقافة الإسلامية والمجتمع الإسلامي أيضاً (9)، مثل تعريف الطوسي للتصوّف بوصفه "اسماً مجملاً عاماً مُخبراً عن جميع العلوم والأعمال والخلاق" (10)، أو مثل ما ورد في الرسالة القشيرية من تعريف للتصوف بأنه " ذكر مع اجتماع، ووجْد مع استماع، وعمل مع اتباع" (11) وهو تعريف يجمع بين المتناقضات. ويرى بعضهم الآخر أن القصد من عمومية تعريف أهل التصوف لطريقتهم وغموضه هو إخفاء أسرار الطريقة على المناوئين من الفقهاء وغيرهم، وهذا ما ألمح إليه الكلاباذي عندما أورد الاعتراض الكلامي على التصوف : " ما بالكم، أيها المتصوفة، اشتققتم ألفاظاً، أغربتم بها على السامعين، وخرجتم عن اللسان المعتاد؛ هل هذا إلا طلب للتمويه أو ستر لعوار المذهب" (12)

ومهما يكن السبب وراء عمومية تعريف التصوف وغموضه، فإن تلك العمومية وذلك الغموض يسّرت للدكتور زكي مبارك أن يصوغ تعريفاً جامعاً غيرَ مانع للتصوف مفاده أن " التصوّف هو كلّ عاطفة صادقة، متينةِ الأواصر، قوية الأصول، لا يساورها ضعف، ولا يطمع فيها ارتياب". وعدّ تعريفه هذا قريباً من قول أبي علي الروذباري: " التصوّفُ الإناخةُ على باب الحبيب، وإن طُردَ عنه."(13)

ويتصدى الدكتور زكى مبارك لشرح تعريفه الذي لا تخفى على القارئ عموميته وضبابيته، فيقول:

" إن التصوّف خليق بأن يصحب كل نزعة شريفة من النزعات الوجدانية والأساس أن يكمل الصدق ويسود الإخلاص، بحيث لا تملك النفس أن تنصرف عما آمنت به واطمأنت إليه، في عالم المعاني، وكذلك يتمثّل التصوُّف في صور كثيرة: فيكون في الحبّ، وفي الولاء، ويكون في السياسة حين تقوم على مبادئ تتصل بالروح والوجدان." (14)

من هنا يتضح لنا أن مفهوم زكي مبارك للتصوف يقوم على خاصيتين هما :الأولى، نزعة وجدانية، والثانية، صفة الإخلاص التي تصبغها، مهما كان ميدان هذه النزعة أو غايتها ما دامت تتصل بالروح والوجدان وتتسم بالصدق. فكل عاطفة صادقة مبعثها الحب، أو المودة، أو الصداقة، أو الوفاء، أو الولاء، أو الحزن، هي تصوّف، في نظره، حتى أنه عدّ قصيدة البحتري في رثاء الخليفة المتوكل الذي دسّ له ولدُه المنتصر مَن يقتله وهو في مجلس شراب ـ عدّها من شعر التصوف، لأن وفاء البحتري وإخلاصه للمتوكل تغلب على خوفه من انتقام القتلة.(15)

وفي ظني أن اهتمام الدكتور زكي مبارك في "الأخلاق"، وهو اهتمام يتجسّد في أطروحتيه للدكتوراه، جعله يربط التصوف بالأخلاق من حيث الأساس، وهو منحى معروف في التصوف، ولكن زكي مبارك عمَّمه على جميع التجارب الوجدانية، فاعتبرها صوفية إذا كان لها أساس من الأخلاق الكريمة.

ولا يظن القارئ أن هذه المبالغة أو ذلك التعميم في مفهوم التصوف هو من شطحات الدكتور زكي مبارك. فبعد مرور أكثر من ثمانين عاماً نجد أطروحة دكتوراه في المغرب تعدّ الشعر الذي مبعثه تجربة وجدانية صادقة هو من شعر التصوف. ففرضية الدكتور محمد الشدادي في أطروحته الموسومة بـ " القصيدة الصوفية في المغرب " هي شديدة الشبه بفرضية الدكتور زكي مبارك، فكل قصيدة تنزع إلى المطلق هي قصيدة صوفية في نظره، وأي شاعر يولع بالغامض والمجهول هو متصوف في رأيه. ويلخّص الشدادي فرضيتَه في بداية أطروحته بقوله:

" وتتمثل تلك الفرضية في إمكانية توسيع مفهوم القصيدة الصوفية ليشمل كل الممارسات الشعرية المنحازة إلى المطلق الذي يماثل مركزية الإلهية بنحو ما يناظر مركزية الإنسانية" (16)

فالتجربة الشعرية، في هذه الفرضية، حالة روحية كلّية غير قابلة للتجزيء، بحيث لا يمكن الفصل بين المفهوم والمصطلح. ولهذا فإن ذلك الباحث يرى ومضات صوفية وإشراقات عرفانية في كل قصيدة وجدانية. ويعود الباحث بعد قليل ليؤكد هذه الفرضية بقوله:

" على أن في ارتباط الشاعر بالغامض، ومراودته العصي، وشغفه بالمجهول، ما يجعله متصوفاً في محراب الحياة، ينفصل عن ظاهرها ليؤكد اتصاله بباطنها."(17)

. وهكذا فإن خصائص القصيدة الصوفية في رأي الشدادي أربع:
ـ تجربة باطنية صادقة،
ـ شعور بألم المعاناة،
ـ التجوال في مناطق قصية،
ـ اكتشاف المجهول برؤية تغوص في الأعماق.

ونلاحظ أن عمومية التعابير والألفاظ في هذه الفرضية يذكّرنا بعمومية تعريف التصوف لدى الدكتور زكي مبارك، الذي كان يكتفي بالخاصيتين الأولى والثانية، أي العاطفة الصادقة الناتجة عن معاناة حقيقية، على حين أضاف الشدادي وجوب أن تغوص تلك التجربة في الأعماق وتنزع إلى المطلق، وهاتان الخاصيتان هما من خصائص الرومانسية.

إن هذا التوسّع في مفهوم القصيدة الصوفية هو الذي جعل الدكتور الشدادي يعدّ كثيراً من القصائد التي تناولت المكان أو الزمان أو التأمل في النفس الإنسانية أو في الطبيعة هي قصائد صوفية وأصحابها شعراء متصوفة، خاصة إذا اشتملت هذه القصائد على مصطلحات صوفية، مثل بعض قصائد الشاعرة وفاء العمراني في مجموعتها الشعرية " فتنة الأقاصي" التي عدّها الدكتور الشدادي من شعر التصوف(18).

وهنا يتساءل المرء ما إذا كان الباحث مضطراً إلى أن يعدّ كلّ قصيدة حبّ ناتجة عن عاطفة صادقة عفيفة وتجربة وجدانية تغوص في الأعماق، قصيدةً صوفية، وهكذا يُدخل في التصوف جميع شعراء الحب العذري وكثيراً من الشعراء الرومانسيين؟

إن شاعراً باحثاً، مثل فاروق شوشة، استطاع أن يميّز بين نوعين من الشعر الوجداني الذي تصوغه التجربة الإنسانية العميقة، وتكلّله القيم الخلقية النبيلة، ويتعدى حدود المكان والزمان: الأول الحب العذري والثاني الحب الإلهي. فإذا كانت علاقة الحبّ تربط الشاعر بإنسان وتتسم بالتعفُّف والتضحية بالنفس من أجل الحبيب فهو حبّ عذري. أما إذا كان الحبّ يتوخّى الذات الألهية فالقصيدة التي تصوّر ذلك الحب هي في عداد شعر المتصوفة. ولهذا فإن فاروق شوشة أفرد كتاباً لقصائد الحبّ، سواء أكان حب اللهو والمجون أو حب العفة والإخلاص، أسماه " أحلى 20 قصيدة حبّ في الشعر العربي"(19)، وكتاباً آخر أسماه " أحلى 20 قصيدة حبّ في الحبّ الإلهي"(20) مخصَّص لأنغام وترانيم وألحان تَطهَّر بها العشاق الكبار من الشعراء الذين تمتلئ نفوسهم " بأقباس من النورانية وتفيض العيون بدموع الندم والخشية والتوبة، وتعمر القلوب بوشائج المحبة الدائمة، ومقامات العشق وأواله، وينسكب هذا كله في النهاية شعراً فيفيض بالصدق ويعمر باليقين والمحبة والإيمان" (21).

ورأي الشاعر فاروق شوشة رأي قمين بالتقدير لأنه يحل عقدة من عقد المشكلة. غير أن السؤال يثار حول الشعر الذي كتبه بعض أقطاب الصوفية في حبّ الرسول محمد (ص). فهل نعدّ هذا من الشعر الصوفي، على الرغم من أنه لا يتوجه إلى الذات الإلهية، أم لا؟ فكتاب "المعسول" للمرحوم العلامة محمد المختار السويسي يورد في جزئه السابع تراجم لبعض "أشياخ الإلغيين السوسيين في التصوف والمعارف"، قصائد يسميها بـ "النبويات", كتلك القصائد التي نظمها المرحوم الطاهر بن محمد الإيفراني في محبة الرسول (ص) ومدحه والتوسل به وإليه. ومنها قصيدته الدالية التي يعبق منها شذى الهوى الصوفي وتزخر بمصطلحات المتصوفة:

برحً الخفاءُ وصرّحَ الوجـدُ وبـدا الذي ما خلتُهُ يبـدو
ذُكرَ الحمى ونزيلُهُ فتناثرت دُررُ الدموعِ وأُضرمَ الوقدُ
وجرت صَبا أنفاسِهم فتمايلت أهـلُ الهوى فكأنهم مُـلـدُ
والمستهامُ وإن أبانَ تجلُّـداً أبداً يحـن ُّ إذا جرى نجـدُ
عجباً لقلبٍ لا يذوبُ إذا شدا حادي الحِمى، ولو أنه صلدُ
وإذا أدارَ المادحون الكأسَ من مدحِ النبي فقد بدا السعدُ...(22)

خلاصة واستنتاجات وحلول:

رأينا أن الاعتماد على المصطلح الصوفي واتخاذه معياراً لتحديد هوية القصيدة لا يقودنا إلى النتيجة الصحيحة، إذ قد يستلهم الشاعر الشعر الصوفي في بناء قصيدته ويضمّنها المصطلحات الصوفية دون أن يكون قد مرّ بأية تجربة صوفية مطلقاً ودون أن يكون قَصْدُ القصيدة أو موضوعُها صوفياً. وهذا ما دعا الدكتور طه عبد الرحمان إلى وصم هذا النوع من الشعر بـ " التزييف "، فقال:

" يتجلى (أي التزييف) في كون بعض الإنتاجات الأدبية التي أخذت تسطو على التراث الصوفي وتخطف منه القبسات تلو القبسات، إحساساً بجمال مبانيه الذي لا يُضاهى، وبجلال معانيه الذي لا يُسامى، أبى أصحابها أن يكلِّفوا أنفسهم عناء الدخول في التجربة الروحية التي أثمرت هذه القبسات والإشراقات، واقعين بذلك في أشنع التناقضات إذ إنهم يدَّعون طلب الصدق في التجربة الإبداعية التي يخوضون مع بقائهم على رفض التحقق الفعلي بما يغتصبون من رقائق العارفين وحقائقهم."(23)

ومن ناحية أخرى، رأينا أن صعوبة التوصّل إلى تعريف جامع مانع للتصوّف، بسبب كونه تجربة باطنية لا يُمكن الاطلاع عليها، جعلت بعض الباحثين يرتضون تعريفات فضفاضة للتجربة الصوفية، تعريفات جامعة غير مانعة، مثل اعتبار التصوف كل عاطفة صادقة نبيلة نابعة من إحساس مخلص، ما أدى إلى إدخال كثير من القصائد الوجدانية في مصاف الشعر الصوفي وأخل بالتمييز بين الحب العذري وبين الحب الإلهي من جهة، وبالتمييز بين الشعر الرومانسي والشعر الصوفي من جهة أخرى.
وإذا كان التصوف أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه، فإننا نرى أن الشعر الصوفي أمر ظاهر يمكن تحليله والوقوف على خصائصه. ونقترح الخصائص التالية لتدل ـ إذا توفرت مجتمعة في القصيدة ـ على انتمائها للشعر الصوفي (24)، وهي:

أولاً، قدسية المحبوب:

يساعدنا هذا المعيار على التفريق بين الشعر العذري والشعر الصوفي، فإذا كان الشعر العذري يتفق مع الشعر الصوفي في صدق العاطفة اتجاه المحبوب، والإخلاص له وحده، والاستعداد للتضحية بالنفس من أجله، والفناء فيه، فإنهما يختلفان في نوع هذا المحبوب. فالشعر العذري يتعلق بكائن بشري فانٍ، امرأة كان أو رجلاً. أما الشعر الصوفي فيتعلق بذات مقدسة وبالتحديد الذات الإلهية أو الرسول محمد (ص)الذي قال " لا يؤمن أحدكم حتى يحبني أكثر من نفسه". وهكذا يمكن أن نرسم شجرة الحب العربي على الوجه التالي:
الشُّعرُ والتَّصوفُ

ثانياً، قصدية القصيدة:

تتسم القصيدة الصوفية بقصد محدّد هو تمجيد الذات الإلهية أو مدح الرسول (ص)، وإظهار حب الشاعر وإخلاصه وتفانيه في حبهما. أما إذا كان الغرض من القصيدة تمجيد المكان أو الزمان أو التأمل في الوجود الإنساني أو جمال الطبيعة، فهي لا تُعدّ من الشعر الصوفي، بلت من الشعر الرومانسي أو غير ذلك، ولكنها ليست من الشعر الصوفي بالتأكيد لاختلاف القصد.

ثالثاً، اللغة الإشارية:

تُعرّف اللغة عادة بأنها "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم" (25). بيد أن الصوفي يستخدم اللغة للتعبير عن حالاته المختلفة، وهي حالات ليست من الأغراض التي تعارف عليها القوم ولا تنتمي إلى واقعهم. فالصوفي بين حضور وغياب، بين اتصال وانفصال، بين صحو وسكر، فهو دائم التنقل بين عالم الشهادة وعالم الغيب. فإذا انفصل عن العالم الواقعي الذي نعرفه وخرج عن نفسه، وارتقى في مدارج الصعود، ودخل عالم الحقيقة المطلقة، فأنه لا يستطيع أن يصف تجربته تلك بلغتنا الاعتيادية الصالحة لعالمنا الواقعي التي تحكمها قواعد المنطق وقواعد النظم والبلاغة وقواعد علم الدلالة. وإذا اضطر الصوفي إلى استخدام هذه اللغة فإنه مضطر إلى تجاوز تلك القواعد وتحطيم العلاقة القائمة بين الألفاظ ومعانيها المعتادة وجعل تلك الألفاظ تشير إلى مدلولات جديدة(26). فكما تنفصل روحه عن جسده، فإن لفظه ينفصل عن معناه المتعارف عليه لتحل فيه إشارات ودلالات لم نألفها من قبل وهكذا ينتقل الخطاب الصوفي باللغة من العبارة إلى الإشارة، ولهذا قال أبو علي الروذباري: " علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي."(27)

وإذا كان علماء اللغة يجعلون الإشارة، اللفظية أو المكتوبة، قسماً يُضاف إلى أقسام اللغة المعروفة : الكلام، والقول، فإن الصوفية يضيفون قسماً رابعاً هو الشطح. والشطح، لغةً، هو الحركة وهو ضد السكون. و"شطح في السير أو القول" تعني : تباعد واسترسل، كما في عبارة "شطح به خياله". وفي الخطاب الصوفي يكون " الشطح" الجسد اللفظي الذي تسكنه روح الكلمة ومدلولها الجديد الذي يبتعد عن المدلول المتداول، وهكذا يكون الخطاب الشطحي خطاباً صوفياً مخصوصاً.

ويقسّم علماءُ اللغةِ الحروفَ إلى حروف المعاني التي تدل على معنى في غيرها (مثل حرف الاستفهام "هل" وحرف الجر "من" إلخ.) وحروف المباني، وهي حروف الهجاء التي لا معنى لها بمفردها (مثل ب، ج، د، هـ، إلخ.). غير أن أصحاب المعرفة القلبية الذوقية يُضفون اسماً ومعنى على كلِّ حرف من حروف المباني؛ فهي رموز ذات دلالات بعيدة واسعة، كما هو الحال في رمزية حرف "قاف" المشهور. يقول ابن عربي:

" إن الحروف أمة من الأمم، مخاطبون ومكلَّفون، وفيهم رُسُل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا، وعالم الحروف أفصح العالم لساناً وأوضحه بياناً."(28)

وهكذا نجد أن الخطاب الصوفي أغنى اللغة العربية بالإكثار من الإشارة والرمز والشطح، ولم تعد اللغة مقتصرة على الكلام والقول، كما يرى النحويون.
الشُّعرُ والتَّصوفُ

رابعاً، المصطلح الصوفي، مكمن الغرابة والتمويه:

تقسّم اللغة إلى لغة عامة ولغة خاصة. فاللغة العامة هي التي يشترك في استعمالها عامة الناس. أما اللغة الخاصة فهي لغةُ جماعةٍ معينة تشترك في مهنة من المهن أو مذهب من من المذاهب الفكرية، كالأطباء والمهندسين والماركسيين، وأضرابهم. فتكون لغة الجماعة مطرَّزة بمصطلحات معينة لا يفهما إلا أفراد تلك الجماعة. وللمتصوفة لغتهم الخاصة من حيث عباراتها ومصطلحاتها، بل وحتى تراكيبها. وفي هذا يقول الكلاباذي: " للقوم عبارات تفرّدوا بها، واصطلاحات فيما بينهم، لا يكاد يستعملها غيرهم." (29)

ولكن علم المصطلح يشترط في المصطلح الجيد أن يعبِّر عن مفهوم واحد، وأن لا يُعبَّر عن المفهوم الواحد بأكثر من مصطلح واحد، " وذلك بالتخلص من الترادف والاشتراك اللفظي، وكل ما يؤدي إلى الغموض والالتباس في اللغة العلمية والتقنية" (30)

بيد أن الخطاب الصوفي يشوبه الغموض والالتباس والغرابة لسببين:

الأول، عدم وجود علاقة مستقرة بين المصطلح الصوفي ومفهومه. فمفهوم المصطلح يتفاوت بتفاوت مقامات الصوفي نفسه. ولهذا فإن المعجمي الصوفي الفذ، عبد الرزاق الكاشاني، قسّم الجزء الثاني من معجمه " اصطلاحات الصوفية" إلى عدة أقسام حسب المقامات، بحيث يكون للمصطلح الواحد مفهوماً مختلفاً في كل مقام من المقامات(31)
الثاني، لجوء المتصوفة إلى الغموض والتلميح وتجنُّب التصريح لسبب من الأسباب التي مرّ ذكرها.

وخلاصة القول، إن الخطاب الصوفي له خصائص جوهرية تميزه عن بقية أصناف الخطابات فإذا اجتمعت هذه الخصائص في قصيدة من القصائد، يمكن للدارس أن يعدّها في مصاف الشعر الصوفي



الأخبار | الأديان الإبراهيمية | الديانات الإيرانية | الديانات الهندية | الإسلام في المغرب | التصوف الإسلامي | اديان ومذاهب | مقالات | راصد أقطاب | مواسم وملتقيات | نشر | بودكاست


شيخ الأزهر : الأعمال الإرهابية تشريع شيطانى من يفعله لا دين له

فيديو.. إبراهيم عيسى: مصر مسؤولة عن التخلص من تيارات «الإسلام السياسي» لنصرة دين الله

رجال دين وسياسيون مغاربة: دور علماء الإسلام أساسي في محاربة الإرهاب

5 فرنسيين، من بينهم مسلم، يوحدون ديانات العالم

ابو عرايس: الدين الاسلامي مستورد وعلى المصريين العودة لـ”دين حورس”

بالفيديو.. رجل دين إيراني: سورة يوسف ممنوعة على النساء لأنها «مثيرة للجنس»


.

الاشتراك بالرسالة الاخبارية

Facebook
Twitter
Rss
Mobile